ثقافة

نهج الدباغين في تونس.. سوق الكتب العريقة تقاوم الاندثار أمام زحف التجارة الحديثة

🔊استمع إلى المقالجاهز
0%
اضغط تشغيل لبدء قراءة المقال
استمع إلى المقال

في نهج الدباغين، الواقع على تخوم المدينة العتيقة والحي الأوروبي وسط العاصمة التونسية، لا تزال الكتب تحاول الحفاظ على حضورها في مواجهة التحولات التجارية التي تعيد تشكيل ملامح المكان تدريجيا.

فعلى امتداد الشارع، تصطف رفوف خشبية متواضعة تحمل روايات ومراجع أكاديمية ومجلات قديمة، وتتراكم الكتب في أكوام بمحاذاة الجدران، بينما بدأت واجهات محلات جديدة متخصصة في بيع الأقمشة والمنتجات الصينية تزاحم المكتبات، في مشهد يعكس تغير هوية الشارع وتراجع طابعه الثقافي.

وعلى مدى سنوات طويلة، شكل هذا الزقاق وجهة أساسية للطلبة والمثقفين والباحثين عن الكتب النادرة، حتى بات يُشبّه بأسواق ثقافية عربية عريقة، مثل سور الأزبكية في القاهرة وشارع المتنبي في بغداد.

لكن المشهد تغير كثيرا خلال السنوات الأخيرة، فالكتب لا تزال حاضرة في المكان، غير أن أصحاب المكتبات والباعة والقراء يتحدثون عن سوق تواجه صعوبات متزايدة للحفاظ على هويتها ومكانتها التي اكتسبتها عبر عقود.

من مهنة دباغة الجلود إلى سوق للكتب

يعود اسم نهج الدباغين إلى مهنة دباغة الجلود التي كانت منتشرة فيه قبل قرون، حين تمركزت دكاكين الحرفيين العاملين في هذا المجال على أطراف المدينة العتيقة، بعيدا عن المناطق السكنية والتجارية الرئيسية.

ومع التوسع العمراني الذي شهدته العاصمة التونسية خلال فترة الاستعمار الفرنسي، أصبح الشارع جزءا من النسيج الحضري الرابط بين المدينة القديمة والحي الأوروبي.

وبعد استقلال تونس عام 1956، بدأ النهج يشهد تحولا تدريجيا نحو تجارة الكتب، مع انتشار المكتبات والبسطات التي تعرض المؤلفات الجديدة والمستعملة، ليصبح لاحقا من أبرز الوجهات الثقافية لعشاق القراءة والباحثين عن المراجع في العاصمة.

غير أن النشاط التجاري الذي منح الشارع شهرته بدأ يتراجع أمام توسع أنشطة أخرى، في ظل إغلاق بعض المكتبات واختفاء أخرى، وهو ما أثار مخاوف من فقدان المكان هويته الثقافية وتحوله إلى شارع تجاري تقليدي.

محمد أمين بن هلال: كنت أزور المكان حتى دون شراء الكتب

يرتبط الروائي التونسي محمد أمين بن هلال بنهج الدباغين بعلاقة تمتد نحو عقدين، إذ بدأ التردد عليه عندما كان طالبا يخصص جزءا من مصروفه لشراء الكتب، قبل أن تستمر علاقته بالمكان بعد انتقاله إلى العمل في الصحافة والكتابة الأدبية.

ويقول بن هلال للجزيرة نت إن مشاهدة الكتب وحدها تمثل بالنسبة إليه متعة بصرية، أشبه بالتأمل في لوحة فنية أو مشاهدة فيلم، مضيفا أن عملية البيع والشراء تتحول أحيانا إلى مشهد مسرحي يجمع البائع بالمشتري.

ومع مرور الوقت، لم تعد زياراته مرتبطة بالحاجة إلى اقتناء كتاب بعينه، بل أصبحت جزءا من عاداته اليومية وعلاقته بالمكان.

ويرى أن خصوصية نهج الدباغين تكمن في تنوع المعروضات، التي لا تقتصر على الروايات والمجلات، بل تشمل الكتب الأكاديمية والمراجع المتخصصة ومؤلفات الحكمة، ما يمنحه طابعا مختلفا عن المكتبات التقليدية.

تراجع الإقبال يضع المكتبات أمام تحديات اقتصادية

داخل إحدى المكتبات التي لا تزال تواصل نشاطها في النهج، يصف صاحبها طاهر رزقي واقع المهنة بأنه أصبح صعبا للغاية، في ظل تراجع الإقبال على شراء الكتب الورقية.

ويعزو رزقي هذا التراجع إلى التطور التكنولوجي وانتشار الإنترنت، اللذين غيرا عادات القراءة والحصول على المعلومات، وأثرا في ارتباط الناس بالكتاب التقليدي.

ورغم الصعوبات، لا تزال المكتبة تستقبل زبائن يحرصون على زيارتها، إلا أن النسبة الأكبر منهم تتكون من الطلبة وأولياء الأمور الذين يبحثون عن المراجع والكتب المستعملة بأسعار مناسبة، تساعدهم على تخفيف الأعباء المالية مقارنة بأسعار المكتبات التجارية.

وتكشف هذه الشهادة عن جانب اقتصادي مهم من الأزمة التي يعيشها الشارع، إذ لم يعد استمرار المكتبات مرتبطا بشغف أصحابها بالكتب فقط، بل أصبح مرهونا بقدرتهم على تحمل التكاليف ومواجهة تراجع الطلب وتغير طبيعة النشاط التجاري في المنطقة.

اختفاء المكتبات برحيل أصحابها

لا يقتصر التحول الذي يشهده نهج الدباغين على تراجع عدد الزبائن، بل يمتد إلى اختفاء المكتبات التي شكلت جزءا أساسيا من ذاكرة الشارع.

ويروي محمد أمين بن هلال أن أحد المحلات القريبة من مدخل النهج كان يضم مجموعة كبيرة من الكتب ويشهد نشاطا ملحوظا قبل وفاة صاحبه، لكن الورثة لم يتمكنوا من مواصلة إدارته والحفاظ على نشاطه.

وفي نهاية المطاف، بيعت الكتب إلى صاحب فضاء ثقافي آخر، بينما فقد العامل الذي كان يتولى إدارة المكتبة مصدر رزقه.

وتعكس هذه الحكاية جانبا من الخسارة التي يتكبدها المكان مع اختفاء كل مكتبة، فالأمر لا يتعلق بإغلاق محل تجاري فحسب، بل بفقدان جزء من الذاكرة الثقافية وشبكة العلاقات الإنسانية التي نشأت على مدى سنوات بين الباعة والقراء والباحثين.

أما أصحاب البسطات، فيواجهون تحديات إضافية تتعلق بظروف العمل وإمكانات الاستمرار، إذ يمكن للأمطار أن تجبرهم على إغلاق أماكنهم والعودة إلى منازلهم، ما يجعل الظروف الجوية عاملا آخر يؤثر في أرزاقهم ويزيد صعوبة العمل في هذه المهنة.

الطلبة لا يزالون يبحثون عن الكتب النادرة

رغم التغيرات التي يشهدها الشارع، لا يزال نهج الدباغين يحتفظ بجاذبيته لدى فئات من القراء، بمن فيهم جيل جديد من الطلبة الذين يجدون فيه فرصة للحصول على الكتب والمراجع بأسعار مناسبة.

ويقول الطالب محمد علي للجزيرة نت إنه يحرص على زيارة المكان بصورة منتظمة، وأحيانا يتوجه إليه بحثا عن عنوان محدد، لكنه ينتهي في كثير من الأحيان بشراء كتب لم تكن ضمن قائمة مشترياته الأصلية.

ويضيف أن النهج يوفر للطلبة وللأشخاص محدودي الدخل إمكانية اقتناء الكتب بأسعار أقل، فضلا عن إتاحة الفرصة للعثور على مراجع قديمة أو نادرة يصعب الحصول عليها في المكتبات الأخرى.

وتشكل هذه التجربة إحدى أبرز الخصائص التي لا تزال تميز سوق الكتب في نهج الدباغين، إذ تتيح للزائر اكتشاف مؤلفات لم يكن يبحث عنها بالضرورة، من خلال تصفح الأكوام والرفوف والبحث العفوي بين العناوين المختلفة.

وفي وقت تعتمد فيه المنصات الرقمية على خوارزميات تقترح على المستخدمين ما قد يثير اهتمامهم، لا تزال هذه السوق تحتفظ بعنصر المفاجأة والمصادفة، حيث يمكن لزيارة عابرة أن تقود القارئ إلى اكتشاف كتاب لم يكن يتوقع العثور عليه.

مقترحات لإنقاذ الهوية الثقافية لنهج الدباغين

في مواجهة التراجع الذي تشهده تجارة الكتب، يطرح عدد من الباعة والأشخاص الذين تربطهم بالمكان علاقة ثقافية واقتصادية فكرة تخصيص فضاء جديد لباعة الكتب بالقرب من وزارة السياحة، بما يتيح لهم الاستفادة من حركة المارة النشطة واستقطاب الزوار والسياح.

ويرى أصحاب المقترح أن إنشاء هذا الفضاء قد يساعد على إعادة تنشيط تجارة الكتب، ويوفر فرصة للتعريف بالتراث الثقافي التونسي، إلى جانب الحفاظ على صورة تونس بوصفها بلدا يمتلك تاريخا طويلا من الارتباط بالقراءة والمعرفة.

ويأمل هؤلاء أن تسهم المبادرة في توفير ظروف أفضل للباعة، وإعادة جذب المهتمين بالكتب إلى الأسواق التقليدية، بدلا من ترك المكتبات تواجه وحدها ضغوط التحولات التجارية والتكنولوجية.

وبينما تتواصل هذه التحولات، يبقى مستقبل نهج الدباغين مفتوحا على تساؤلات بشأن قدرته على الاحتفاظ بهويته الثقافية في ظل تغير طبيعة الأنشطة التجارية التي تحتضنها شوارعه.

فالكتب لا تزال تحتل مساحة من المكان، لكنها أصبحت تتقاسمها مع أنشطة أخرى تتوسع تدريجيا. وبين بائع ينتظر زبونا، وطالب يبحث عن مرجع نادر، وروائي يعود إلى الشارع لاستعادة ذكرياته، تواصل سوق الكتب العريقة في قلب تونس محاولاتها للبقاء، في مواجهة خطر فقدان إرث ثقافي تشكل على مدى عقود.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى