الأخبار العالمية

مفاوضات سوريا وإسرائيل.. هل تنجح واشنطن وعمّان في إنهاء التصعيد؟

🔊استمع إلى المقالجاهز
0%
اضغط تشغيل لبدء قراءة المقال
استمع إلى المقال

لم يجد المبعوث الرئاسي الأمريكي وسفير واشنطن لدى أنقرة، رغم خبرته السياسية والدبلوماسية، مبررا مقنعا للهجوم الإسرائيلي على مطار أبو الظهور السوري في 22 أغسطس/آب، مؤكدا أن المعلومات الاستخبارية الأمريكية دحضت المزاعم الإسرائيلية بشأن احتمال نقل تركيا أصولا عسكرية إلى القاعدة الجوية الواقعة على مسافة نحو 400 كيلومتر من الحدود الإسرائيلية.

وعدّت دول عديدة الهجوم انتهاكا غير مبرر للسيادة السورية، لكن موقف إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب كان الأكثر إثارة للقلق داخل الحكومة الإسرائيلية، خصوصا أن واشنطن تبنت منذ التغيير السياسي الذي شهدته سوريا قبل أكثر من عامين مقاربة مختلفة عن النهج الذي اتبعته إسرائيل تجاه التطورات السورية.

نتنياهو والرهان على الجنوب السوري

بحسب تقديرات سياسية وأمنية، يسعى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في هذه المرحلة إلى توظيف مختلف التطورات الإقليمية بما يخدم حساباته الانتخابية، ويرى في تحقيق إنجاز داخل سوريا فرصة لتقديم نفسه باعتباره قادرا على فرض معادلات استراتيجية جديدة.

وخلال يونيو/حزيران الماضي، نفذ الجيش الإسرائيلي نحو 300 عملية في محافظتي درعا والقنيطرة، في إطار مساعيه لفرض واقع أمني وسياسي جديد في الجنوب السوري، بما يخدم مصالح مجموعات انفصالية مرتبطة بالزعيم الدرزي حكمت الهجري والمدعومة من إسرائيل.

غير أن التصعيد الإسرائيلي أدى إلى نتائج لم تكن متوقعة بالنسبة لنتنياهو، إذ سرعان ما برزت مخاوف من أن يؤدي الهجوم على مطار أبو الظهور إلى توتير العلاقة مع إدارة ترمب، في وقت يحتاج فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى دعم الرئيس الأمريكي، ولا سيما مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية.

ومن هنا بدأت واشنطن في الدفع باتجاه تحويل الهجوم إلى نقطة انطلاق لمسار سياسي، بدلا من أن يتحول إلى جولة جديدة من التصعيد الإقليمي، فاستعانت مجددا بالأردن لاستضافة محادثات مباشرة بين سوريا وإسرائيل بعد يومين فقط من الهجوم.

الأردن بوابة للحوار السوري الإسرائيلي

يمتلك الأردن موقعا خاصا في هذا المسار، إذ كان من أوائل الدول التي دعمت الحكومة السورية الجديدة، كما تمسك بمبدأ وحدة الأراضي السورية وسيادتها الكاملة، ورفض استمرار الاحتلال الإسرائيلي لأراض سورية بعد سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024.

وانخرطت عمّان في وقت سابق من العام في جهود دبلوماسية مكثفة مع دمشق وواشنطن للتوصل إلى تفاهمات بشأن الأزمة التي اندلعت في السويداء. وتم بالفعل التوصل إلى اتفاق بهذا الشأن، إلا أن تنفيذه تعثر بسبب رفض مجموعات مرتبطة بالهجري الالتزام ببنوده، الأمر الذي أبقى الأزمة مفتوحة.

وبالنسبة إلى إدارة ترمب، تمثل القناة الأردنية وسيلة مهمة لإدارة الخلافات المرتبطة بالملف السوري، نظرا إلى العلاقات التي تجمع عمّان بمختلف الأطراف وقدرتها على التواصل مع دمشق وواشنطن في الوقت نفسه.

ويستند الدور الأردني أيضا إلى تجربة سابقة خلال الولاية الأولى لترمب، حين استضافت عمّان عام 2017 مفاوضات أمريكية روسية أسفرت عن اتفاق لوقف إطلاق النار في الجنوب السوري، وأثبتت آنذاك قدرتها على أداء دور دبلوماسي في احتواء التصعيد.

مفاوضات بدأت في باريس

المفاوضات السورية الإسرائيلية كانت قد انطلقت العام الماضي في باريس، بهدف التوصل إلى اتفاق أمني مؤقت يضمن انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي السورية التي سيطرت عليها بعد سقوط نظام الأسد.

لكن المسار التفاوضي تعثر نتيجة المواقف الإسرائيلية، قبل أن يتوقف بصورة أكبر مع اندلاع الحرب بين إسرائيل وإيران.

في المقابل، دخلت حكومة الرئيس أحمد الشرع منذ بدايات المرحلة الانتقالية في مفاوضات مع إسرائيل، رغم عدم وجود علاقات دبلوماسية بين الجانبين، انطلاقا من رغبتها في معالجة الملفات الإقليمية عبر التفاوض واستعادة وحدة الأراضي السورية وإنهاء وجود القوات الأجنبية داخل البلاد.

وتتمسك دمشق، وفق هذه الرؤية، بانسحاب القوات الأجنبية من الأراضي السورية، في حين ترى حكومة نتنياهو أن أي اتفاق شامل مع دمشق يصعب تحقيقه في ظل مطالبة سوريا بانسحاب إسرائيل من هضبة الجولان المحتلة.

ولذلك تبدو فكرة الاتفاق المرحلي، بضمانات أمريكية ودولية، أكثر قابلية للتطبيق في المرحلة الحالية.

اجتماع عمّان يفتح نافذة جديدة

شهد الاجتماع الأخير في العاصمة الأردنية نقاشات معمقة بشأن الوضع في الجنوب السوري وتداعيات الهجوم على مطار أبو الظهور.

وترأس الوفد السوري وزير الخارجية أسعد الشيباني، وضم مسؤولين عن أجهزة الاستخبارات والأمن، في حين شارك الجانب الإسرائيلي بوفد ضم مسؤولين أمنيين، وكان رئيس جهاز الموساد رومان غوفمان على رأسه.

ويعكس مستوى التمثيل الأمني، بحسب القراءة السياسية للمحادثات، رغبة في نقل الملف من دائرة الحسابات السياسية الضيقة إلى مسار أمني أكثر جدية، خصوصا أن المؤسسة العسكرية والأمنية الإسرائيلية تواجه تعدد الجبهات المفتوحة وتداعيات المواجهة مع إيران.

وقد يكون هذا التحول مؤشرا على إدراك داخل المؤسسة الإسرائيلية بأن استمرار التصعيد مع سوريا قد يفتح جبهة إضافية في وقت تواجه فيه إسرائيل تحديات أمنية متعددة.

غرفة عمليات مشتركة في الأردن

وكانت واشنطن قد اقترحت في جولة سابقة من المفاوضات إنشاء غرفة عمليات مشتركة داخل الأردن، تتولى التعامل مع التطورات الأمنية والعسكرية الطارئة بين سوريا وإسرائيل قبل تحولها إلى أزمات واسعة.

ولقي المقترح ترحيبا من الجانب الأردني والسوري، لكن حكومة نتنياهو لم تقدم استجابة واضحة له، وهو ما عكس استمرار اعتمادها على سياسة فرض الوقائع الميدانية.

وترى هذه المقاربة أن إبقاء الوضع السوري مضطربا قد يخدم هدفا إسرائيليا أوسع يتمثل في منع عودة سوريا إلى دولة موحدة وقوية، وإبقاء الخلافات الداخلية عاملا ضاغطا على الحكومة المركزية.

تغيرات تعزز موقف دمشق

لكن المعادلة السورية تبدو اليوم مختلفة عن السنوات الماضية.

فالحكومة السورية تمكنت من تحقيق تقدم باتجاه تعزيز سيطرة الدولة على الأراضي السورية، في حين أعلن قائد قوات سوريا الديمقراطية “قسد” مظلوم عبدي عن حل القوات ودمجها في الجيش السوري، في خطوة يمكن أن تعزز مسار توحيد المؤسسات العسكرية والسياسية في البلاد.

كما توصلت دمشق إلى تفاهمات مع روسيا بشأن إعادة تنظيم طبيعة الوجود العسكري الروسي في قاعدة حميميم، بالتوازي مع استعادة الدولة السورية نفوذا أكبر في مناطق ساحلية كانت خاضعة للوجود الروسي خلال عهد الأسد.

هذه التطورات تجعل خيار تفتيت سوريا أو إبقاء الصراع الداخلي مفتوحا أكثر صعوبة، وتمنح دمشق أوراقا إضافية في أي مفاوضات مقبلة.

السويداء في قلب الحسابات الأردنية

من المنظور الأردني، لا يمكن فصل أزمة السويداء عن الدور الإسرائيلي في الجنوب السوري، إذ إن إنهاء الدعم الإسرائيلي للجماعات الانفصالية من شأنه أن يضعف قدرتها على الاستمرار في فرض واقع منفصل عن الدولة السورية.

وتنظر عمّان إلى وحدة سوريا أرضا وشعبا باعتبارها مصلحة مباشرة مرتبطة بأمنها القومي، ولذلك فإن قيام كيان منفصل أو استمرار حالة عدم الاستقرار بالقرب من الحدود الأردنية يمثل مصدر قلق استراتيجيا.

ومن هذا المنطلق، لا يبدو الدور الأردني في المحادثات الأخيرة مجرد استضافة محايدة، بل جزءا من مسعى أوسع، بالتنسيق مع واشنطن، لإعادة إطلاق المفاوضات السورية الإسرائيلية وبناء مسار يمكن أن يقود إلى اتفاق يضمن انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي التي دخلتها بعد ديسمبر/كانون الأول 2024، ووقف الهجمات على الجنوب السوري.

هل تقترب دمشق وتل أبيب من اتفاق؟

قد تحمل المفاوضات الجديدة فوائد متبادلة للأطراف المختلفة. فبالنسبة إلى سوريا، يمكن لاتفاق أمني مرحلي أن يشكل خطوة باتجاه استعادة الأراضي ووقف الضربات الإسرائيلية، بينما تستطيع إسرائيل من خلاله تقليل المخاطر على حدودها الشمالية وفتح مسار أكثر استقرارا مع دمشق.

أما الولايات المتحدة، فتسعى إلى منع تحول سوريا إلى ساحة جديدة للصراع الإقليمي، والحفاظ على نفوذها في ترتيبات الأمن الإقليمي، في حين ترى الأردن في استقرار سوريا ووحدتها مصلحة أمنية مباشرة.

وقد يؤدي اتفاق سوري إسرائيلي جاد أيضا إلى فتح الباب أمام تفاهمات أوسع مع تركيا، خصوصا أن التوتر المتزايد بين أنقرة وتل أبيب بشأن مستقبل سوريا يمثل أحد الملفات التي تسعى واشنطن إلى احتوائها.

وتبدو فرص التوصل إلى اتفاق مؤقت أكبر من فرص إبرام تسوية شاملة في الوقت الراهن، إذ يمكن لاتفاق مرحلي أن يركز على القضايا الأمنية الأكثر إلحاحا، مثل وقف الهجمات، وترتيبات الجنوب، والانسحاب التدريجي، وآليات منع الاحتكاك.

ومع ذلك، يبقى العامل الأكثر حساسية هو الحسابات السياسية الداخلية في إسرائيل. فإذا تمكنت واشنطن وعمّان من إقناع نتنياهو بأن الاتفاق مع دمشق يمكن أن يتحول إلى مكسب سياسي وأمني بدلا من أن يكون تنازلا، فقد تشهد المرحلة المقبلة تقدما ملموسا في المفاوضات.

أما إذا طغت الحسابات الانتخابية والمراهنة على فرض الوقائع العسكرية على الأرض، فقد يعود المسار التفاوضي إلى نقطة الجمود، لتبقى سوريا مجددا أمام خطر التصعيد الإسرائيلي في الجنوب.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى