فضاء الرأي

الريسوني ومفارقات التاريخ: حين تتحول الروابط إلى جسور للوصاية!

🔊استمع إلى المقالجاهز
0%
اضغط تشغيل لبدء قراءة المقال
استمع إلى المقال

يبدو أن الأستاذ أحمد الريسوني، وهو فقيه ومفكر يفترض أن يكون أكثر الناس تحرراً من الأوهام التاريخية، لم ينتبه إلى أن التاريخ الذي يستدعيه للتشكيك في وجود موريتانيا يحمل في ثناياه حقائق قد تدعوه إلى مراجعة بعض مسلّماته.

فإذا كان يريد الاحتكام إلى التاريخ، فليقرأه كاملاً، لا أن ينتقي منه ما يخدم تصوراً سياسياً مسبقاً.

ألم يسمع بدولة المرابطين؟ تلك الدولة التي انطلقت من المجال الصحراوي، ومن حركة إصلاحية قادها رجال من صنهاجة، وامتد سلطانها إلى أجزاء واسعة من الصحراء والمغرب والأندلس؟ أليست هي التي أسست مدينة مراكش وجعلتها عاصمة لإمبراطوريتها، ومنها ارتبط اسم المغرب في عدد من اللغات الأوروبية بتسمية Maroc؟

إن استحضار المرابطين ليس ادعاءً بأن المغرب المعاصر تابع لموريتانيا، فذلك سيكون استنساخاً للمنطق نفسه الذي نرفضه، وإنما هو تذكير بأن التاريخ المغربي والموريتاني والصحراوي متداخل، وأن اختزاله في اتجاه واحد وتحويله إلى سند لمطالب الوصاية مغالطة لا تستقيم.

ثم هناك شخصية أخرى يجدر بالريسوني أن يستحضرها: الأميرة خناثة بنت بكار المغافرية الشنقيطية، زوجة السلطان مولاي إسماعيل، وأم السلطان مولاي عبد الله، وجدّة السلطان سيدي محمد بن عبد الله. لم تكن خناثة مجرد امرأة قدمت من بلاد شنقيط لتصبح زوجة سلطان، بل كانت عالمة وأديبة وذات حضور سياسي وفكري معتبر في البلاط العلوي.

فهل كانت شنقيط، في نظر هؤلاء، مجرد هامش جغرافي للمغرب، أم كانت رافداً من روافد تكوينه العلمي والسياسي والاجتماعي؟

والأهم من ذلك أن التاريخ الموريتاني يقدم نموذجاً آخر لطبيعة هذه الروابط، يتمثل في وظيفة المصاهرة بوصفها أداة للدبلوماسية الاجتماعية والسياسية.

ففي المجتمع الموريتاني قبل الدولة الحديثة، لم تكن المصاهرة دائماً شأناً عائلياً خاصاً؛ بل كانت أحياناً وسيلة لتثبيت الصلح، واحتواء النزاعات، وبناء الثقة بين الجماعات والبيوت النافذة. كانت بعض الزيجات تؤدي وظيفة تشبه تبادل السفراء، وتمنح الاتفاقات السياسية ضمانات اجتماعية تتجاوز مجرد التعهدات اللفظية.

ولعل ما جرى في أعقاب حرب شربب بين الزوايا والمغافرة يقدم نموذجاً دالاً على ذلك؛ فقد تزوج الشيخ أشفغ الأمين بن سيدي الفالي الديماني فاطمة بنت اعلي بن أحمد بن دامان التروزية، من بيت الإمارة في الترارزة وابنة أخ الأمير هدي بن أحمد بن دامان. ولم تكن هذه المصاهرة مجرد ارتباط عائلي عابر، بل حملت دلالة سياسية واجتماعية، وأسهمت في تهيئة مناخ التقارب واستعادة الثقة بين جماعتين أنهكهما الصراع.

لقد كانت المصاهرة آنذاك جسراً لتحويل الخصومة إلى قرابة، والعداوة إلى مصلحة مشتركة، والخلاف إلى فرصة للتعايش.

ومن هنا، تبدو المفارقة في خطاب الريسوني أكثر وضوحاً: فالتاريخ الذي يريد استدعاءه لإحياء خلافات تجاوزها الزمن، هو نفسه الذي يقدم لنا نماذج من توظيف الأنساب والصلات العائلية لتجاوز النزاعات وصناعة السلام.

إن العلاقة بين موريتانيا والمغرب أعمق من أن تختزل في خرائط الاستعمار، وأغنى من أن تستعمل لتبرير أطماع سياسية. لقد تبادل البلدان العلماء والأنساب والتجارة والتأثير الثقافي، ولم يكن أحدهما غريباً عن الآخر.

لكن ثمة فرقاً جوهرياً بين الاعتزاز بتاريخ مشترك، وبين تحويل ذلك التاريخ إلى وثيقة ملكية على حساب إرادة الشعوب وحقها في تقرير مصيرها.

موريتانيا ليست خطأً تاريخياً، ولا دولة عابرة صنعها قلم مستعمر؛ إنها حصيلة تاريخ طويل من التكوين الاجتماعي والعلمي والسياسي، ومن تفاعل قبائل ومجتمعات ومجالات حضارية أنتجت كياناً له شخصيته وخصوصيته وسيادته.

وللريسوني أن يناقش التاريخ والبيعة والأنساب كما يشاء، لكن ليس من حق أحد أن يجعل من قراءته الخاصة للتاريخ حكماً على وجود شعب أو شرعية دولته.

فإذا كانت المصاهرة قد جعلت من الروابط العائلية وسيلة لإطفاء الحروب، فالأولى أن نجعل من التاريخ المشترك جسراً للأخوة والتعاون، لا سلّماً يصعد عليه دعاة التوسع والوصاية.

حمادي أباتي

ملاحظة: جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر الكاتب ولا تمثّل بالضرورة رأي الموقع أو إدارته.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى