الشركة الوطنية للكهرباء.. متى تنتهي اختلالات التسيير وتبدأ مرحلة الإصلاح؟

تطرح الوضعية التي تعيشها الشركة الوطنية للكهرباء في موريتانيا (صوملك) تساؤلات متجددة بشأن معايير اختيار إداراتها، ومدى قدرتها على وضع حد للاختلالات الإدارية والمالية والفنية التي ظلت تطبع أداء المؤسسة على مدى عقود، رغم ما حظيت به من دعم حكومي وموارد مالية معتبرة.
فعلى امتداد السنوات الماضية، تعاقبت على إدارة الشركة أطقم إدارية متعددة، دون أن تنجح، بحسب ما تكشفه التحديات المتواصلة التي تواجه القطاع، في إرساء منظومة تسيير فعالة تضمن الاستقرار المالي والإداري، وترفع من كفاءة الأداء الفني والتشغيلي.
وفي كل مرة تتفاقم فيها الاختلالات أو تتعثر الخدمات، تتجه الأنظار إلى تغيير المدير العام وتعيين خلف له، لكن هذه التغييرات لا تبدو، في كثير من الأحيان، مصحوبة بمعايير واضحة وشفافة لاختيار الكفاءات، أو برؤية إصلاحية متكاملة تضمن معالجة جذور الأزمة بدلاً من الاكتفاء بتغيير الأشخاص.
وتكمن إحدى أبرز الإشكالات في استمرار عجز الشركة عن بناء احتياطيات مالية وتشغيلية كافية، تمكّنها من التدخل السريع لمعالجة الأعطال وصيانة البنية التحتية الكهربائية، وضمان استمرارية الخدمة العمومية، بعيداً عن الارتجال والحلول الظرفية.
وتكتسب هذه الوضعية خطورة إضافية بالنظر إلى الدور المحوري الذي تؤديه الطاقة الكهربائية في مسار التنمية الاقتصادية والاجتماعية؛ إذ ترتبط بها مختلف القطاعات الإنتاجية والخدمية، من الصناعة والزراعة إلى الصحة والتعليم والاستثمار. ومن ثم، فإن أي اختلال في منظومة الكهرباء ينعكس بصورة مباشرة على النشاط الاقتصادي ومستوى معيشة المواطنين.
ورغم الأهمية الاستراتيجية لهذا القطاع، وما توفره الدولة من دعم وإمكانات لتطويره، لا تزال الشركة تواجه تحديات تحول دون تمكينها من تلبية الاحتياجات الوطنية بالكفاءة المطلوبة.
وتبرز المفارقة بصورة أوضح في ظل الطموحات الحكومية الرامية إلى تعزيز موقع موريتانيا في مجال إنتاج وتصدير الطاقة، وصولاً إلى تزويد بلدان مجاورة بالكهرباء، في وقت لا تزال فيه الشركة تواجه صعوبات في ضمان تغطية الطلب المحلي بصورة مستقرة وموثوقة.
وأمام هذه التحديات، بات من الضروري أن تتحمل الحكومة مسؤوليتها في حسم ملف الشركة الوطنية للكهرباء، من خلال مراجعة معايير التعيين، وإسناد إدارتها إلى كفاءات تمتلك الخبرة الفنية والقدرة الإدارية والمالية، فضلاً عن النزاهة والاستقلالية والقدرة على تنفيذ إصلاحات مؤسسية حقيقية.
كما يتطلب الإصلاح وضع استراتيجية واضحة للمحاسبة وتقييم الأداء، وربط المسؤولية بالنتائج، وتعزيز الرقابة على الموارد المالية، وتطوير آليات الصيانة والاستثمار، بما يضمن الانتقال من إدارة الأزمات المتكررة إلى تسيير مؤسسي قائم على التخطيط والاستباقية والاستدامة.
فلم يعد مقبولاً أن تتحول المؤسسات العمومية ذات الميزانيات الضخمة إلى مواقع لتدوير المسؤوليات أو مكافأة بعض الموظفين بالتعيين على رأس قطاعات استراتيجية، دون الاحتكام إلى معايير الكفاءة والخبرة والإنجاز.
إن إصلاح الشركة الوطنية للكهرباء ليس مجرد تغيير في هرمها الإداري، بل هو ضرورة وطنية واقتصادية تفرضها متطلبات التنمية وحاجة المواطنين إلى خدمة كهربائية منتظمة وذات جودة.
فإلى متى ستظل صوملك أسيرة اختلالات التسيير وتدوير الإدارات؟ ومتى تنتصر الحكومة لمعيار الكفاءة، وتضع على رأس هذا المرفق الحيوي إدارة قادرة على إحداث تغيير حقيقي ينعكس على أداء الشركة وحياة المواطنين؟
إن توفير الخدمات الأساسية للمواطنين مسؤولية الدولة، وإصلاح قطاع الكهرباء خطوة لا غنى عنها لتحقيق التنمية المنشودة.
محمد عبد الله محمدن









