ماذا تريد إسرائيل من بوركينا فاسو؟ قراءة في خلفيات تعيين سفير جديد

جاء استقبال رئيس المرحلة الانتقالية في بوركينا فاسو، النقيب إبراهيم تراوري، لسفير إسرائيل الجديد، سيمون سيروسي، في توقيت بالغ الحساسية، تزامن مع تصعيد تراوري لمواجهة داخلية واسعة مع مؤسسات وشخصيات إسلامية، تحت عنوان محاربة “الإسلام الراديكالي”.
ورغم غياب أي دليل علني يربط بين الحدثين، إلا أن هذه التحركات تكشف عن تقاطع متزايد بين حاجة واغادوغو لشريك أمني جديد، وسعي إسرائيل الدؤوب لتوسيع نفوذها في منطقة الساحل الأفريقي.
تعيين في سياق استراتيجي
أقرت لجنة التعيينات في وزارة الخارجية الإسرائيلية اختيار سيمون سيروسي سفيراً لدى أربع دول أفريقية هي: كوت ديفوار (ساحل العاج)، بوركينا فاسو، بنين، وتوغو. وأفاد المراسل الدبلوماسي لصحيفة “يديعوت أحرونوت”، إيتمار آيخنر، بأن هذا التعيين جاء ضمن حزمة قرارات رئاسة الوزراء جدعون ساعر، قبل عرضها على الحكومة الإسرائيلية.
لا يقيم سيروسي في واغادوغو، بل يتخذ من السفارة الإسرائيلية في أبيدجان (ساحل العاج) مقراً له. وتشير سيرته الذاتية إلى كونه دبلوماسياً محترفاً التحق بالخارجية الإسرائيلية عام 2018، وشغل منصب نائب السفير في الكاميرون، مع خبرة في الملفات الدبلوماسية والاقتصادية والثقافية، بالإضافة إلى تطوير الأعمال الزراعية وتحليل النزاعات الأفريقية. هذه الخلفية تجعله مؤهلاً لتنفيذ مقاربة إسرائيلية تجمع بين التعاون في مجالات الزراعة، المياه، والتكنولوجيا، وبين الملفات الأمنية وفهم الصراعات المحلية.
توقيت يتزامن مع حملة داخلية
تزامن تقديم أوراق الاعتماد مع إعلان تراوري أن ما وصفه بـ”الإسلام الراديكالي” لا مكان له في البلاد، متوعداً الدعاة الذين يتهمهم بالتشدد بأن “المعركة قد بدأت”. كما هدد بتعليق عمل الأئمة الذين تستخدم خطبهم، بحسب السلطات، لنشر رسائل متطرفة.
وأقرت السلطة الانتقالية قانوناً جديداً للحريات الدينية يهدف، وفقاً لها، إلى تثبيت علمانية الدولة وفرض رقابة أكبر على التمويل والخطاب الديني. وسبق ذلك اعتقالات لأئمة، وإغلاق أكبر مسجد سني في واغادوغو بعد احتجاجات طالبت بالإفراج عن الإمام محمد إسحاق كيندو.
كما أعلن تراوري خطة لإعادة طلاب يدرسون الشريعة في دول عربية، مدعياً أن نحو 800 ألف طالب يتابعون دراسات إسلامية في الخارج دون اكتساب مهارات مهنية، ملوحاً بإجراءات تمس الجنسية بحق من يرفض العودة.
مأزق أمني يدفع نحو تنويع الشركاء
تكشف الأوضاع الأمنية المتردية في بوركينا فاسو حدود الصورة التي يحاول تراوري تقديمها عن قدرته على استعادة السيطرة. فقد وصف الكاتب زئيف أبراهامي، في مقال بصحيفة “يديعوت أحرونوت”، بوركينا فاسو بأنها من أخطر دول العالم، مشيراً إلى سيطرة جماعات مرتبطة بتنظيم الدولة والقاعدة على مناطق كاملة. ويشير الكاتب إلى أن تراوري بنى حول نفسه صورة “المنقذ الأفريقي” بدعم من خطاب مناهض للغرب وحملة دعائية واسعة، بينما استمر الإرهاب في التوسع وتراجعت مظاهر الحياة الديمقراطية.
ومنذ وصوله إلى الحكم، بحث تراوري عن بديل لفرنسا في مكافحة الجماعات المسلحة، واتجه بداية نحو روسيا، لكن استمرار التدهور الأمني جعل تنويع الشركاء ضرورة ملحة. وهنا تبرز قيمة إسرائيل، التي يرى معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي أن العنصر الأمني أصبح المكون الأكثر تأثيراً في علاقاتها مع الدول الأفريقية، حتى حين تبدأ العلاقات تحت عناوين مدنية.
ويشير الباحث يارون سلمان من المعهد إلى أن إسرائيل تستخدم التدريب العسكري، وتقديم المعدات، وبناء القدرات الاستخبارية، لتعزيز حضورها في الدول التي تواجه تنظيمات مسلحة. في دراسة عن التنافس الدولي في أفريقيا، وضع الخبير دينيس سيترينوفيتش بوركينا فاسو ضمن الدول التي تحولت إلى ساحة نفوذ روسي، بالتزامن مع توسع أدوار تركيا وإيران، مما يدفع إسرائيل للبحث عن موطئ قدم فيها.
رابط محتمل أم تقاطع مصالح؟
أشار تقرير للجزيرة إلى أن قبول اعتماد السفير الإسرائيلي ظل معلقاً منذ صيف 2025، وأن الاستقبال العلني أنهى مرحلة من الحذر فرضتها صورة تراوري المناهضة للغرب.
لا تتوفر وثيقة رسمية تعلن وجود اتفاق أمني أو استخباري بين الطرفين، ولا دليل يثبت أن حملة تراوري على المؤسسات الإسلامية بدأت بتنسيق مع تل أبيب. وتبدو العلاقة المعلنة بمثابة تقاطع سياسي: فتراوري يحتاج إلى تقنيات وخبرات لمواجهة خصومه المسلحين وإحكام السيطرة الداخلية، وإسرائيل تبحث عن شريك جديد في منطقة تتراجع فيها القوى الغربية ويتنافس عليها الروس والإيرانيون والأتراك.
في الخلاصة، لا يبدو تعيين سيروسي إنشاء لعلاقة جديدة بقدر ما هو رفع لمستوى التواصل وإخراجه إلى العلن. وأما تزامنه مع حملة تراوري ضد “الإسلام الراديكالي”، فيمنح التقارب بعداً أمنياً واضحاً، لكنه لا يثبت وجود تحالف معلن. والمؤكد أن فشل الخيارات الفرنسية والروسية في إنهاء التمرد يدفع تراوري إلى تنويع شركائه، بينما تمنح الأزمة إسرائيل فرصة للدخول من بوابة الأمن والتكنولوجيا، مع تغليف العلاقة بالمجالات التنموية والاقتصادية.
المصدر: الصحافة الإسرائيلية









