اقتصاد

اضطرابات مضيق هرمز تعيد رسم خريطة النفط.. الأمريكتان وأفريقيا في صدارة البدائل

🔊استمع إلى المقالجاهز
0%
اضغط تشغيل لبدء قراءة المقال
استمع إلى المقال

تدفع الاضطرابات التي طالت حركة إمدادات الطاقة عبر مضيق هرمز كبار مستوردي النفط إلى إعادة تقييم اعتمادهم على واحد من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم، بالتزامن مع صعود منتجين جدد في الأمريكتين وأفريقيا باعتبارهم مصادر بديلة لا تتميز فقط بحجم احتياطاتها وإنتاجها، وإنما أيضا بقدرتها على الوصول مباشرة إلى البحار المفتوحة بعيدا عن نقاط الاختناق البحرية.

وتشير التطورات إلى أن الأزمة لا تعني نهاية الدور المحوري لدول الخليج في سوق النفط العالمية، لكنها قد تسرّع تحولا كان جاريا بالفعل، يتمثل في تنويع مصادر الإمدادات وتقليل المخاطر المرتبطة بالاعتماد المفرط على ممر بحري واحد.

وفي المقابل، تتحرك دول الخليج نفسها لتقليص اعتمادها على مضيق هرمز عبر استثمارات ضخمة في خطوط الأنابيب والموانئ، بما يسمح لها بمواصلة تصدير جزء أكبر من إنتاجها حتى في حال تعطل حركة الملاحة عبر المضيق.

الأمريكتان تقتحمان سوق الإمدادات البديلة

تبرز غويانا باعتبارها واحدة من أوضح صور التحول في سوق النفط، إذ تنتج الدولة، التي لا يتجاوز عدد سكانها نحو 840 ألف نسمة، قرابة مليون برميل يوميا، بعد انطلاق إنتاجها النفطي البحري عام 2019.

وتقدر احتياطيات غويانا بنحو 11 مليار برميل، في حين تشير التوقعات إلى إمكانية تضاعف إمداداتها بحلول عام 2030، ما يمنحها وزنا متزايدا في سوق النفط العالمية.

ولا تقتصر موجة النمو على غويانا، إذ أصبحت الولايات المتحدة وكندا والبرازيل والأرجنتين وغويانا من أبرز مصادر نمو الإمدادات النفطية خارج منظمة أوبك.

وخلال السنوات الخمس عشرة الماضية، تمكنت الولايات المتحدة وكندا والبرازيل من دخول قائمة أكبر عشرة مصدرين للنفط عالميا، مدفوعة بارتفاع الإنتاج وتوسع الاستثمارات في الحقول البرية والبحرية.

وتملك كندا احتياطيات مؤكدة تقدر بنحو 163 مليار برميل، لتصبح رابع أكبر منتج للنفط عالميا، بينما يقترب إنتاج الأرجنتين من مليون برميل يوميا بفضل التوسع في عمليات استخراج النفط من التكوينات الصخرية باستخدام تقنيات التكسير الهيدروليكي.

أما البرازيل، فتنتج نحو ثلاثة أضعاف إنتاج الأرجنتين، مستفيدة من مواردها النفطية في المياه العميقة، وهو ما جعل خامها أكثر أهمية بالنسبة إلى كبار المستوردين الآسيويين.

وبعد اضطراب حركة النفط عبر هرمز، اتجهت الصين والهند بصورة أكبر نحو الخام البرازيلي، وبلغت واردات الصين منه نحو 1.6 مليون برميل يوميا، وفقا للبيانات التي أوردتها الصحيفة البريطانية.

أفريقيا تراهن على اكتشافات جديدة

في الجانب الآخر من المحيط الأطلسي، تظهر أفريقيا كمرشح آخر للاستفادة من التحول في خريطة الإمدادات العالمية.

ورغم تراجع حصة القارة من الإنتاج العالمي خلال السنوات الماضية، فإن الاكتشافات النفطية الجديدة، إلى جانب ارتفاع المخاوف بشأن أمن الإمدادات، قد تمنح الصناعة النفطية الأفريقية دفعة جديدة.

وتبقى ليبيا ونيجيريا وأنغولا أبرز القوى النفطية التقليدية في القارة، لكن مجموعة من المنتجين الجدد تستعد لدخول السوق العالمية بقوة.

وتأتي ناميبيا في مقدمة هذه الدول، إذ كشفت عمليات التنقيب قبالة سواحلها عن موارد ضخمة قد تصل إلى نحو 20 مليار برميل، رغم أنها لم تبدأ الإنتاج التجاري بعد.

وتستهدف شركات دولية تطوير هذه الموارد تدريجيا، مع توقعات بأن يصل الإنتاج السنوي إلى نحو 150 مليون برميل بحلول عام 2030.

وفي ساحل العاج، تشير التقديرات إلى أن احتياطيات حقل بالين، الذي اكتشفته شركة إيني الإيطالية عام 2021، قد تصل إلى 2.5 مليار برميل، بينما تمتلك السنغال نحو مليار برميل من الاحتياطيات المؤكدة.

وتستعد أوغندا بدورها لبدء إنتاج النفط من موارد تقدر بنحو 6.5 مليارات برميل، بينها ما لا يقل عن 2.2 مليار برميل قابلة للاستخراج.

ويتزامن ذلك مع اقتراب استكمال خط أنابيب يمتد لنحو 900 ميل وصولا إلى ساحل تنزانيا على المحيط الهندي، ما يمنح النفط الأوغندي منفذا مباشرا إلى الأسواق العالمية.

الاحتياطات الخليجية لا تزال تتفوق بفارق كبير

رغم النمو السريع للمنتجين الجدد، فإنهم لا يقتربون من منافسة دول الشرق الأوسط من حيث حجم الاحتياطيات النفطية.

وتبلغ احتياطيات السعودية، وفقا للأرقام التي أوردتها الصحيفة، نحو 267 مليار برميل، مقابل 209 مليارات برميل لإيران و145 مليار برميل للعراق ونحو 113 مليار برميل للإمارات.

لكن الميزة التي يتمتع بها المنتجون الجدد لا ترتبط فقط بحجم الاحتياطات، وإنما بالموقع الجغرافي.

فالوصول المباشر إلى المحيطين الأطلسي والهادي أو إلى طرق بحرية لا تعتمد على مضيق هرمز يمنح تلك الدول ميزة إضافية في حسابات أمن الطاقة.

وبالتالي، قد تصبح موثوقية طرق التصدير عاملا لا يقل أهمية عن حجم الإنتاج والاحتياطات عند اختيار الدول المستوردة لمصادر النفط مستقبلا، حتى لو كانت الإمدادات البديلة أكثر تكلفة أو تتطلب رحلات بحرية أطول.

أوروبا وآسيا تعيدان توزيع مصادر النفط

وتظهر أهمية هذا التحول بصورة خاصة في أوروبا، التي تحصل على نحو 20% من احتياجاتها النفطية من أفريقيا، وهي نسبة تفوق بأكثر من الضعف ما تحصل عليه من دول الخليج.

وفي الوقت نفسه، تتزايد المنافسة بين الصين والهند واليابان على الخام الأفريقي، في ظل سعي هذه الدول إلى تأمين إمدادات مستقرة وتقليل المخاطر المرتبطة بالممرات البحرية الحساسة.

وقد ساهمت حالة عدم اليقين في إبقاء أسعار النفط عند مستويات مرتفعة خلال العام.

وبعد تراجع سعر البرميل من نحو 90 دولارا إلى قرابة 80 دولارا الأسبوع الماضي، نتيجة التكهنات بشأن إمكانية إعادة فتح مضيق هرمز، ظل السعر أعلى بكثير من مستوى 67 دولارا المسجل في الفترة نفسها من العام الماضي، بعدما تجاوز حاجز 100 دولار خلال بعض مراحل الأزمة.

الخليج يسابق الزمن لتجاوز هرمز

في المقابل، تدرك دول الخليج أن التحول في خريطة الإمدادات قد يهدد جزءا من حصتها في الأسواق إذا استمرت المخاطر المرتبطة بالمضيق، ولذلك بدأت في تسريع مشاريع البنية التحتية البديلة.

وتستخدم الإمارات بالفعل خط أنابيب بطول نحو 235 ميلا يربط حقل حبشان بميناء الفجيرة على خليج عمان، بطاقة تصل إلى نحو 1.5 مليون برميل يوميا.

أما السعودية، فلديها خط أنابيب الشرق والغرب الذي يمتد لنحو 750 ميلا وصولا إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، وتبلغ طاقته قرابة 7 ملايين برميل يوميا.

لكن القدرات الحالية لهذه المسارات لا تزال أقل من نصف كميات النفط التي تمر عادة عبر مضيق هرمز في الظروف الطبيعية، كما أن طرق التصدير البديلة ليست بمنأى تماما عن المخاطر الأمنية.

ولهذا تعمل الإمارات على إنشاء خط أنابيب إضافي إلى الفجيرة وتوسيع قدرات موانئها على خليج عمان، ضمن استراتيجية تهدف إلى تقليص الاعتماد على هرمز إلى أدنى مستوى ممكن.

وتبحث السعودية أيضا خيارات لزيادة قدرات نقل النفط باتجاه البحر الأحمر، إلى جانب التعاون مع الكويت لتوفير مسارات إضافية للصادرات.

العراق يبحث عن مخارج جديدة لصادراته

العراق بدوره يدرس مجموعة من البدائل لتقليل تعرض صادراته لمخاطر اضطراب الملاحة في الخليج.

وتشمل الخيارات المطروحة إعادة تشغيل خط كركوك-بانياس، وإنشاء مسار يربط البصرة بميناء جيهان التركي، إضافة إلى مشروع لربط البصرة بميناء العقبة الأردني.

وتشير تقديرات غولدمان ساكس، بحسب ما نقلته الصحيفة، إلى وجود سبعة مشاريع جديدة لخطوط أنابيب قيد الدراسة في المنطقة، يمكن أن تصل قدرتها الإجمالية بحلول نهاية عام 2028 إلى نحو 60% من كميات النفط التي كان من الممكن شحنها عبر مضيق هرمز.

لكن تحويل مسار الصادرات الخليجية غربا يحمل تحديات اقتصادية، لأن الجزء الأكبر من عملاء دول الخليج موجودون في آسيا.

فاليابان تحصل على نحو 73% من وارداتها النفطية من الخليج، بينما تبلغ حصة الخليج نحو 42% من واردات الهند النفطية.

وبالتالي، فإن نقل الخام عبر البحر الأحمر أو البحر المتوسط بدلا من المسار المعتاد عبر هرمز قد يؤدي إلى زيادة المسافات البحرية وتكاليف الشحن.

أمن الطاقة يعيد تشكيل سوق النفط

تكشف أزمة مضيق هرمز أن سوق النفط العالمية قد تكون أمام تحول يتجاوز مجرد البحث عن براميل إضافية، ليصل إلى إعادة تقييم جغرافيا الإمدادات نفسها.

فالمنافسة المقبلة لن تكون على حجم الاحتياطات والإنتاج فقط، وإنما أيضا على قدرة الدول المنتجة على ضمان وصول النفط إلى الأسواق دون المرور بممرات بحرية يمكن أن تتحول في أي لحظة إلى نقاط اختناق استراتيجية.

وفي هذا السياق، قد تجد دول مثل غويانا والبرازيل وكندا والأرجنتين، إلى جانب المنتجين الأفارقة الجدد، فرصة لتعزيز حضورها العالمي، بينما تسعى دول الخليج إلى حماية موقعها عبر بناء شبكة تصدير أكثر تنوعا وأقل اعتمادا على مضيق هرمز.

وبذلك، قد تكون اضطرابات المضيق قد بدأت بالفعل في تسريع إعادة رسم خريطة تجارة النفط العالمية، حتى وإن ظل الخليج، بفضل احتياطياته الضخمة وقدراته الإنتاجية، لاعبا مركزيا لا يمكن الاستغناء عنه في المدى المنظور.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى