ثقافة

مؤتمر ألاك 1958.. لحظة تأسيس الدولة الموريتانية ومعركة الوحدة الوطنية

🔊استمع إلى المقالجاهز
0%
اضغط تشغيل لبدء قراءة المقال
استمع إلى المقال


لم يكن مؤتمر ألاك المنعقد في مايو 1958 مجرد تجمع سياسي عابر، بل كان محطة مفصلية في تاريخ موريتانيا الحديث، ولحظة تأسيسية حاسمة تبلورت خلالها ملامح الدولة الوطنية، في ظل ظروف داخلية وإقليمية بالغة التعقيد، وتقاطعات سياسية هددت وحدة البلاد ومستقبل كيانها الناشئ.
ولم يكن اختيار ولاية البراكنة، ومدينة ألاك تحديداً، لاحتضان هذا الحدث التاريخي اعتباطياً؛ فالمنطقة ظلت عبر تاريخها فضاءً للتعايش والتواصل بين مختلف مكونات المجتمع الموريتاني، ومجالاً للتداخل الاجتماعي والتحالفات السياسية والروابط الإنسانية بين شمال البلاد وجنوبها. وقد جسدت علاقات التحالف والتناصر التاريخية بين أمراء البراكنة وقيادات منطقة فوتا تورو نموذجاً مبكراً لهذا التآلف العابر للانتماءات العرقية والمجالية.
وفي هذا المناخ، احتضنت ألاك مؤتمراً استثنائياً جمع مختلف الأطياف السياسية والاجتماعية، واضعاً نصب عينيه هدفاً أكبر من مجرد تسوية الخلافات الحزبية: بناء جبهة وطنية موحدة قادرة على حماية الكيان الموريتاني وتحديد مستقبله السياسي.
ألاك.. مدينة فتحت أبوابها للتاريخ
بدأت الدعوة إلى المؤتمر والتفكير في تنظيمه منذ يناير 1958، قبل أن تتحول الفكرة إلى موعد وطني جامع. وكان معروف ولد الشيخ عبد الله أول من بادر إلى عرض استضافة مدينته ألاك، وهو ما وافقت عليه اللجنة التحضيرية، لتتكفل مجموعته الاجتماعية، إديچبَه، بأعباء الاستقبال والضيافة والتنظيم.
ورغم أن التقديرات الأولية لم تكن تتوقع حضور أكثر من ألف مشارك، فإن المدينة فوجئت بتوافد ما يزيد على خمسة آلاف شخص من مختلف أنحاء موريتانيا، فضلاً عن مشاركين قدموا من الصحراء الغربية. ومع ذلك، نجحت جهود الاستضافة والتنظيم في احتواء هذا الحضور الكبير، بفضل التعبئة الاجتماعية وتقاسم المسؤوليات بين مختلف البطون.
وقد وثّق الشاعر والمؤرخ المختار ولد حامدٌ بعض مظاهر التنظيم في أشعاره، واصفاً الخيام التي أقيمت بصورة دائرية تشبه حرف القاف، في مشهد يعكس روح الضيافة وحسن الاستقبال، ويبرز ما بذله سكان المنطقة من جهود لإنجاح هذا الموعد التاريخي.
وبين الثاني والخامس من مايو 1958، تحولت ألاك إلى مركز للحراك السياسي الوطني، حيث التأم المؤتمرون في لحظة كانت فيها موريتانيا تواجه أسئلة مصيرية تتعلق بالهوية والسيادة والوحدة وشكل الدولة المنشودة.
موريتانيا قبل المؤتمر.. مشهد سياسي منقسم
كانت موريتانيا في أواخر خمسينيات القرن الماضي تعيش مرحلة انتقالية شديدة الحساسية. فالدولة الحديثة لم تكن قد تبلورت مؤسساتياً، والمشهد السياسي كان موزعاً بين قوى وتيارات تتباين رؤاها بشأن مستقبل البلاد وعلاقاتها الإقليمية والدولية.
فمن جهة، كان هناك تيار يدعو إلى البقاء ضمن الإطار الفرنسي، مع التدرج في مسار الاستقلال، مستنداً إلى نفوذ شيوخ القبائل وبعض رموز الإدارة التقليدية.
ومن جهة ثانية، برز توجه يدعو إلى تعزيز الارتباط بالمغرب، انطلاقاً من الروابط العربية والمغاربية، وما اعتبره أنصاره امتداداً طبيعياً للهوية الثقافية والتاريخية للبلاد.
أما الاتجاه الثالث، فكان يدفع نحو التقارب مع دول غرب إفريقيا، مستنداً إلى الروابط الجغرافية والتاريخية والاجتماعية التي تجمع موريتانيا بجيرانها في الجنوب.
وقد انعكست هذه التوجهات على الخريطة الحزبية، التي ضمت قوى سياسية متنافسة، لكل منها تصورها الخاص لمستقبل البلاد.
وكان الاتحاد التقدمي الموريتاني، الذي تأسس في روصو سنة 1947، من أبرز تلك القوى، بقيادة سيدي المختار ولد يحيى انجاي، وبدعم واسع من شيوخ القبائل والأعيان. وقد تبنى الحزب نهجاً يقوم على التدرج نحو الاستقلال، وتجنب الصدام مع الإدارة الفرنسية، والحفاظ على علاقات متوازنة مع المحيط الإفريقي.
في المقابل، شكل حزب الوئام، الذي تأسس سنة 1950 بقيادة أحمدو حرمه ولد ببانه، قطباً سياسياً منافساً، واتسم خطابه بمطالب أكثر وضوحاً في اتجاه الاستقلال التام والتحرر من الهيمنة الفرنسية.
كما برزت رابطة الشباب الموريتاني، التي تأسست سنة 1955 بقيادة يعقوب ولد أبو مدين، ورفعت شعارات تقدمية شملت مناهضة الاستعمار، وتحرير المرأة، ومناهضة الرق، قبل أن تكشف مشاركتها السياسية عن طبيعتها التنظيمية ذات الأبعاد الحزبية.
وإلى جانب هذه التشكيلات، حضرت كتلة غورغل الديمقراطية، التي تأسست سنة 1957 بقيادة ممدو صنبولي با، وكانت أقرب إلى مشروع الفيدرالية المالية، معبرة عن تخوفات بعض النخب في منطقة الضفة من أي توجه سياسي قد يؤدي إلى تهميش العمق الإفريقي لموريتانيا.
وهكذا، لم تكن الخلافات مجرد تنافس على النفوذ والقيادة، بل كانت تعكس اختلافاً عميقاً حول هوية الدولة وحدود استقلال قرارها واتجاهها الاستراتيجي.
أطماع الخارج ومخاطر تفكيك الكيان الموريتاني
لم تكن الأزمة محصورة في الداخل، فقد واجه المشروع الوطني الموريتاني ضغوطاً إقليمية ودولية متشابكة، جعلت قيام الدولة المستقلة مسألة محفوفة بالمخاطر.
أولاً: المطالب المغربية
كانت المطالب المغربية بضم موريتانيا من أبرز التحديات التي واجهت النخبة السياسية آنذاك. وقد تصاعد تأثير هذا الموقف بعد انتقال عدد من الشخصيات السياسية الموريتانية إلى المغرب، من بينهم الدكتور محمد المختار ولد اباه والدي ولد سيدي بابه، والتحاقهما بأحمدو حرمه ولد ببانه والأمير محمد فال ولد عمير وشخصيات أخرى.
وأدى هذا التطور إلى تعطيل مساعي توحيد القوى السياسية الموريتانية في بداية عام 1958، قبل أن تعود فكرة المؤتمر إلى الواجهة باعتبارها ضرورة وطنية لمواجهة الانقسام الداخلي والتحديات الخارجية.
وقد عكس خطاب المختار ولد داداه الافتتاحي للمؤتمر حجم الحضور الذي احتلته القضية المغربية في النقاش السياسي، وما مثّلته من تحد مباشر لمشروع الدولة الموريتانية المستقلة.
ثانياً: مخاوف الاندماج في الفيدرالية المالية
في الجنوب، كانت هناك مخاوف من أن يؤدي التقارب مع السنغال ومالي إلى تجاوز الخصوصية السياسية الموريتانية وتهديد استقلال قرارها.
ورغم أهمية التعاون مع دول غرب إفريقيا، فقد تمسك المختار ولد داداه بفكرة أن موريتانيا ينبغي أن تكون جسراً للتواصل بين المجال العربي في الشمال والفضاء الإفريقي في الجنوب، لا أن تذوب في أحدهما على حساب كيانها الوطني.
وكان هذا التصور يقوم على أن الموقع الجغرافي والتنوع الثقافي والاجتماعي للبلاد يمثلان عناصر قوة، شريطة أن يجري توظيفهما في إطار دولة مستقلة ذات هوية وطنية جامعة.
ثالثاً: المشروع الفرنسي والمنظمة المشتركة للمناطق الصحراوية
واجهت موريتانيا أيضاً تحدياً فرنسياً تمثل في مشروع إنشاء المنظمة المشتركة للمناطق الصحراوية (OCRS)، الذي سعت باريس من خلاله إلى إقامة إطار إداري واقتصادي يضم مناطق صحراوية في الجزائر وموريتانيا ومالي والنيجر وتشاد.
ورغم تقديم المشروع باعتباره مبادرة للتنمية واستغلال الموارد الطبيعية، فقد ارتبط في جوهره بحسابات استراتيجية فرنسية، خصوصاً في ظل اكتشاف الثروات النفطية والغازية والمعدنية، وتصاعد الثورة الجزائرية.
وقد أبدت النخبة الموريتانية تحفظاً واضحاً تجاه الانضمام إلى هذه المنظمة، خشية أن يؤدي ذلك إلى إضعاف استقلال البلاد وإخضاع مستقبلها لحسابات المصالح الفرنسية.
وكان سيدي المختار ولد يحيى انجاي من أبرز المعبرين عن هذا التحفظ، معتبراً أن هشاشة الوضع الاقتصادي وقلة السكان يجعلان الاندماج في المشروع أمراً غير مناسب، وأن التعاون الاقتصادي يمكن أن يتحقق من خلال اتفاقيات مستقلة دون الانضمام السياسي أو الإداري إلى المنظمة.
وفي مذكراته، كشف المختار ولد داداه عن الضغوط التي مارستها الإدارة الفرنسية، مستخدمة سياسة الترغيب بالمساعدات والاستثمارات، والترهيب بالتلويح بالتخلي عن موريتانيا أمام المطالب المغربية إذا رفضت الانضمام إلى المنظمة.
وهكذا وجدت موريتانيا نفسها أمام معادلة صعبة: أطماع في الشمال، ومخاوف من الاندماج في الجنوب، وضغوط استعمارية تسعى إلى توجيه مستقبلها بما يخدم المصالح الفرنسية.
مؤتمر ألاك.. الوحدة بوصفها خياراً استراتيجياً
في ظل هذه الظروف، اكتسب مؤتمر ألاك أهمية استثنائية، إذ أدركت القوى السياسية المشاركة أن استمرار الانقسام الداخلي لن يؤدي إلا إلى إضعاف الموقف الموريتاني أمام الأطماع الخارجية.
ومن هنا، لم يكن الهدف الأساسي للمؤتمر مجرد إنهاء التنافس بين الأحزاب، بل بناء إرادة سياسية مشتركة تؤسس لدولة مستقلة، وتحمي وحدة أراضيها، وتمنحها القدرة على اتخاذ قراراتها بعيداً عن الإملاءات الخارجية.
وقد أسفرت المداولات عن توحيد عدد من التشكيلات السياسية الرئيسية، من خلال دمج الاتحاد التقدمي الموريتاني وحزب الوئام، ثم كتلة غورغل الديمقراطية، في إطار سياسي جديد حمل اسم «حزب التجمع الموريتاني».
أما رابطة الشباب الموريتاني فلم تنضم إلى هذا المسار، وشهدت خلال سنة 1958 انقسامات أفضت إلى بروز توجهات سياسية جديدة، كان من بينها التيار الذي شكل نواة حزب النهضة.
وقد شكل هذا التوحيد تحولاً مهماً في مسار الحياة السياسية، ومهّد لظهور قيادة وطنية أكثر قدرة على إدارة المرحلة الانتقالية، مع صعود مكانة المختار ولد داداه وتراجع النفوذ السياسي لسيدي المختار ولد يحيى انجاي.
أبرز قرارات المؤتمر ومخرجاته
لم تقتصر أهمية مؤتمر ألاك على توحيد الأحزاب، بل امتدت إلى صياغة توجهات استراتيجية حددت معالم المشروع الوطني الموريتاني في تلك المرحلة.
ومن أبرز القرارات والتوصيات التي خرج بها:
توحيد التشكيلات السياسية الرئيسية في حزب واحد هو حزب التجمع الموريتاني.
الدفاع عن وحدة الأراضي الموريتانية والتصدي لكل التهديدات التي تستهدفها، أياً كان مصدرها.
استمرار ارتباط موريتانيا بمجموعة غرب إفريقيا الناطقة بالفرنسية، مع المطالبة بالاستقلال الداخلي الكامل والسعي نحو الاستقلال الوطني.
إقامة علاقات متوازنة مع التجمع الإفريقي والتجمع الديمقراطي الإفريقي، دون الانحياز إلى أي منهما.
التحفظ على إنشاء حكومة عليا أو برلمان أعلى في داكار، بما قد يمس استقلال القرار الموريتاني.
رفض الانضمام السياسي أو الإداري إلى المنظمة المشتركة للمناطق الصحراوية، مع إبقاء إمكانية التعاون الاقتصادي معها عبر اتفاقيات مستقلة.
تناول قضايا داخلية تتعلق بالتقشف والضرائب والخدمة العسكرية وتعميم اللغة العربية.
كما وجه المؤتمر نداءً إلى فرنسا طالبها فيه بوضع حد للحرب الدائرة في الجزائر، في موقف عكس إدراك المشاركين للترابط بين قضايا التحرر الوطني في المنطقة.
وقد أثارت هذه المقررات استياء الوالي الفرنسي ألبير موراغ، الذي كان قد قلل مسبقاً من احتمال خروج المؤتمر بقرارات مفاجئة. وجاءت النتائج، خصوصاً رفض الانضمام إلى المنظمة الصحراوية، مخالفة لتوقعاته، ودفعته إلى التحذير مما اعتبره تنامي بذور القومية العربية وتهديدها للنفوذ الفرنسي في موريتانيا وغرب إفريقيا.
ألاك.. إرادة وطنية صنعت فارق التاريخ
لقد كان مؤتمر ألاك سنة 1958 أكثر من محطة في تاريخ الأحزاب الموريتانية؛ فقد شكل لحظة سياسية فارقة انتقلت فيها النخبة الوطنية من مرحلة التنافس والتجاذب حول مستقبل البلاد إلى محاولة بناء مشروع سياسي مشترك يحمي وجودها ويؤسس لدولتها.
وقد انعقد المؤتمر في زمن كانت فيه موريتانيا محاطة بتحديات وجودية، بين مطالب خارجية متعارضة، وضغوط استعمارية، وانقسامات سياسية واجتماعية داخلية. ومع ذلك، استطاع المشاركون تحقيق تقدم مهم في اتجاه توحيد الجبهة الداخلية، وتحديد الخيارات الكبرى التي ينبغي أن تحكم مستقبل البلاد.
ولعل القيمة التاريخية الأبرز لهذا المؤتمر تكمن في تكريسه مبدأ الوحدة الوطنية باعتبارها شرطاً أساسياً لبناء الدولة وحماية سيادتها، وإدراكه المبكر أن موريتانيا لا تستطيع مواجهة تحديات محيطها دون امتلاك إرادة وطنية مستقلة وجبهة داخلية متماسكة.
لقد كانت ألاك، في مايو 1958، شاهدة على لحظة نادرة تلاقت فيها الإرادات السياسية والاجتماعية حول ضرورة بناء كيان وطني موحد. ومن رحم ذلك اللقاء، تبلورت إحدى أهم اللبنات السياسية للدولة الموريتانية الحديثة.
وهكذا بقي مؤتمر ألاك علامة مضيئة في الذاكرة الوطنية، وشاهداً على أن قيام الدول لا تصنعه الجغرافيا وحدها، بل تصنعه أيضاً إرادة أبنائها حين يدركون أن وحدة المصير أكبر من خلافاتهم، وأن حماية الوطن تقتضي تقديم المصلحة الوطنية على الحسابات الضيقة.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى