اقتصاد

تعديلات قانون الملكية العقارية في الأردن تفتح جدلا حول التملك والاستملاك

🔊استمع إلى المقالجاهز
0%
اضغط تشغيل لبدء قراءة المقال
استمع إلى المقال

أثارت تعديلات مقترحة على قانون الملكية العقارية في الأردن نقاشا واسعا بين الأوساط الشعبية والرسمية، في ظل مساعٍ لتحقيق توازن بين حماية الملكية الخاصة وتمكين الدولة من تنفيذ مشاريع البنية التحتية، خصوصا مشروعات السكك الحديدية، إلى جانب تنظيم تملك غير الأردنيين والأشخاص الاعتباريين للعقارات.

وتتركز أبرز المخاوف حول حدود حق الدولة في نزع ملكية العقارات للمنفعة العامة، ومدى كفاية الضمانات المتعلقة بالتعويض، فضلا عن الآثار المحتملة لتوسيع نطاق تملك غير الأردنيين، ولا سيما في الأراضي الواقعة خارج حدود التنظيم.

لماذا يجري تعديل قانون الملكية العقارية؟

صدر قانون الملكية العقارية الأردني للمرة الأولى عام 2019، بهدف توحيد وتنظيم الأحكام المرتبطة بالسوق العقارية والمعاملات المتعلقة بالأراضي والمباني والوحدات السكنية، بما يشمل البيع والرهن والتأجير وغيرها من الإجراءات.

وقال وزير الدولة للشؤون القانونية فياض القضاة إن التجربة العملية لتطبيق القانون خلال الفترة الممتدة بين عامي 2019 و2026 كشفت عن عدد من المسائل التي تستدعي المعالجة التشريعية.

وأوضح أن التعديلات المقترحة تتناول ملفات متعددة، من بينها رقمنة المعاملات العقارية، وتنظيم الملكية على الشيوع، وإعادة النظر في آليات تحديد تعويضات نزع الملكية، إلى جانب تعزيز الاستثمار العقاري وتسهيل تنفيذ مشاريع البنية التحتية.

جدل داخل البرلمان حول التعديلات

أقرت لجنة مشتركة في مجلس الأعيان، تضم اللجنتين القانونية والاقتصادية، مشروع القانون كما ورد من مجلس النواب.

لكن رئيس اللجنة رجائي المعشر انتقد طريقة إعداد الحكومة للتعديلات، معتبرا أنها لم تبذل جهدا كافيا في التمهيد للمشروع وفتح حوار مجتمعي واسع حوله.

وأشار إلى أن الحكومة لم توضح بالشكل المطلوب الأسباب الموجبة للتعديل وأهدافه وأبعاده والنتائج المحتملة لتطبيق أحكامه، وهو ما أسهم في اتساع دائرة الجدل حول المشروع.

وأوصت اللجنة بتحسين آليات التعامل مع الملكية على الشيوع، ورفع كفاءة الجهاز الإداري المسؤول عن تطبيق القانون، إضافة إلى إعطاء الأولوية لأراضي الخزينة عند تنفيذ مشاريع البنية التحتية، بحيث لا يتم اللجوء إلى استملاك أراضي المواطنين إلا عند الضرورة.

كما دعت إلى وضع نظام واضح يحدد أسس احتساب القيمة العادلة للتعويضات، بهدف توحيد معايير التقييم وضمان حماية حقوق أصحاب العقارات.

مخاوف من تملك غير الأردنيين

يمثل ملف تملك غير الأردنيين أحد أكثر الجوانب إثارة للجدل في مشروع التعديل، خصوصا فيما يتعلق بالأراضي الواقعة خارج حدود التنظيم.

وقال المحلل الاقتصادي والناشط السياسي محمد البشير إن الجدل حول هذه المسألة يرتبط أيضا بحساسية الموقع الجغرافي للأردن والظروف السياسية والأمنية التي تحيط بالمنطقة.

وأشار إلى أن هذه الهواجس ربما أسهمت في زيادة المخاوف من التوسع في السماح لغير الأردنيين بتملك الأراضي، داعيا في الوقت نفسه إلى ربط جذب الاستثمارات الأجنبية بالاحتياجات الحقيقية للاقتصاد الأردني.

وتساءل البشير عن طبيعة المشروعات التي يحتاج إليها الاقتصاد، ومدى قدرة الاستثمارات الجديدة على دعم الإنتاج المحلي وتقليص عجز الميزان التجاري والحد من الاعتماد على الواردات.

وحذر من أن انتقال ملكية الأراضي إلى رؤوس الأموال الكبيرة وتفتت ملكيات المواطنين قد يؤدي إلى آثار اجتماعية سلبية، خصوصا في المناطق التي تعتمد فيها الأسر على الزراعة كمصدر رئيسي للدخل.

الحكومة: لا فتح مطلق للتملك خارج التنظيم

وخلال مناقشة مشروع التعديل في البرلمان، أكد وزير الشؤون السياسية والبرلمانية عبد المنعم العودات أن السماح لغير الأردنيين بالتملك خارج حدود التنظيم لا يمثل فتحا مطلقا لهذا الباب.

وأوضح أن التعديل يسمح بالتملك لأغراض السكن الخاص، وبمساحة لا تتجاوز 10 دونمات، مع استمرار القيود والشروط الأخرى المنصوص عليها في قانون الملكية العقارية.

وأكد أن الهدف من التعديلات هو تنظيم عملية التملك وتسهيل الاستثمار، وليس إلغاء الضوابط المفروضة على ملكية غير الأردنيين للعقارات.

المستثمرون يطالبون بضوابط واضحة

من جهته، قال رئيس جمعية المستثمرين في قطاع الإسكان ماجد غوشة إن الجمعية تؤيد الإجراءات المدروسة التي من شأنها جذب الاستثمارات وتنشيط السوق العقارية.

وأوضح أن قطاع الإسكان يرتبط بصورة مباشرة بعدد كبير من الأنشطة الاقتصادية، من بينها الإنشاءات ومواد البناء والتمويل والخدمات الهندسية والتشغيل، وبالتالي فإن زيادة الاستثمارات فيه يمكن أن تنعكس على قطاعات أخرى.

وأكد أن التعديل لا يفتح الباب بصورة مطلقة أمام تملك غير الأردنيين للأراضي الواقعة خارج حدود التنظيم، وإنما يسمح بالتملك لأغراض السكن وبمساحة محددة، مع بقاء القيود الأخرى سارية.

ويرى غوشة أن السماح المدروس بالتملك يمكن أن يشكل حافزا للاستثمار، لكنه شدد في المقابل على ضرورة وضع ضوابط تحمي الأراضي الزراعية وتحد من المضاربة العقارية، خصوصا أن طبيعة الأراضي الواقعة خارج التنظيم تختلف بحسب موقعها واستخداماتها.

بين الاستثمار وحماية الأراضي الزراعية

ترى النائبة ديما طهبوب أن السماح لغير الأردنيين بالتملك بدأ في الأساس كأداة لتشجيع الاستثمار وجذب رؤوس الأموال، لكنه توسع تدريجيا ليشمل السكن الخاص، وصولا إلى السماح بالتملك خارج حدود التنظيم ضمن التعديلات المقترحة.

وحذرت طهبوب من أن بعض الأراضي الواقعة خارج التنظيم قد تحمل أهمية أمنية أو اقتصادية أو مائية، الأمر الذي يجعل انتقال ملكيتها إلى غير الأردنيين مسألة تحتاج إلى دراسة دقيقة وضوابط صارمة.

وأكدت أن توجيه الطلب السكني إلى المناطق الواقعة داخل حدود التنظيم قد يكون أكثر ملاءمة من السماح بالتوسع في تملك الأراضي الواقعة خارجه.

ما نوع الاستثمار الذي يحتاجه الأردن؟

يشدد مؤيدو التعديل على أن جذب المستثمرين الأجانب يمكن أن يساعد في تنشيط السوق العقارية وتحريك قطاعات اقتصادية مرتبطة بها، لكنهم يفرقون بين الاستثمار الذي يخلق قيمة اقتصادية حقيقية وبين مجرد شراء الأراضي والاحتفاظ بها.

وقال غوشة إن الاستثمار الأجنبي الأكثر فائدة هو الذي يضخ رؤوس أموال جديدة في الاقتصاد، وينشئ مشروعات حقيقية ويوفر فرص عمل، وليس مجرد نقل ملكية الأراضي من مالك إلى آخر دون تطويرها.

وأشار إلى أن تشجيع غير الأردنيين على شراء الوحدات والمشروعات التي تنفذها شركات الإسكان والتطوير العقاري المرخصة يمكن أن يكون وسيلة أفضل لتوجيه الطلب الخارجي نحو نشاط اقتصادي منتج.

ومن شأن هذا النهج، بحسب غوشة، تنشيط قطاعات الإنشاءات ومواد البناء والخدمات الهندسية والتمويل، بدلا من أن يقتصر أثر الاستثمار على المضاربة في أسعار الأراضي.

نزع الملكية ومشاريع البنية التحتية

لا يقتصر الجدل حول تعديلات قانون الملكية العقارية على ملف تملك غير الأردنيين، إذ يشكل نزع الملكية للمنفعة العامة محوريا آخر في النقاش.

وتحتاج الدولة إلى آليات قانونية تمكنها من تنفيذ مشروعات البنية التحتية الكبرى، ومنها مشاريع السكك الحديدية، التي قد تمر مساراتها عبر أراضٍ مملوكة لأفراد.

لكن التوسع في استخدام نزع الملكية يثير في المقابل تساؤلات بشأن حماية الملكية الخاصة وضمان حصول أصحاب العقارات على تعويضات عادلة.

ولهذا أوصت اللجنة النيابية بإعطاء الأولوية لأراضي الخزينة عند تنفيذ مشروعات البنية التحتية، وعدم اللجوء إلى استملاك الأراضي الخاصة إلا عندما يكون ذلك ضروريا، إلى جانب وضع معايير واضحة وموحدة لتحديد قيمة التعويضات.

ويعكس هذا الطرح محاولة لتحقيق توازن بين حق الدولة في تنفيذ مشروعات تخدم المصلحة العامة وحق المواطن في حماية ملكيته والحصول على تعويض منصف عندما يصبح الاستملاك أمرا لا مفر منه.

التحدي في التطبيق

يبدو أن جوهر الخلاف حول التعديلات لا يتعلق فقط بالنصوص القانونية، بل أيضا بآليات تطبيقها والجهات المسؤولة عن تنفيذها.

فالسماح بالتملك لغير الأردنيين، على سبيل المثال، قد يكون وسيلة لجذب الاستثمار إذا ارتبط بمشروعات إنتاجية، لكنه قد يؤدي إلى المضاربة وارتفاع أسعار الأراضي إذا غابت الرقابة والضوابط المناسبة.

وبالمثل، فإن تسهيل نزع الملكية يمكن أن يسرع تنفيذ مشاريع البنية التحتية، لكنه قد يتحول إلى مصدر نزاع إذا لم تكن معايير الضرورة والتعويض واضحة وعادلة.

ومن هنا تبدو الحاجة إلى أن ترافق التعديلات التشريعية إجراءات تنفيذية دقيقة، تضمن الشفافية وتحدد مسؤوليات الجهات الحكومية وتحمي حقوق مالكي العقارات.

معادلة صعبة بين الاستثمار والمصلحة الوطنية

يواجه الأردن من خلال مشروع تعديل قانون الملكية العقارية معادلة دقيقة تجمع بين الحاجة إلى جذب الاستثمارات وتنشيط السوق العقارية من جهة، وضرورة حماية الملكية الخاصة والأراضي الزراعية والمصالح الاقتصادية والأمنية من جهة أخرى.

ويرى مؤيدو التعديلات أن تنظيم تملك غير الأردنيين يمكن أن يفتح المجال أمام استثمارات جديدة ويدعم قطاع الإسكان، بينما يحذر المعارضون من أن التوسع غير المنضبط قد يؤدي إلى آثار اجتماعية واقتصادية يصعب تداركها.

وفي النهاية، فإن تأثير القانون المعدل سيتوقف بدرجة كبيرة على الضوابط التي سترافقه وطريقة تطبيقها على أرض الواقع، وليس على النص التشريعي وحده. فالتملك الأجنبي يمكن أن يتحول إلى أداة لتنشيط الاقتصاد عندما يرتبط بمشروعات حقيقية وفرص عمل، كما يمكن أن يصبح مصدر ضغط على سوق الأراضي إذا تحول إلى نشاط مضاربي.

وبالمثل، فإن نزع الملكية للمنفعة العامة قد يكون ضروريا لتنفيذ مشاريع استراتيجية، لكنه يحتاج إلى ضمانات قوية تكفل عدم المساس بحقوق المواطنين إلا في الحالات التي تفرضها المصلحة العامة، مع توفير تعويضات عادلة وشفافة.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى