خسارة الجمهوريين في تكساس تكشف تراجع نفوذ إيلون ماسك وتصاعد الاعتراضات على مشروعاته

لم تكن خسارة الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي بولاية تكساس مجرد انتكاسة انتخابية للملياردير إيلون ماسك، الذي أنفق مئات الملايين من الدولارات لدعم مرشحي الحزب، بل كشفت أيضا عن تراجع نفوذه السياسي واتساع الاعتراضات الشعبية على مشروعاته التكنولوجية، في الولاية التي اتخذها مركزا رئيسيا لإمبراطوريته الاقتصادية.
فماسك، الذي راهن على ثروته ومنصة «إكس» للتأثير في المشهد السياسي الأميركي، وجد نفسه أمام موجة من الغضب الشعبي تجاوزت نتائج الانتخابات، لتشمل مراكز البيانات الضخمة واستهلاكها المتزايد للطاقة والمياه، وانعكاساتها على الأراضي الزراعية والبيئة، إلى جانب الامتيازات الحكومية التي تستفيد منها شركاته.
ويكشف تقريران نشرتهما صحيفتا «تايمز» و«إندبندنت» البريطانيتان أن تداعيات هذه الهزيمة تضع ماسك أمام مرحلة جديدة من التحديات السياسية والاقتصادية، في ظل تصاعد المطالب بمراجعة نفوذ شركات التكنولوجيا الكبرى، واحتمال إخضاع علاقاته بالحكومة الأميركية وعقود شركاته لمزيد من الرقابة والتدقيق البرلماني.
الغضب من مراكز البيانات يمتد إلى المناطق الريفية
تقدم صحيفة «تايمز» صورة ميدانية للتحول في المزاج الشعبي داخل تكساس، من خلال قصة المزارع الجمهوري كولبي سميث، المنتمي إلى أسرة تعمل في الزراعة منذ أربعة أجيال، والذي يستعد لبيع مزرعته نتيجة التوسع في إنشاء مراكز البيانات والمنشآت المرتبطة بها في منطقته.
ويقول سميث، البالغ من العمر 44 عاما، إن طبيعة المنطقة الريفية التي اعتاد العيش فيها تغيرت بصورة جذرية، مع إزالة الأشجار وتراجع وجود الحيوانات البرية، وانتشار محطات توليد الكهرباء والمنشآت الصناعية.
وفي تعبير ساخر عن رفضه لمشروعات ماسك، قال المزارع: «اركب صاروخك وارحل»، في إشارة إلى صواريخ شركة «سبيس إكس»، مضيفا أنه لا ينوي اصطحاب حيواناته إلى الفضاء، وأنه لا يستطيع حلب بقرة هناك.
وأوضح سميث أنه يدرك أهمية التكنولوجيا والحاجة إليها، لكنه تساءل عن الثمن الذي يدفعه المجتمع مقابل التوسع فيها، مشيرا إلى أن اسم تكساس ارتبط تاريخيا بمزارع الماشية، ومعبرا عن قلقه بشأن طبيعة البيئة التي سيجدها الأطفال في المستقبل.
واقترح المزارع أن ينقل ماسك مراكز بياناته إلى الفضاء، في إشارة إلى رفضه التوسع الصناعي الذي يغير طبيعة المناطق الزراعية.
ولا تقتصر هذه الاعتراضات على المزارعين، إذ تنقل الصحيفة عن مهندس البرمجيات جون بويد قوله إن العالم يحتاج إلى مراكز البيانات، لكن أسلوب التوسع في إنشائها يثير مشكلات عديدة. كما أعربت زوجته عن عدم تقديرها لما يقوم به ماسك في الولاية.
وتشير الصحيفة إلى أن استطلاعا أجرته جامعة هيوستن أظهر تأييد 8 من كل 10 ناخبين محتملين في تكساس فرض قيود على عدد مراكز البيانات المسموح بإنشائها، وهو ما يعكس اتساع المخاوف المتعلقة بتأثير هذه المشروعات على الموارد الطبيعية والبنية التحتية.
مئات الملايين لم تمنع خسارة الجمهوريين
وبحسب صحيفة «تايمز»، أنفق ماسك نحو 474 مليون دولار لدعم المرشحين الجمهوريين، من بينها 224 مليون دولار في السباق الانتخابي لمجلس الشيوخ بولاية تكساس، لكنه لم يتمكن من منع الديمقراطيين من تحقيق فوز واسع.
وفاز جيمس تالاريكو بمقعد مجلس الشيوخ، ليصبح أول ديمقراطي يمثل الولاية في المجلس منذ عام 1988، فيما فازت جينا هينوجوسا بمنصب حاكم الولاية، وتمكن الديمقراطيون كذلك من انتزاع الأغلبية في مجلس نواب تكساس.
واستثمر الديمقراطيون حالة الاستياء من نفوذ أصحاب المليارات وشركات التكنولوجيا الكبرى في حملتهم الانتخابية، مقدمين ماسك بوصفه نموذجا لتأثير الثروات الضخمة في توجيه القرارات السياسية.
وفي خطاب الفوز، قال تالاريكو إن حملته وجهت رسالة إلى كبار المانحين من أصحاب المليارات والتريليونات، مؤكدا أن السلطة في تكساس والولايات المتحدة يجب أن تكون بيد الشعب.
وأضاف أن حملته واجهت إنفاقا تجاوز 300 مليون دولار، إلى جانب الإعلانات السلبية ومحاولات التشويه والحسابات الأجنبية المزيفة ومقاطع الفيديو المفبركة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.
وتلفت الصحيفة إلى أن ماسك تعامل بسخرية مع نتائج الانتخابات، وكتب عبر منصة «إكس» أن إنشاء مراكز البيانات في الفضاء يبدو خيارا جذابا للغاية في الوقت الراهن، في إشارة إلى الانتقادات المتصاعدة التي تواجه مشروعاته داخل الولاية.
نفوذ ماسك السياسي والاقتصادي تحت الاختبار
من جانبها، ترى صحيفة «إندبندنت»، في تحليل للكاتبة آن ماكلفوي، أن خسارة ماسك تكشف حدود قدرته على استخدام ثروته ونفوذه الإعلامي للتأثير في السياسة الأميركية، موضحة أن إنفاق ما يقرب من نصف مليار دولار، إلى جانب امتلاكه منصة تواصل اجتماعي واسعة التأثير، لم يكن كافيا لتغيير توجهات الناخبين.
وتشير الصحيفة إلى أن التحدي الذي يواجهه ماسك لا يرتبط فقط بفشل رهانه الانتخابي، بل يمتد إلى طبيعة العلاقة بين إمبراطوريته الاقتصادية ومؤسسات الدولة الأميركية، إذ تعتمد شركاته على التراخيص الحكومية والإعانات والعقود والدعم الفيدرالي ومساندة حكومات الولايات لمواصلة توسعها.
وتحذر ماكلفوي من أن هذه العلاقات قد تصبح موضع تدقيق أكبر مع عودة الديمقراطيين إلى السيطرة على الكونغرس، الأمر الذي يمنحهم القدرة على عقد جلسات استماع واستدعاء مسؤولي الشركات، وفحص طبيعة الصلات بين مؤسسات ماسك والوزارات والهيئات الحكومية.
تساؤلات بشأن المعلومات الحكومية وستارلينك
وتولي الصحيفة اهتماما خاصا بالفترة التي تولى خلالها ماسك مسؤولية إدارة كفاءة الحكومة الأميركية، مشيرة إلى أن موقعه في تلك المرحلة أتاح له الوصول إلى كميات كبيرة من المعلومات والبيانات الحكومية.
ويثير ذلك تساؤلات بشأن كيفية التعامل مع هذه المعلومات، وما إذا كان الوصول إليها قد منح شركاته مزايا تنافسية على حساب الشركات الأخرى.
كما تستحضر الصحيفة الجدل المتعلق بشبكة «ستارلينك» ودورها في الحرب الأوكرانية، باعتبارها مثالا على حجم النفوذ الذي يتمتع به ماسك في قطاعات ترتبط بصورة مباشرة بالأمن القومي والاتصالات العسكرية.
وبذلك، لا تبدو خسارة الانتخابات في تكساس مجرد إخفاق سياسي عابر بالنسبة إلى ماسك، بل اختبارا أوسع لمدى قدرته على توظيف ثروته وشبكة شركاته وعلاقاته الحكومية في التأثير على القرارات العامة، في وقت تتزايد فيه المطالب بمراجعة امتيازات شركات التكنولوجيا الكبرى وحدود نفوذها.









