تكنولوجيا

النماذج الصينية والأمريكية تتجاوز حدود السياسة.. المستخدمون يختارون الأفضل

🔊استمع إلى المقالجاهز
0%
اضغط تشغيل لبدء قراءة المقال
استمع إلى المقال

تخوض الولايات المتحدة والصين سباقا متسارعا للهيمنة على سوق الذكاء الاصطناعي، في معركة لم تعد تقتصر على تطوير نماذج أكثر قدرة، بل امتدت إلى فرض القيود ومحاولة الحد من وصول المستخدمين إلى تقنيات الطرف الآخر، وسط اتهامات متبادلة بسرقة النماذج والتقنيات وعمليات “التقطير” التي تستخدم لاستخلاص قدرات نموذج ذكاء اصطناعي لتطوير نموذج آخر.

لكن خلف هذا الصراع السياسي والتجاري، تبدو الصورة مختلفة تماما لدى المستخدمين، الذين لا يتعاملون مع المنافسة باعتبارها مواجهة بين دولتين، وإنما يبحثون ببساطة عن النموذج الأكثر كفاءة في إنجاز مهامهم اليومية، سواء كان أمريكيا أو صينيا.

وباتت نماذج مثل شات جي بي تي وكلود وجيميناي وديب سيك وكي مي وغيرها حاضرة في أعمال المستخدمين داخل البلدين، حتى عندما تفرض الحكومات أو الشركات قيودا على الوصول إليها.

الصينيون يبحثون عن طرق للوصول إلى النماذج الأمريكية

تفرض الصين قيودا واسعة على وصول مستخدمي الإنترنت داخل أراضيها إلى العديد من الخدمات الأجنبية من خلال منظومة الرقابة المعروفة باسم “جدار الحماية العظيم”، وتشمل هذه القيود عددا من منصات التواصل والمواقع والخدمات الرقمية، إضافة إلى أدوات الذكاء الاصطناعي الأمريكية.

لكن هذه القيود لم تمنع شريحة من المستخدمين الصينيين من الوصول إلى النماذج الغربية، إذ يلجأ بعضهم إلى تقنيات وأدوات مختلفة لتجاوز الحجب والوصول إلى الخدمات التي لا تتوفر رسميا داخل البلاد.

وتعد الشبكات الافتراضية الخاصة “VPN” إحدى الوسائل التي يستخدمها بعض المستخدمين لإخفاء موقع الاتصال الحقيقي والوصول إلى خدمات محجوبة، كما ظهرت خدمات وسيطة تتيح إرسال طلبات المستخدمين إلى النماذج الأجنبية ومعالجة النتائج وإعادتها إليهم.

ويشير تقرير لشبكة “إن بي سي” إلى أن بعض المستخدمين الصينيين تمكنوا بهذه الطرق من الاستفادة من نماذج أمريكية مثل شات جي بي تي وكلود وجيميناي، رغم القيود المفروضة من الحكومة الصينية وسياسات الشركات الأمريكية التي تحد من تقديم خدماتها داخل الصين.

قيود الشركات الأمريكية تزيد صعوبة الوصول

لا تقتصر العقبات التي تواجه المستخدمين الصينيين على القيود التي تفرضها السلطات في بكين، إذ تضع شركات الذكاء الاصطناعي الأمريكية نفسها قيودا على تقديم خدماتها للمستخدمين داخل الصين.

فقد حظرت شركة أنثروبيك مئات الآلاف من الحسابات المرتبطة بمستخدمين في الصين، مؤكدة أنها لا تقدم خدماتها رسميا للأفراد أو الشركات هناك، بما في ذلك بعض الشركات الموجودة خارج الصين والتي تملكها شركات صينية بصورة كبيرة.

أما أوبن إيه آي، فتتبع نهجا مختلفا جزئيا، إذ تمنع الأفراد في الصين من الوصول المباشر إلى خدماتها، بينما يمكن لبعض الشركات الصينية الاستفادة من تقنياتها من خلال خدمات سحابية متاحة بصورة رسمية داخل الصين.

ورغم هذه القيود، يبدو أن شعبية النماذج الأمريكية لم تتراجع بين شريحة من المستخدمين الصينيين، خصوصا الشباب والطلاب والعاملين في المجالات التقنية.

وتشير شهادات نقلتها “إن بي سي” إلى أن بعض طلاب الجامعات يستخدمون شات جي بي تي في الدراسة والعمل، بل إن بعض الأكاديميين يشجعون على الاستفادة من أدوات الذكاء الاصطناعي رغم التحذيرات الرسمية.

المستخدم لا يهتم بجنسية النموذج

تكشف هذه الظاهرة عن مفارقة مهمة في سوق الذكاء الاصطناعي؛ فبينما تنظر الحكومات إلى النماذج باعتبارها جزءا من المنافسة الاستراتيجية والتكنولوجية، يتعامل معها المستخدمون باعتبارها أدوات عملية.

فالمستخدم الذي يريد تلخيص مستند أو كتابة نص أو تحليل بيانات أو البرمجة أو البحث عن معلومات لا يهتم بالضرورة بما إذا كان النموذج أمريكيا أو صينيا، وإنما يركز على قدرته على تنفيذ المهمة المطلوبة بسرعة ودقة وبأقل تكلفة ممكنة.

ولهذا السبب، أصبح بعض المستخدمين يعتمدون على أكثر من نموذج في الوقت نفسه، بحيث يستخدمون كل أداة في المهمة التي يعتقدون أنها تتفوق فيها.

وهذا الاتجاه قد يحد من قدرة الحكومات والشركات على تحويل المنافسة التكنولوجية إلى فصل كامل بين النظامين الأمريكي والصيني، لأن المستخدمين يواصلون البحث عن حلول عملية حتى في ظل القيود الرسمية.

النماذج الصينية تشق طريقها داخل الولايات المتحدة

في الاتجاه المعاكس، بدأت نماذج الذكاء الاصطناعي الصينية تجد مستخدمين داخل الولايات المتحدة، رغم تصاعد المخاوف الأمنية والسياسية الأمريكية بشأن التقنيات القادمة من الصين.

ولا تمنع الحكومة الأمريكية المواطنين بصورة عامة من استخدام النماذج الصينية، لكن هناك قيود أشد على استخدامها داخل المؤسسات الحكومية وبعض المواقع والوظائف الحساسة.

ومع ذلك، فإن أداء النماذج الصينية وتكلفتها المنخفضة، إضافة إلى كون بعضها مفتوح المصدر، جعلها خيارا جذابا لبعض المطورين والشركات الأمريكية.

ومن الأمثلة اللافتة على ذلك اعتماد رافي كريكوريان، المدير التقني في شركة موزيلا، على نموذج صيني مفتوح المصدر في بعض أعماله اليومية، مشيرا إلى سرعته مقارنة ببعض النماذج المنافسة.

وتعكس هذه الحالة تحولا في طريقة تقييم أدوات الذكاء الاصطناعي؛ فبدلا من النظر إلى النموذج بناء على بلد تطويره، أصبح بعض المتخصصين يقارنون بين الأداء والسرعة والتكلفة وإمكانية التخصيص.

ديب سيك يدخل حسابات الشركات الأمريكية

لم يعد الاهتمام بالنماذج الصينية مقتصرا على المستخدمين الأفراد، بل بدأ يمتد إلى الشركات والمنصات التقنية.

ويعد نموذج ديب سيك من أبرز الأمثلة على ذلك، بعدما نجح في جذب اهتمام واسع خارج الصين بفضل أدائه وتكلفته وقدرته على المنافسة مع نماذج أمريكية متقدمة.

ويستخدم بعض العاملين في الشركات الأمريكية ديب سيك لتنفيذ مهام مختلفة، من بينها البحث وتحليل المعلومات وتوليد الأفكار والمساعدة في الوصول إلى عملاء محتملين وتحسين العمليات التجارية.

كما أن طبيعة بعض النماذج الصينية المفتوحة المصدر تمنح المطورين والشركات مساحة أكبر لتشغيلها وتعديلها ودمجها داخل أنظمتهم الخاصة، وهو عامل يزيد من جاذبيتها بالنسبة إلى المؤسسات التقنية.

وتتجاوز المنافسة هنا مسألة جودة الإجابات وحدها، لتشمل أيضا تكلفة تشغيل النموذج، ومتطلبات البنية التحتية، وإمكانية تشغيله محليا، ومدى سهولة دمجه في المنتجات والخدمات.

حتى الشركات الأمريكية لا تريد الحظر

يمثل موقف مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لشركة ميتا، مثالا على هذا التحول.

فبدلا من الدعوة إلى حظر النماذج الصينية، يرى زوكربيرغ أن المنافسة التقنية هي الطريق الأفضل لمواجهتها، وأن التفوق في الأداء والابتكار سيكون أكثر فاعلية من منع المستخدمين من الوصول إليها.

وتكتسب هذه الرؤية أهمية خاصة لأن ميتا نفسها تعمل على تطوير نماذج ذكاء اصطناعي تنافس كبار اللاعبين في السوق.

ومن وجهة النظر هذه، فإن منع المنافسين الصينيين قد يوفر حماية مؤقتة للشركات الأمريكية، لكنه لا يضمن استمرار تفوقها، في حين أن تطوير نماذج أكثر قدرة وأقل تكلفة يمكن أن يحافظ على موقعها في السوق العالمي.

معركة جديدة حول “تقطير” النماذج

إلى جانب المنافسة على المستخدمين، دخلت الولايات المتحدة والصين في مواجهة جديدة تتعلق بطريقة تطوير النماذج نفسها.

وتتهم شركات أمريكية، من بينها أوبن إيه آي وأنثروبيك، شركات صينية باستخدام عمليات “التقطير” لاستخلاص قدرات نماذجها المتقدمة والاستفادة منها في تدريب نماذج أخرى.

وتقوم تقنية التقطير في صورتها العامة على استخدام مخرجات نموذج قوي لتدريب نموذج أصغر أو مختلف على محاكاة بعض قدراته، وهي تقنية معروفة في مجال تعلم الآلة، لكن استخدامها للحصول على قدرات من نماذج منافسة دون تصريح يثير نزاعات تتعلق بالملكية الفكرية وشروط الاستخدام.

وتنظر واشنطن في اتخاذ إجراءات ضد بعض الشركات الصينية إذا ثبتت الاتهامات المتعلقة باستغلال النماذج الأمريكية بصورة مخالفة للقواعد.

وأكد وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت أن الإدارة الأمريكية تحقق في هذه الادعاءات، مع احتمال فرض عقوبات أو إدراج كيانات معينة على قوائم أمريكية إذا ثبتت المخالفات.

في المقابل، ترفض بكين هذه الاتهامات، وتقول إن بعض النماذج الصينية حققت تقدما جعلها تنافس النماذج الأمريكية، وإن الشركات الأمريكية هي التي تحاول الاستفادة من التقنيات الصينية بطرق مختلفة.

سباق الذكاء الاصطناعي يتجاوز الحكومات

تكشف هذه التطورات أن الحرب التكنولوجية بين واشنطن وبكين لم تعد قادرة على التحكم بصورة كاملة في خيارات المستخدمين.

فالحكومات تستطيع فرض القيود، والشركات تستطيع حجب خدماتها، لكن المستخدمين والمطورين يبحثون باستمرار عن البدائل التي تحقق لهم أفضل أداء.

وقد يؤدي هذا الواقع إلى سوق ذكاء اصطناعي أكثر تعقيدا خلال السنوات المقبلة، تتعايش فيه النماذج الأمريكية والصينية بدلا من انقسام السوق بصورة كاملة بين معسكرين منفصلين.

وفي النهاية، قد يكون معيار الحسم الحقيقي مختلفا عن الحسابات السياسية؛ إذ سيذهب المستخدم إلى النموذج الذي يقدم له أفضل نتيجة بأسرع وقت وأقل تكلفة، بغض النظر عن الدولة التي طورته.

وبذلك، وبينما تستمر الحكومات في خوض معركة النفوذ والسيادة التقنية، يبدو أن المستخدمين يخوضون معركة أخرى أكثر بساطة: أي نموذج يستطيع أن ينجز المهمة بصورة أفضل؟

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى