فضاء الرأي

من يعوض المواطن عن أضراره بقلم الكاتبة : تماد اسلم أيديه

🔊استمع إلى المقالجاهز
0%
اضغط تشغيل لبدء قراءة المقال
استمع إلى المقال


لم يعد انقطاع الكهرباء الذي ضرب أجزاء واسعة من نواكشوط خلال الأيام الماضية مجرد عطب تقني عابر يمكن تجاوزه بعودة التيار، فقد تحولت الأزمة إلى اضطراب مسّ جوانب متعددة من الحياة اليومية، بعدما تزامن انقطاع الكهرباء مع تأثر خدمات المياه والاتصالات والإنترنت، مخلفاً خسائر مادية وإرباكاً واسعاً لدى الأسر والتجار وأصحاب الأعمال.
وجاءت الأزمة عقب احتراق محطتين للتحويل الكهربائي في توجنين وتفرغ زينة خلال فترة وجيزة، ما أدى إلى انقطاع طويل للكهرباء في أحياء واسعة من العاصمة، وصلت مدته في بعض المناطق إلى أكثر من 48 ساعة. وفي مواجهة الوضع، باشرت الفرق الفنية الموريتانية أعمال الإصلاح، بمساندة فرق ومعدات قدمت من المغرب والسنغال، وتمكنت من إعادة تشغيل المحطة الشرقية في توجنين تدريجياً، فيما استمرت الأشغال في المحطة المتضررة بتفرغ زينة.
لكن حجم التداعيات جعل الأزمة تتجاوز مسألة عودة التيار إلى سؤال أوسع يتعلق بمدى جاهزية المنظومة الكهربائية وقدرتها على ضمان استمرارية خدمة حيوية بهذا الحجم.
أزمة امتدت إلى قطاعات أخرى
لم يكن غياب الكهرباء وحده مصدر المعاناة. فارتباط قطاعات أساسية بالطاقة جعل الانقطاع ينعكس سريعاً على المياه والاتصالات والإنترنت، وهي خدمات أصبحت جزءاً لا يتجزأ من الحياة اليومية للمواطن.
وفي بعض المناطق، اضطر السكان إلى البحث عن المياه خارج أحيائهم، بينما وجد آخرون أنفسهم أمام صعوبة في التواصل مع ذويهم أو مواصلة أعمالهم ودراساتهم التي تعتمد على شبكة الإنترنت.
أما أصحاب المحلات والأنشطة التجارية، فكانت خسائرهم أكثر مباشرة، خصوصاً بالنسبة لمن تعتمد أعمالهم على التبريد وحفظ المواد الغذائية. فكل ساعة إضافية من انقطاع الكهرباء كانت تعني احتمال تلف جزء من البضائع، وتحول الأزمة بالنسبة إلى كثير منهم إلى خسارة مالية حقيقية.
ولم يسلم أصحاب المهن والحرف والأعمال الصغيرة والموظفون والطلاب من آثار الانقطاع، إذ تعطلت مصالح مرتبطة بشكل مباشر بالطاقة والإنترنت. وفي مشهد يلخص حجم الاضطراب، اضطر بعض المواطنين إلى الاستعانة بوسائل النقل العمومي لشحن هواتفهم، بعدما تأثرت خدمات الاتصال نفسها نتيجة انقطاع الكهرباء عن بعض محطات البث.
من العطل إلى سؤال المسؤولية
بعد انقضاء الصدمة الأولى، يصبح من المشروع أن يتجاوز النقاش سؤال: متى تعود الكهرباء؟ إلى أسئلة أكثر عمقاً: لماذا حدثت هذه الأعطال؟ وهل كان بالإمكان تفاديها؟ وهل تكشف الحرائق عن خلل في المعدات أو الصيانة أو إجراءات التنفيذ؟ ومن يتحمل المسؤولية إذا أثبتت التحقيقات وجود تقصير؟
إن احتراق محطتين خلال فترة متقاربة، وما ترتب عليه من اضطراب واسع، يستحق تحقيقاً جاداً لا يكتفي بتحديد سبب الحريق، بل ينظر في مختلف حلقات المنظومة، من جودة المعدات والكابلات إلى طرق اقتنائها وتركيبها وصيانتها.
وقد أثيرت بالفعل معطيات وشبهات تتعلق بمطابقة بعض التجهيزات للمواصفات الفنية، وهي أمور لا يجوز تحويلها إلى أحكام مسبقة أو إدانات قبل انتهاء التحقيق، لكنها في الوقت ذاته تستدعي التعامل معها بجدية، لأن أفضل وسيلة لحسم الجدل ليست تبادل الاتهامات، وإنما كشف الحقيقة عبر تحقيق مهني ومستقل وشفاف.
التحقيق ضرورة
إعادة الكهرباء إلى المواطنين تظل أولوية عاجلة، لكنها لا ينبغي أن تكون نهاية الملف. فالأزمة كشفت عن هشاشة محتملة في منظومة ترتبط بها خدمات أساسية، وأظهرت أن أي خلل كبير فيها يمكن أن يتسع سريعاً ليؤثر في قطاعات أخرى.
ولهذا، فإن المطلوب هو تحقيق شامل يحدد أسباب الحرائق بدقة، ويفحص المعدات والتجهيزات، ويراجع ظروف اقتنائها وتركيبها وصيانتها، ويتحقق من احترام المواصفات الفنية والإجراءات القانونية المتعلقة بالصفقات، وصولاً إلى تحديد المسؤوليات إن وجدت.
وإذا أثبت التحقيق وجود إهمال أو تقصير أو مخالفة أو خلل في تنفيذ الالتزامات، فإن المحاسبة يجب أن تتم وفق القانون، بعيداً عن الانتقائية أو التبرير، لأن حماية المنشآت العمومية وضمان سلامة الخدمات الأساسية مسؤولية لا تحتمل التساهل.
ومن يعوّض المواطن؟
يبقى السؤال الأكثر حساسية بعد كل ذلك: من يتحمل الأضرار التي لحقت بالمواطنين؟
من يعوض الأسرة التي تلفت موادها الغذائية بسبب توقف التبريد؟ ومن يتحمل خسارة صاحب متجر فسدت بضاعته؟ وماذا عن صاحب ورشة أو نشاط تجاري توقف عمله، أو موظف تعطلت مهمته، أو طالب تعذر عليه متابعة دراسته، أو مواطن اضطر إلى إنفاق أموال إضافية للحصول على المياه أو توفير احتياجات أساسية خلال فترة الانقطاع؟
ثم ماذا عن الأجهزة المنزلية التي قد تتضرر جراء الانقطاعات المفاجئة أو اضطراب التيار؟
قد تكون مسألة التعويض معقدة من الناحية القانونية، وقد تختلف المسؤولية بحسب طبيعة الضرر وسبب حدوثه، لكن حجم الخسائر التي خلفتها الأزمة يجعل من الضروري فتح نقاش جدي حول حقوق المستهلك ومسؤولية الجهة المشغلة، ومدى وجود آليات واضحة وعادلة لتعويض الأضرار التي يثبت ارتباطها المباشر بتقصير أو إهمال.
فالمواطن ليس مجرد مشترك يدفع فاتورة الكهرباء، وإنما هو المستفيد من خدمة أساسية يفترض أن تقدم بصورة مستقرة وآمنة، وأي إخلال جسيم بها ينعكس على حياته ومصالحه وممتلكاته.
لقد كان تدخل الفرق الفنية الموريتانية، ومساندة الخبرات والمعدات القادمة من المغرب والسنغال، خطوة مهمة في تجاوز الأزمة، وهو جهد يستحق التقدير. غير أن إصلاح الأعطاب لا ينبغي أن يحجب ضرورة البحث عن أسبابها، لأن معالجة النتائج وحدها لا تمنع تكرار المشكلة.
إن عودة الكهرباء تنهي الانقطاع، لكنها لا تنهي الأسئلة. أما كشف الحقيقة وتحديد المسؤوليات، فهما السبيل إلى استعادة الثقة ومنع تكرار ما حدث.
المطلوب اليوم ليس فقط أن تضيء نواكشوط من جديد، وإنما أن يعرف المواطن لماذا انطفأت، وكيف وقع الخلل، وهل كان بالإمكان تفاديه، ومن يتحمل المسؤولية عن الأضرار التي ترتبت عليه، وما إذا كانت هناك حاجة إلى إجراءات إصلاحية تمنع تكرار الأزمة.
فجودة الخدمات الأساسية، وسلامة المنشآت، وحماية المال العام، واحترام المعايير الفنية، ومساءلة المقصرين، ليست مطالب استثنائية، بل هي ركائز أساسية في دولة القانون.
ويبقى السؤال الذي لا ينبغي أن يطويه الزمن بمجرد عودة التيار: من يعوّض المواطن عن الأضرار التي تحملها؟

ملاحظة: جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر الكاتب ولا تمثّل بالضرورة رأي الموقع أو إدارته.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى