موريتانيا تشدد قوانين مكافحة المخدرات: صلاحيات تحقيق موسعة وعقوبات صارمة تنتظر المصادقة

في خطوة تشريعية غير مسبوقة، تتجه موريتانيا نحو إحداث تحول جذري في مقاربتها لمكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية، من خلال مشروع قانون جديد يحمل الرقم 26-040، ناقشته الجمعية الوطنية اليوم الثلاثاء، ويستهدف تجاوز ثغرات قانون يعود إلى العام 1990، أثبتت الممارسة العملية قصوره عن مواكبة تحولات هذه الجرائم وأساليبها.
من قانون 1990 إلى منظومة متكاملة
منذ أكثر من ثلاثة عقود، ظل القانون رقم 037-1990 يشكل الإطار الوحيد لمعاقبة منتجي المخدرات والمتاجرين والمتعاطين. لكن تقرير لجنة العدل والدفاع والداخلية والشؤون الإسلامية، الذي عُرض أمام النواب، كشف أن النص القديم لم يعد قادراً على استيعاب البنى الإجرامية المنظمة والعابرة للحدود، ما استدعى صياغة إطار جديد يوسّع دائرة التجريم ليشمل الإنتاج والصنع والتحويل والحيازة والزراعة والاتجار، إضافة إلى الأفعال المرتبطة بالمعدات المخصصة للإنتاج غير المشروع.
والأبرز في المشروع الجديد أنه ينتقل من معاقبة الفرد إلى ملاحقة البنية، إذ يجرم إنشاء الجماعات والتنظيمات الإجرامية وإدارتها وقيادتها وتمويلها والانضمام إليها أو تقديم الدعم لها، وهي خطوة وصفها النواب بأنها “ضرورية لمواجهة شبكات التهريب التي لا تعرف الحدود”.
صلاحيات تحقيق غير مسبوقة.. لكن بضمانات قضائية
يتضمن النص الجديد إطاراً متكاملاً لتقنيات التحري الخاصة، يشمل التسليم المراقب والاختراق والمراقبة والترصد والمراقبة الإلكترونية واعتراض الاتصالات وتحديد المواقع والتتبع التقني. ورغم حساسية هذه الصلاحيات، شدد التقرير على أنها تخضع لإذن ورقابة قضائية، مع تحديد مدتها ونطاقها وتنظيم توثيق العمليات وحماية سرية المعلومات وسلامة الأدلة.
وفي الجانب المالي، يستحدث المشروع “التحقيق المالي الموازي” بهدف تتبع العائدات الإجرامية والكشف عن المستفيدين الحقيقيين منها، مع تعزيز أحكام تجميد الأموال والحجز التحفظي والمصادرة لتشمل العائدات والمعدات والممتلكات.
عقوبات مشددة وظروف تستدعي القسوة القصوى
مراجعة السياسة العقابية جاءت لتتناسب مع خطورة الأفعال، خصوصاً عندما تُرتكب في إطار جماعات منظمة أو ذات طابع عابر للحدود أو باستخدام العنف أو من خلال استغلال الوظيفة العامة. كما تشمل الظروف المشددة الحالات التي تستهدف القصر والأشخاص في أوضاع الهشاشة، أو تُرتكب داخل المؤسسات التعليمية والصحية والاجتماعية والعقابية ومحيطها.
علاج بدل السجن.. للراغبين في التعافي
ولم يقتصر المشروع على الجانب الزجري، بل فتح باباً للعلاج الطوعي، إذ يتيح لمتعاطي المخدرات الخضوع للعلاج بصورة طوعية، ويمكن إخضاعهم لتدابير علاجية بقرار قضائي في مراكز متخصصة، مع أخذ ذلك بعين الاعتبار قبل تحريك الدعوى وأثناء مراحلها. كما يستحدث إطاراً مؤسسياً للوقاية عبر لجنة وطنية تتولى اقتراح السياسات الوقائية وتنسيق تنفيذها.
أرقام تكشف تنامي الظاهرة
وزير العدل محمد ولد اسويدات كشف في رده على النواب أن قطاعه عالج خلال 2024 نحو 300 ملف مرتبط بالمخدرات شملت 400 شخص، بينما ارتفع العدد في 2025 إلى 400 ملف طالت 500 شخص. أرقام اعتبرها الوزير مؤشراً على “تنامي القضايا والصعوبات التي تواجه السلطات”، مشدداً على أن الحكومة تتبنى “سياسة جنائية صارمة” في هذا المجال.
مطالب نيابية بتوسيع العلاج وحماية المدارس
طالب النواب بتوسيع مراكز علاج الإدمان لتشمل الولايات الداخلية في ظل تسجيل حالات تعاطٍ في الأوساط الريفية والمدن الحدودية، وبوضع برامج لإعادة إدماج المتعافين في الحياة النشطة. كما شددوا على تشديد الرقابة داخل المؤسسات التعليمية لمنع تسرب المخدرات إلى الوسط المدرسي، وتخصيص نسبة من الأموال المصادرة لتمويل مراكز العلاج، وتوفير الحوافز لعناصر الأجهزة الأمنية.
وحذر النواب من تحول السجون إلى “فضاءات لإعادة إنتاج السلوك الإجرامي”، مطالبين بمنع ترويج المخدرات داخلها وفصل المدانين في قضايا المخدرات عن غيرهم، مع توفير الحماية للمبلغين وإطلاق حملة إعلامية تشرح مضامين القانون الجديد.
إشكال التكييف القضائي
تطرقت المداخلات إلى التداخل بين الحيازة بقصد الاستعمال والحيازة بغرض التسويق، وهو ما أثار إشكالات في التكييف القضائي سابقاً. الوزير أوضح أن المشروع لم يحسم هذه المسألة تفصيلياً، وترك تكييف الوقائع للقضاة وفقاً لظروف كل قضية.
نحو مصادقة مرتقبة
اختتمت لجنة العدل والدفاع والداخلية والشؤون الإسلامية تقريرها بالتوصية للجمعية الوطنية بالمصادقة على مشروع القانون، الذي يجمع بين الوقاية والعلاج والتجريم والرصد واستخدام التقنيات الحديثة والتحقيق المالي وتجفيف العائدات الإجرامية وتعزيز التعاون الوطني والدولي، مع إخضاع الصلاحيات المستحدثة لضمانات قضائية صارمة.









