أين يخزن الأردن احتياطياته من النفط والغاز؟ وكم يوما تكفي لمواجهة أزمات الإمدادات؟

مع تصاعد المخاوف من اتساع المواجهات العسكرية في المنطقة وانعكاساتها المحتملة على إمدادات النفط والغاز، تتزايد التساؤلات بشأن قدرة الأردن على تأمين احتياجاته من الطاقة، وحجم مخزوناته المتاحة، والمواقع التي يحتفظ فيها باحتياطياته الاستراتيجية.
وتؤكد وزارة الطاقة والثروة المعدنية الأردنية، في تصريحات للجزيرة نت، أن المملكة تمتلك منظومة متكاملة لتخزين المشتقات النفطية والغاز البترولي المسال، إلى جانب خطط طوارئ تتيح لمحطات توليد الكهرباء التحول إلى أنواع بديلة من الوقود في حال انقطاع إمدادات الغاز الطبيعي.
أين يخزن الأردن احتياطياته النفطية؟
تتوزع مرافق تخزين المشتقات النفطية في الأردن بين منشآت الماضونة الواقعة شرقي العاصمة عمّان، ومرافق التخزين في العقبة، وخزانات شركة مصفاة البترول الأردنية في الزرقاء والعقبة، إضافة إلى المستودعات التابعة لشركات تسويق المشتقات النفطية.
وتشكل منشآت الماضونة المركز الرئيسي للاحتياطي الاستراتيجي الحكومي، وتتولى الشركة اللوجستية الأردنية للمرافق النفطية «جوتك» إدارتها، وتضم خزانات مخصصة للبنزين والديزل والكاز ووقود الطائرات والغاز البترولي المسال.
وبحسب وزارة الطاقة، تصل السعة الإجمالية للمرافق النفطية المخصصة لتخزين الاحتياطي الاستراتيجي في الماضونة إلى نحو 312 ألف طن، في حين تبلغ الطاقة الاستيعابية لمرافق تخزين ومناولة المشتقات النفطية في العقبة نحو 106 آلاف طن، منها 6 آلاف طن مخصصة للغاز البترولي المسال.
وتؤدي مرافق العقبة، الواقعة جنوبي المملكة، دورا أساسيا في استقبال شحنات المشتقات النفطية المستوردة وتخزينها ومناولتها، قبل توزيعها على الأسواق المحلية، بينما تمتلك مصفاة البترول الأردنية خزانات للنفط الخام والمشتقات النفطية والغاز المسال في منشآتها المختلفة.
وإلى جانب المخزون الحكومي، تتوافر لدى القطاع الخاص سعات تخزينية تستخدمها شركات التسويق والتوزيع لتلبية احتياجات السوق اليومية. ويختلف هذا المخزون التشغيلي عن الاحتياطي الاستراتيجي الذي يُخصص لمواجهة حالات الطوارئ واضطرابات الإمدادات.
كم يوما تكفي المخزونات النفطية في الأردن؟
توضح وزارة الطاقة أن الاحتياطي الاستراتيجي من المشتقات النفطية يغطي احتياجات الأردن لفترة تتراوح بين 30 و60 يوما، وفقا لنوع المشتق، في حين تكفي كميات الوقود المخصصة لتوليد الكهرباء نحو شهر واحد في حال توقف الإمدادات.
وتشير الوزارة إلى أن المخزون الاستراتيجي لم يُستخدم حتى الآن، وأن عمليات التزويد مستمرة بموجب عقود طويلة الأمد وخطط تشغيلية تأخذ في الحسبان احتمالات تعطل سلاسل الإمداد.
لكن القدرة الفعلية على الاستفادة من هذه الاحتياطيات لا تعتمد على حجم الكميات المخزنة وحده، إذ ترتبط أيضا بمعدلات الاستهلاك، واستمرار عمليات النقل والتوزيع، ومدى جاهزية المنشآت الحيوية للعمل في الظروف الاستثنائية.
كيف يؤمّن الأردن احتياجاته من الغاز والكهرباء؟
تقول وزارة الطاقة للجزيرة نت إن استراتيجية قطاع الطاقة للأعوام 2020-2030 تعتمد على تنويع مصادر التزويد، بهدف تقليل الاعتماد على مصدر واحد وتعزيز قدرة المملكة على مواجهة انقطاع الإمدادات.
وتستند إمدادات الغاز الطبيعي في الأردن إلى أربعة مصادر رئيسية، هي الغاز المصري المنقول عبر الأنابيب، والغاز القادم عبر الأنابيب من البحر المتوسط، والغاز الطبيعي المسال المستورد من خلال مرافق العقبة باستخدام باخرة عائمة، إضافة إلى الإنتاج المحلي من حقل الريشة.
وتوضح الوزارة أن اثنين من مصادر الغاز يرتبطان باتفاقيات طويلة الأمد، بما يسهم في تعزيز استقرار الإمدادات وتوفير خيارات متعددة لقطاع الكهرباء.
ووفقا للبيانات التي قدمتها الوزارة، يشكل الغاز الطبيعي نحو 66% من مزيج توليد الكهرباء في الأردن، مقابل 20% للطاقة المتجددة، و14% لمشروع العطارات المعتمد على الصخر الزيتي.
وتؤكد الوزارة أن شركة الكهرباء الوطنية أعدت خططا للتعامل مع حالات الطوارئ التي قد تؤدي إلى انقطاع الغاز، إذ تستطيع معظم محطات التوليد التقليدية استخدام الديزل أو زيت الوقود بديلا، كما جُهزت هذه المحطات بخزانات تتيح توفير احتياجاتها التشغيلية.
غير أن اضطرابات أسواق الطاقة تفرض تكاليف مالية إضافية على المملكة، إذ ارتفع سعر الغاز الطبيعي المسال إلى نحو 28 دولارا للمليون وحدة حرارية بريطانية، مقارنة بنحو 7 دولارات قبل حرب إيران.
ودفعت هذه الزيادة إلى تشغيل بعض المحطات باستخدام زيت الوقود، ومنها محطة العقبة الحرارية، مع اللجوء إلى الديزل عند ارتفاع الطلب، الأمر الذي رفع الكلفة اليومية الإضافية لقطاع الطاقة إلى ما بين 2.5 و3 ملايين دينار، أي ما يعادل نحو 4 ملايين دولار.
باخرة الغاز العائمة وخطط تعزيز الإمدادات
تُعد باخرة تخزين الغاز الطبيعي المسال وإعادة تغويزه في العقبة من أبرز الأدوات التي يعتمد عليها الأردن لضمان استمرار تدفق الغاز، ولا سيما إلى محطات توليد الكهرباء، في حال تعطل مصادر التوريد الأخرى.
وفي أحدث الخطوات بهذا المجال، وقّعت شركة الكهرباء الوطنية، في 5 مايو/أيار 2026، اتفاقية مع شركة «إكسيليريت إنرجي» الأميركية لاستئجار وحدة عائمة جديدة، لتحل محل الباخرة «إنيرجوس فورس»، التي كان مقررا انتهاء عقدها بنهاية يونيو/حزيران الماضي.
وتتيح هذه الوحدات استقبال شحنات الغاز الطبيعي المسال من الأسواق العالمية، ثم تحويله إلى حالته الغازية وضخه في شبكة الغاز الوطنية، بما يوفر مصدرا إضافيا للإمدادات.
وبالتوازي مع ذلك، تعمل المملكة على تنفيذ مشروع لتطوير ميناء الغاز في العقبة، يتضمن إنشاء وحدة برية لإعادة التغويز بطاقة تصل إلى 700 مليون قدم مكعب يوميا، بهدف تقليل الاعتماد المستمر على وحدات التغويز العائمة، وخفض التكاليف وتعزيز أمن الطاقة.
هل تكفي الاستعدادات الحالية لمواجهة أزمة إقليمية؟
يرى الخبير الاقتصادي المتخصص في شؤون الطاقة عامر الشوبكي أن امتلاك مخزونات استراتيجية يمثل ركيزة أساسية لأمن الطاقة، لكنه لا يغني عن الاستعداد لاحتمالات اتساع نطاق الحرب، خصوصا إذا تزامن ارتفاع الأسعار مع صعوبات في الحصول على الاحتياجات الأساسية.
ويدعو الشوبكي، في تصريحات للجزيرة نت، إلى تعزيز الاحتياطيات الحكومية والتجارية من الوقود والغاز والمواد الغذائية، وتوزيعها جغرافيا، مع إجراء حصر دقيق للكميات المتاحة في المستودعات ومحطات المحروقات ومراكز تعبئة الغاز ووكالات التوزيع المرخصة.
ويشدد على ضرورة ضمان جاهزية وسائل النقل ومسارات التوريد البديلة ومصادر الطاقة الاحتياطية، موضحا أن تخزين الوقود لا يضمن الاستفادة منه إذا تعطلت وسائل نقله إلى المستشفيات والمرافق الحيوية.
كما يؤكد أهمية إعطاء الأولوية لاستمرار تشغيل مرافق المياه والاتصالات والخدمات الصحية، وإجراء اختبارات عملية لخطط الطوارئ، إلى جانب توفير قطع الغيار والمعدات الضرورية لضمان استمرار الخدمات الأساسية.
ويرى الشوبكي أن الاستعداد الاقتصادي يتطلب إعداد موازنة طوارئ واضحة، تشمل حماية الأسر الأكثر ضعفا وتقديم دعم مؤقت للمنشآت والقطاعات المتضررة، فضلا عن إصدار معلومات رسمية بصورة منتظمة للحد من الشائعات ومخاوف المواطنين.
وفي المقابل، يحذر من التهافت على شراء الوقود وتخزينه داخل المنازل، داعيا الأسر إلى الاحتفاظ بكميات معقولة من المياه والغذاء والأدوية ومستلزمات الطوارئ، مع مراعاة شروط السلامة وعدم التسبب في زيادة الضغط على الأسواق.
الرهان على الإنتاج المحلي من الغاز
وفي إطار مساعي المملكة لتقليل الاعتماد على واردات الطاقة، تعمل الحكومة على تطوير حقل غاز الريشة، من خلال خطة تستهدف زيادة إنتاجه إلى أكثر من 400 مليون قدم مكعب يوميا بحلول عام 2029.
وتشير وزارة الطاقة إلى إحالة عطاء لحفر 80 بئرا في الحقل، بالتزامن مع التحضير لإنشاء خط لنقل الغاز المنتج إلى مراكز الاستهلاك.
ويبلغ متوسط استهلاك الأردن اليومي من الغاز نحو 340 مليون قدم مكعب، ما يجعل الوصول إلى مستويات الإنتاج المستهدفة خطوة مهمة نحو تعزيز قدرة المملكة على تغطية احتياجاتها المحلية، وتقليل تعرض قطاع الطاقة لتقلبات الأسواق الخارجية واضطرابات الإمدادات الإقليمية.









