اقتصاد

الضغط الاقتصادي الأميركي على إيران.. بين إجبار طهران على التفاوض ورهان إسقاط النظام

🔊استمع إلى المقالجاهز
0%
اضغط تشغيل لبدء قراءة المقال
استمع إلى المقال

تتصاعد الضغوط الاقتصادية التي تمارسها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب على إيران، في وقت تبدو فيه واشنطن عازمة على استخدام العقوبات وتقييد صادرات النفط باعتبارهما أداتين رئيسيتين لإضعاف الاقتصاد الإيراني ودفع القيادة في طهران إلى تقديم تنازلات في ملفات شائكة، أبرزها البرنامج النووي وأمن الملاحة في مضيق هرمز.

وتثير هذه السياسة تساؤلات واسعة بشأن الغاية النهائية من الاستراتيجية الأميركية، وما إذا كانت تهدف أساسا إلى إعادة إيران إلى طاولة المفاوضات من موقع أكثر ضعفا، أم أنها تتجاوز ذلك إلى محاولة استنزاف الاقتصاد وتهيئة الظروف أمام انهيار النظام السياسي.

وتربط إدارة ترمب بين تشديد العقوبات وتصعيد ما تصفه بالحرب الاقتصادية، وبين هدفها المعلن المتمثل في الحد من قدرات إيران العسكرية والنووية. وفي الوقت نفسه، بدأت تصريحات صادرة عن مسؤولين أميركيين بارزين تفتح الباب أمام احتمال أن يؤدي استمرار الضغوط الاقتصادية إلى إضعاف النظام الإيراني بصورة أكبر.

واشنطن توسع نطاق الضغط على طهران

تأتي الإجراءات الأميركية في ظل موقف متشدد من جانب الرئيس دونالد ترمب تجاه إيران، إذ ترى الإدارة الأميركية أن الجمع بين الضغوط الاقتصادية والعسكرية يمكن أن يدفع طهران إلى إعادة حساباتها والقبول بتسوية تفاوضية بشروط أكثر ملاءمة لواشنطن.

وقال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت إن استمرار العقوبات والحرب الاقتصادية يمكن أن تكون لهما تداعيات عميقة على الاقتصاد الإيراني، في تصريحات عكست تحولا في الخطاب الأميركي بشأن حدود الضغط على النظام الإيراني.

وكانت واشنطن تؤكد في مراحل سابقة أن هدفها الأساسي يتمثل في منع إيران من امتلاك سلاح نووي، إلا أن تصريحات مسؤولين في الإدارة الحالية باتت تشير إلى أهداف أوسع، تشمل إضعاف قدرة طهران على تمويل نشاطاتها العسكرية والإقليمية.

ويرى مسؤولون أميركيون أن تضييق الخناق على صادرات النفط الإيرانية يمكن أن يحرم الحكومة من أحد أهم مصادر الإيرادات الأجنبية، في وقت تواجه فيه البلاد بالفعل مشكلات مرتبطة بقيمة العملة والتضخم وتراجع القدرة على الاستيراد.

العقوبات وسلاح النفط

يمثل النفط محور الحرب الاقتصادية الأميركية على إيران، نظرا إلى اعتماد الاقتصاد الإيراني بدرجة كبيرة على عائدات تصدير الخام لتوفير العملات الأجنبية وتمويل الإنفاق الحكومي.

وتسعى واشنطن إلى تقليص قدرة طهران على بيع النفط في الأسواق العالمية، إضافة إلى استهداف القنوات المالية والشبكات التي تساعدها على تجاوز العقوبات.

لكن نجاح هذه الاستراتيجية لا يعتمد على القرارات الأميركية وحدها، إذ تستطيع إيران اللجوء إلى أساليب مختلفة للالتفاف على العقوبات، كما يمكن أن تلعب دول أخرى دورا في استمرار تدفق جزء من صادراتها النفطية.

وتبرز الصين في هذا السياق باعتبارها عاملا مهما في تحديد مدى فعالية الضغوط الأميركية، نظرا إلى علاقاتها الاقتصادية مع إيران وقدرتها على توفير منافذ تجارية ومالية قد تساعد طهران على تخفيف آثار العقوبات.

هل الهدف تغيير النظام الإيراني؟

السؤال الأكثر إثارة للجدل يتعلق بما إذا كانت واشنطن تسعى إلى إجبار إيران على التفاوض أم إلى تغيير النظام نفسه.

وقال غابرييل صوما، العضو السابق في المجلس الاستشاري لحملة ترمب، إن استمرار الوضع الاقتصادي الحالي يمكن أن يؤدي إلى أضرار كبيرة للاقتصاد الإيراني، مع تراجع صادرات النفط وانخفاض قيمة العملة وارتفاع معدلات التضخم.

وبحسب هذا التقييم، فإن ترمب يفضل استخدام الأدوات الاقتصادية متى كانت متاحة أمامه، بدلا من الاستمرار في الخيار العسكري، إلا أن انهيار النظام يبقى أحد السيناريوهات التي قد تكون مرغوبة لدى بعض دوائر الإدارة الأميركية.

ومع ذلك، لا تعني الأزمة الاقتصادية بالضرورة اقتراب انهيار الحكومة الإيرانية، إذ لا توجد، وفقا للتقييمات الواردة في هذا السياق، مؤشرات حاسمة على اندلاع احتجاجات شعبية واسعة قادرة في الوقت الراهن على إسقاط النظام.

وهنا تظهر إحدى المعضلات الأساسية في الحسابات الأميركية، فإضعاف الاقتصاد يمكن أن يزيد الضغط على الحكومة، لكنه لا يضمن بالضرورة انتقال هذا الضغط إلى تغيير سياسي.

ترمب وفانس وبيسنت.. هدف واحد وأساليب مختلفة

تتقاطع مواقف الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونائبه جيه دي فانس ووزير الخزانة سكوت بيسنت عند نقطة أساسية، وهي ضرورة إضعاف إيران اقتصاديا وماليا وعسكريا إلى أكبر قدر ممكن.

ويرى أستاذ تسوية العلاقات الدولية محمد الشرقاوي أن الخلاف بين المسؤولين الأميركيين يتعلق بصورة أكبر بالوسائل والأساليب وليس بالنتيجة النهائية التي تسعى إليها واشنطن.

وبحسب هذا التقييم، تراهن الولايات المتحدة على أحد مسارين: الأول أن تؤدي الضغوط الاقتصادية والعسكرية إلى إضعاف النظام من الداخل، والثاني أن تدفع القيادة الإيرانية إلى العودة إلى المفاوضات وتقديم تنازلات تحت وطأة الأزمة.

وتحاول واشنطن بذلك الجمع بين الضغط والعرض التفاوضي، بحيث تصبح طاولة المفاوضات بالنسبة إلى طهران خيارا أقل كلفة من استمرار المواجهة الاقتصادية والعسكرية.

إيران تراهن على الصمود

في المقابل، لا تبدو إيران مستعدة بالضرورة للاستجابة السريعة لهذه الضغوط.

ويرى الكاتب الصحفي المتخصص في الشأن الأميركي محمد المنشاوي أن الحسابات الأميركية قد تتجاهل بعض العوامل الداخلية التي تحدد قدرة النظام الإيراني على الصمود، مشيرا إلى أن الرئيس ترمب ينظر إلى الصراع بدرجة كبيرة من منظور الأرقام والنتائج المباشرة.

وتملك إيران خبرة طويلة في التعامل مع العقوبات الأميركية، بعد سنوات من القيود التي فرضت عليها في قطاعات النفط والمصارف والتجارة والتكنولوجيا.

وقد ساعد هذا التراكم طهران على تطوير آليات للالتفاف على العقوبات وتنويع قنوات تجارتها الخارجية، وإن كان ذلك لا يلغي الكلفة الاقتصادية الكبيرة التي تتحملها البلاد.

ويتمثل الرهان الإيراني في القدرة على تحمل الضغط لفترة طويلة، أملا في أن تتغير الظروف السياسية أو الاقتصادية التي تقف وراء العقوبات، أو أن تتدخل قوى دولية أخرى لتخفيف آثارها.

مضيق هرمز ورقة ضغط إضافية

ولا تقتصر الحسابات الأميركية على النفط والقطاع المالي، إذ يمثل مضيق هرمز أحد الملفات الحساسة في المواجهة مع إيران.

وتدرك واشنطن أن أي اضطراب كبير في الملاحة عبر المضيق ستكون له تداعيات واسعة على أسواق الطاقة العالمية، في حين تعتبر طهران المضيق إحدى أهم أوراق القوة التي يمكن استخدامها في أي مواجهة مع الولايات المتحدة.

ولهذا فإن ملف هرمز يمكن أن يتحول إلى جزء من أي مفاوضات مستقبلية بين الطرفين، إلى جانب البرنامج النووي والقدرات الصاروخية والنشاط الإقليمي لإيران.

وكان ترمب قد هدد بما وصفه بـ”حرب اقتصادية غير مسبوقة” ضد إيران، محذرا الدول التي تقدم دعما لطهران من مواجهة تداعيات اقتصادية كبيرة.

الصين قد تحدد نتيجة الحرب الاقتصادية

تظل قدرة إيران على تجاوز العقوبات مرتبطة إلى حد كبير بمواقف القوى الاقتصادية الكبرى، وفي مقدمتها الصين.

فكلما تمكنت طهران من الحفاظ على قنوات تصدير النفط والتجارة والحصول على العملات الأجنبية، تراجعت قدرة العقوبات الأميركية على تحقيق أهدافها بسرعة.

وفي المقابل، فإن نجاح واشنطن في إغلاق هذه القنوات أو تقليصها بصورة كبيرة يمكن أن يضاعف الضغوط على الاقتصاد الإيراني، خصوصا إذا تزامن ذلك مع استمرار تراجع قيمة العملة وارتفاع التضخم وصعوبة الاستيراد.

لذلك فإن الحرب الاقتصادية بين واشنطن وطهران ليست مواجهة ثنائية بالكامل، بل ترتبط بشبكة واسعة من المصالح الدولية، حيث يمكن لمواقف الصين ودول أخرى أن تحدد مدى قدرة إيران على الصمود.

بين التفاوض والانهيار

في المحصلة، يبدو أن إدارة ترمب تراهن على استراتيجية مزدوجة تجمع بين الضغط الاقتصادي والعسكري لإضعاف إيران وإجبارها على تغيير حساباتها.

لكن المسار الذي ستسلكه الأزمة يظل مفتوحا على عدة احتمالات؛ فقد تؤدي العقوبات إلى دفع طهران نحو مفاوضات جديدة، وقد تفضي إلى مزيد من التشدد والتمسك بالموقف الحالي، أو قد تتسبب في أزمة اقتصادية أعمق دون أن تؤدي بالضرورة إلى تغيير سياسي.

ويعتمد نجاح الرهان الأميركي على قدرة واشنطن على الحفاظ على الضغط، وعلى مدى تعاون الدول الأخرى معها، وعلى قدرة إيران في المقابل على إيجاد بدائل لتصدير النفط وتمويل تجارتها الخارجية.

وفي ظل هذه المعادلة، تبدو المواجهة الاقتصادية بين الولايات المتحدة وإيران مرشحة للاستمرار، بينما يبقى السؤال الأساسي: هل تنجح العقوبات في دفع طهران إلى طاولة المفاوضات، أم تتحول الضغوط المتراكمة إلى مواجهة أطول وأكثر تعقيدا؟

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى