ثقافة

ترمب يصعّد بعد الهزيمة الإنتخابية ويختار ستيفن ميلر ليتولى قيادة البيت الأبيض !

🔊استمع إلى المقالجاهز
0%
اضغط تشغيل لبدء قراءة المقال
استمع إلى المقال


في خطوة تحمل أبعاداً سياسية تتجاوز مجرد التغيير الإداري، اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب مستشاره المتشدد ستيفن ميلر لتولي منصب كبير موظفي البيت الأبيض، خلفاً لسوزي وايلز، في قرار يعكس تمسك الإدارة بخياراتها السياسية، رغم الانتكاسة التي تعرض لها الجمهوريون في انتخابات التجديد النصفي.
وتكتسب هذه الترقية أهميتها من توقيتها، إذ جاءت في أعقاب نتائج انتخابية كشفت عن تراجع التأييد الشعبي لعدد من سياسات الإدارة، خصوصاً في ملف الهجرة، الأمر الذي كان يُفترض أن يدفع البيت الأبيض إلى مراجعة أولوياته وإعادة تقييم خطابه السياسي.
غير أن ترمب اختار مساراً مغايراً، بمنح أحد أبرز مهندسي سياساته المتشددة موقعاً أكثر تأثيراً في صناعة القرار، بما يفتح الباب أمام مرحلة قد تتسم بمزيد من المواجهة مع الخصوم السياسيين والمؤسسات التشريعية.
من هندسة الترحيل إلى إدارة البيت الأبيض
يُعد ستيفن ميلر من أبرز الشخصيات التي ساهمت في صياغة التوجهات السياسية لترمب، ولا سيما في قضايا الهجرة والحدود والترحيل الجماعي، حيث ارتبط اسمه بالدفع نحو تشديد إجراءات إنفاذ قوانين الهجرة وتوسيع صلاحيات الأجهزة المختصة بملاحقة المهاجرين غير النظاميين.
ولم يكن نفوذ ميلر مقتصراً على ملف الهجرة، بل امتد إلى صياغة الأوامر التنفيذية والتنسيق مع مؤسسات حكومية متعددة، فضلاً عن دوره في بلورة أجندة الإدارة السياسية والقانونية.
وتشير تقارير صحفية أميركية إلى أنه كان يشارك بصورة منتظمة في مراجعة القرارات التنفيذية للرئيس، ويتواصل مع مسؤولين في مختلف الوكالات الحكومية، وهو ما يجعل انتقاله إلى منصب كبير موظفي البيت الأبيض تتويجاً لنفوذ راكمه داخل الإدارة، وليس بداية لدور جديد.
مواجهة مرتقبة مع الكونغرس
ومن أبرز الملفات التي تنتظر ميلر طبيعة العلاقة مع الكونغرس، خصوصاً مع استعداد الديمقراطيين لتوسيع رقابتهم على الإدارة وفتح تحقيقات بشأن عدد من سياساتها وقراراتها.
وتشير التقديرات إلى أن ميلر يميل إلى الاعتماد على الصلاحيات التنفيذية للرئيس لتجاوز العقبات التشريعية، وهو توجه قد يضع البيت الأبيض في مواجهة مباشرة مع المؤسسة التشريعية، ويزيد من احتمالات الصدام القانوني والدستوري.
كما تبرز مخاوف من أن يتحول المنصب الجديد إلى مركز لتنسيق المواجهة السياسية مع خصوم ترمب، في ظل الحديث عن رغبة الرئيس في ملاحقة بعض منافسيه السياسيين.
الهجرة.. الاختبار الأصعب
ويظل ملف الهجرة المجال الأكثر حساسية في المرحلة المقبلة، بالنظر إلى الدور المحوري الذي لعبه ميلر في رسم السياسات المتشددة بهذا الخصوص.
فترقيته قد تمنح أنصار التشدد في هذا الملف نفوذاً أكبر، وتفتح المجال أمام توسيع عمليات الترحيل وتشديد الرقابة على المهاجرين، رغم الانتقادات التي أثارتها هذه السياسات داخل الولايات المتحدة.
ولا تقتصر تداعيات هذا التوجه على الجانب الحقوقي والسياسي، بل تمتد إلى الاقتصاد الأميركي، إذ تعتمد قطاعات حيوية، من بينها الزراعة والبناء، على العمالة المهاجرة.
وقد حذرت أوساط اقتصادية من أن استمرار حملات الترحيل وتشديد القيود على العمال الأجانب يمكن أن يؤدي إلى تفاقم نقص اليد العاملة، وتأخير المشاريع، وارتفاع تكاليف الإنتاج، بما قد ينعكس في نهاية المطاف على أسعار السلع والمواد الغذائية.
اقتصاد مضغوط وتحالف انتخابي متصدع
ولا يواجه ميلر تحديات الهجرة والكونغرس وحدها، بل يجد نفسه أمام معادلة اقتصادية وسياسية معقدة، تتداخل فيها تكاليف المعيشة وارتفاع أسعار الوقود وتداعيات المواجهة مع إيران.
وتزداد صعوبة المهمة مع التصدعات التي ظهرت داخل التحالف الانتخابي الداعم لترمب، خصوصاً بعد خسارة الجمهوريين جزءاً من التأييد الذي كانوا يحظون به لدى الناخبين من أصول لاتينية.
وهنا يبرز أحد التحديات الأساسية أمام الإدارة: كيفية الحفاظ على خطابها المتشدد وإرضاء قاعدتها الأكثر ولاء، دون خسارة قطاعات انتخابية واقتصادية تحتاج إليها لضمان استمرار نفوذها السياسي.
تحفظات داخل المعسكر الجمهوري
ولم يمر تعيين ميلر دون انتقادات، إذ اعتبر قادة ديمقراطيون أن اختياره يعكس تجاهلاً للرسالة التي حملتها نتائج الانتخابات، وتمسكاً بسياسات لم تحظ بالتأييد الشعبي المتوقع.
كما أبدى بعض الجمهوريين تحفظات على الترقية، انطلاقاً من قناعتهم بأن التشدد في ملف الهجرة كان من العوامل التي أضرت بالحزب انتخابياً.
وتكشف هذه المواقف أن الجدل حول ميلر لا يقتصر على الانقسام التقليدي بين الجمهوريين والديمقراطيين، بل يمتد إلى داخل الحزب الجمهوري نفسه، حيث تتباين التقديرات بشأن حدود التشدد السياسي وقدرته على تحقيق مكاسب انتخابية.
رسالة التعيين.. لا مراجعة بعد الهزيمة
وتكشف قراءة التوقيت والخلفيات السياسية للتعيين أن ترمب لا يبدو مستعداً لإجراء مراجعة جوهرية لنهجه بعد الانتكاسة الانتخابية، بل يتجه إلى إعادة ترتيب فريقه بما يضمن استمرار أجندته وتعزيز قدرة البيت الأبيض على تنفيذها.
فميلر لا يمثل تياراً جديداً داخل الإدارة، وإنما يجسد أحد أكثر وجوهها ارتباطاً بالخيارات التي تبناها ترمب منذ عودته إلى السلطة.
ومن هذه الزاوية، فإن الترقية تحمل رسالة واضحة مفادها أن الإدارة تفضل تعزيز التيار المتشدد داخلها، بدلاً من توسيع مساحة التسويات مع الديمقراطيين أو تقديم تنازلات في الملفات الخلافية.
لكن هذا الرهان قد يحمل تكاليف سياسية واقتصادية مرتفعة، خصوصاً إذا أدى التشدد في الهجرة إلى الإضرار بقطاعات الإنتاج، أو تحولت المواجهة مع الكونغرس إلى أزمة مؤسساتية تعرقل عمل الإدارة.
وفي المحصلة، يبدو أن ترمب اختار مواجهة نتائج الهزيمة الانتخابية بمزيد من التمسك بخياراته، واضعاً أحد أبرز مهندسيها في قلب المؤسسة التي تدير شؤون البيت الأبيض.
وبذلك، قد لا تكون ترقية ستيفن ميلر مجرد تغيير في قيادة الطاقم الرئاسي، بل مؤشراً على توجه نحو إدارة أكثر صدامية، تتراجع فيها فرص التسويات السياسية لمصلحة توسيع النفوذ التنفيذي وتعزيز المواجهة مع الخصوم.
ويبقى السؤال الأهم: هل ينجح ميلر في تحويل نفوذه المتزايد إلى نتائج سياسية واقتصادية تعيد ترميم شعبية ترمب، أم أن تشدده سيعمّق الانقسامات ويضع الإدارة أمام أزمات أكثر تعقيداً.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى