صحة

أمراض المناعة الذاتية.. لماذا تتزايد الحالات وكيف ساهم التطور الطبي في اكتشاف أمراض جديدة؟

🔊استمع إلى المقالجاهز
0%
اضغط تشغيل لبدء قراءة المقال
استمع إلى المقال

تشهد أمراض المناعة الذاتية اهتماما متزايدا من الأوساط الطبية والعلمية، بالتزامن مع ارتفاع أعداد الحالات التي تُشخَّص في مختلف أنحاء العالم. ويبحث العلماء عن تفسير لهذا الاتجاه، في ظل فرضيات تربط بين الاستعداد الوراثي والتغيرات البيئية ونمط الحياة وبعض أنواع العدوى والتلوث والتدخين والسمنة، إلى جانب التطور الكبير الذي شهدته وسائل التشخيص الحديثة.

وتشير تقديرات إلى أن أمراض المناعة الذاتية بمختلف أنواعها قد تصيب ما بين 5% و10% من سكان العالم، في حين أظهرت دراسة واسعة اعتمدت على السجلات الصحية لنحو 22 مليون شخص في بريطانيا أن 19 مرضا مناعيا ذاتيا شملها البحث أصابت مجتمعة قرابة 10% من السكان.

ومع ذلك، لا تسير جميع الأمراض المناعية الذاتية بالوتيرة نفسها، إذ تختلف معدلات انتشارها بين مرض وآخر، كما تتباين من مجتمع إلى آخر. ويرى الباحثون أن العبء الصحي المرتبط بهذه الأمراض قد يواصل الارتفاع خلال العقود المقبلة، سواء بسبب زيادة الحالات الفعلية أو نتيجة قدرة الطب على اكتشاف اضطرابات لم يكن من الممكن تشخيصها بدقة في الماضي.

كيف تحدث أمراض المناعة الذاتية؟

تظهر أمراض المناعة الذاتية عندما يختل أحد أهم أدوار الجهاز المناعي، وهو التمييز بين خلايا الجسم وأنسجته السليمة وبين الأجسام والمواد الغريبة التي تستدعي الدفاع المناعي.

وعندما يفقد الجهاز المناعي هذه القدرة، يمكن أن يوجه استجابته ضد أنسجة الجسم نفسه، الأمر الذي يؤدي إلى التهابات متكررة أو مزمنة قد تؤثر في أعضاء مختلفة، بحسب طبيعة المرض والمسار المناعي المتورط فيه.

ولا يوجد سبب واحد يفسر الإصابة بمعظم هذه الأمراض، بل تشير الأدلة العلمية إلى تفاعل معقد بين عوامل وراثية وبيئية. وقد تشمل العوامل المحتملة بعض أنواع العدوى، والتدخين، والتعرض لبعض المواد الكيميائية، والنظام الغذائي، والسمنة، والتغيرات التي تطرأ على الميكروبيوم، إضافة إلى التلوث وعوامل أخرى مرتبطة بأسلوب الحياة.

وتعني هذه الصورة المعقدة أن وجود عامل واحد لا يكفي بالضرورة لحدوث المرض، وإنما قد تتطلب الإصابة اجتماع استعداد جيني معين مع مجموعة من العوامل الخارجية التي تؤثر في تنظيم الاستجابة المناعية.

هل الأمراض المناعية الجديدة ظهرت حديثا؟

من المهم التفريق بين ظهور مرض جديد فعليا وبين اكتشاف مرض كان موجودا في السابق ولم يكن الطب قادرا على تحديده بصورة مستقلة.

فقد ساهم التطور الكبير في علم الوراثة وتقنيات التسلسل الجيني في الكشف عن اضطرابات نادرة كانت حالات الإصابة بها تُفسر سابقا على أنها أمراض مختلفة أو مجهولة السبب. ومع توفر أدوات تشخيص أكثر دقة، أصبح من الممكن التعرف على طفرات جينية محددة وربطها بمجموعات من الأعراض التي كانت تبدو منفصلة.

ومن أبرز الأمثلة الحديثة متلازمات فيكساس (VEXAS) وسافي (SAVI) وكوبا (COPA). ورغم إدراجها في النقاشات المتعلقة باضطرابات المناعة والالتهاب، فإن تصنيفها العلمي ليس متطابقا؛ فبعضها يُعد من أمراض الالتهاب الذاتي، وبعضها يجمع بين خصائص الالتهاب الذاتي والمناعة الذاتية.

متلازمة فيكساس.. مرض اكتُشف بفضل علم الجينات

لم تدخل متلازمة فيكساس (VEXAS) إلى القاموس الطبي إلا عام 2020، بعد اكتشاف طفرات مكتسبة في جين UBA1 لدى مرضى كانوا يعانون من التهابات جهازية شديدة واضطرابات في الدم.

وتختلف فيكساس عن الأمراض الوراثية التقليدية؛ فهي غالبا اضطراب التهابي ذاتي مكتسب يظهر خلال مرحلة البلوغ، ولا تعني الإصابة بها بالضرورة انتقال الطفرة من الوالدين إلى الأبناء.

وتظهر غالبية الحالات لدى الرجال بعد سن الخمسين، ويمكن أن تترافق مع مجموعة واسعة من الأعراض، بينها الحمى والإرهاق وفقدان الوزن والتهابات الجلد والغضاريف والمفاصل والأوعية الدموية، إضافة إلى مشكلات في الرئتين واضطرابات دموية قد تكون خطيرة.

وأشارت دراسة اعتمدت على بيانات أكثر من 163 ألف شخص إلى وجود الطفرات المرتبطة بالمتلازمة لدى نحو شخص واحد من كل 13 ألفا و591 شخصا، بينما ارتفعت النسبة بين الرجال الذين تجاوزوا الخمسين عاما إلى رجل واحد تقريبا من كل 4269 رجلا.

ويرتبط انتشار المتلازمة بالعمر، وهو ما يجعل شيخوخة السكان عاملا قد يؤدي إلى زيادة عدد الحالات التي يواجهها الأطباء مستقبلا.

لكن الأهمية الطبية لا تكمن فقط في عدد المصابين، وإنما في الطريقة التي اكتُشف بها المرض. فقد ساعد التحليل الجيني على جمع أعراض واضطرابات كانت تبدو غير مترابطة في السابق ضمن متلازمة واحدة، وهو ما يوضح الدور المتزايد للتشخيص الجزيئي في فهم الأمراض النادرة.

متلازمة سافي.. اضطراب نادر يبدأ في الطفولة

تُعد متلازمة سافي (SAVI) من الاضطرابات الالتهابية الذاتية النادرة، وقد تعرف إليها العلماء عام 2014.

وينتج المرض عن طفرات تؤدي إلى نشاط مفرط في بروتين STING، وهو جزء من أحد المسارات المهمة في منظومة الدفاع المناعي.

وعادة ما تظهر المتلازمة خلال مرحلة الرضاعة أو الطفولة المبكرة، ويمكن أن تؤدي إلى التهاب مستمر في الأوعية الدموية، خصوصا الأوعية الصغيرة.

وتظهر لدى بعض المرضى تغيرات جلدية شديدة قد تصيب الوجه والأذنين والأنف وأصابع اليدين والقدمين، كما يمكن أن تمتد التأثيرات إلى الرئتين والمفاصل.

وبسبب ندرة المرض، لا تزال البيانات المتوافرة حول تنوع أعراضه ومساره طويل الأمد أقل بكثير من تلك الموجودة لدى الأمراض المناعية الشائعة.

متلازمة كوبا.. تأثيرات تمتد إلى الرئتين والكلى والمفاصل

أما متلازمة كوبا (COPA) فقد وُصفت خلال العقد الماضي، وترتبط بطفرات في جين يحمل الاسم نفسه، ويمكن أن تؤثر في جوانب مختلفة من عمل الجهاز المناعي.

وغالبا ما تبدأ أعراضها في مرحلة الطفولة، مع تركيز واضح على ثلاثة أجهزة رئيسية هي الرئتان والمفاصل والكلى.

وقد يعاني المصابون من مرض رئوي خلالي أو نزيف في الرئة، إلى جانب التهاب المفاصل ومشكلات في الكلى، ومنها التهاب كبيبات الكلى.

ومن الجوانب المهمة في هذا الاضطراب أن وجود الطفرة الجينية لا يعني بالضرورة أن حاملها سيصاب بالمرض. وتعرف هذه الظاهرة باسم عدم النفاذ الكامل، وهي تشير إلى أن ظهور الأعراض قد يعتمد على مجموعة إضافية من العوامل الجينية أو البيئية.

لماذا يبدو أن أمراض المناعة الذاتية في ازدياد؟

لا يمكن تفسير زيادة أعداد الحالات المسجلة بعامل واحد. فمن جهة، قد تكون هناك تغيرات حقيقية في معدلات الإصابة ببعض الأمراض نتيجة تغير البيئة ونمط الحياة والعوامل التي يتعرض لها الإنسان.

ومن جهة أخرى، أصبح الطب أكثر قدرة على اكتشاف الحالات التي كانت تمر في السابق من دون تشخيص واضح.

كما أن تطور الاختبارات الجينية والمناعية وتحسن قدرة الأطباء على الربط بين الأعراض المختلفة ساعد في إعادة تصنيف عدد من الحالات التي كانت توصف سابقا بأنها أمراض مجهولة السبب.

ويضاف إلى ذلك أن ارتفاع متوسط العمر في العديد من المجتمعات قد يزيد ظهور بعض الاضطرابات المرتبطة بالتقدم في السن، مثل فيكساس، وهو ما قد ينعكس على أعداد المرضى الذين يتم تشخيصهم خلال السنوات المقبلة.

البيئة ونمط الحياة تحت المجهر

يركز الباحثون بصورة متزايدة على العلاقة بين البيئة والجهاز المناعي، خصوصا مع التغيرات التي شهدها النظام الغذائي وأنماط النشاط البدني والتعرض للتلوث والمواد الكيميائية.

كما يحظى الميكروبيوم باهتمام متزايد، نظرا إلى دوره في تنظيم مجموعة من العمليات المناعية. ويبحث العلماء في الكيفية التي يمكن أن تؤثر بها التغيرات التي تصيب البكتيريا والكائنات الدقيقة الموجودة في الجسم في توازن الجهاز المناعي.

لكن هذه المجالات لا تزال قيد البحث، ولا يمكن اعتبار أي عامل منفرد سببا مؤكدا لمعظم أمراض المناعة الذاتية. فطبيعة هذه الاضطرابات معقدة، ويبدو أن الإصابة تنشأ في كثير من الحالات من تفاعل عدة عوامل في الوقت نفسه.

التشخيص المبكر يغير فهم هذه الأمراض

يمثل التشخيص تحديا رئيسيا في أمراض المناعة والالتهاب، لأن أعراض العديد منها قد تكون عامة وغير محددة، مثل التعب والحمى وآلام المفاصل أو الالتهابات المتكررة.

وقد يؤدي ذلك إلى مرور فترة طويلة قبل الوصول إلى التشخيص الصحيح، خصوصا في الأمراض النادرة التي لا تكون ضمن الاحتمالات الأولى لدى الطبيب.

لكن التطور في علم الجينات وتحليل المؤشرات الحيوية والتصوير الطبي ساهم في تضييق هذه الفجوة. وأصبح بالإمكان في بعض الحالات الانتقال من تشخيص قائم على الأعراض فقط إلى تحديد خلل جزيئي أو جيني أكثر تحديدا.

وهذا التحول لا يساعد فقط في تسمية المرض، بل قد يفتح الباب أمام تطوير علاجات تستهدف الآلية المسؤولة عن حدوثه بدلا من الاكتفاء بعلاج الأعراض.

مستقبل البحث في أمراض المناعة

تتجه الأبحاث الحديثة إلى فهم العلاقة بين الجينات والجهاز المناعي والبيئة بصورة أكثر تفصيلا، بدلا من البحث عن سبب منفرد لكل مرض.

وقد يؤدي هذا النهج إلى تقسيم الأمراض المعروفة إلى مجموعات فرعية بحسب الآلية البيولوجية التي تقف وراءها، وهو ما يمكن أن يساعد مستقبلا في تطوير علاجات أكثر دقة وملاءمة لكل مجموعة من المرضى.

كما أن اكتشاف اضطرابات مثل فيكساس وسافي وكوبا يوضح مدى أهمية التقنيات الحديثة في الكشف عن أمراض كانت غير معروفة أو يصعب تمييزها عن اضطرابات أخرى.

وبالتالي، فإن زيادة عدد الأمراض المناعية التي يتعرف إليها الطب لا تعني بالضرورة أن جميعها ظهرت حديثا، بل إن جزءا من هذه الزيادة يعكس ببساطة قدرة العلم على رؤية ما كان موجودا بالفعل ولكن لم يكن بالإمكان تشخيصه بدقة.

وفي الوقت نفسه، يبقى ارتفاع عبء أمراض المناعة الذاتية موضوعا يستحق المتابعة، خصوصا مع التغيرات الديموغرافية والبيئية ونمط الحياة. ومن المرجح أن يلعب الجمع بين علم الجينات والمناعة والبيانات الصحية واسعة النطاق دورا محوريا في الكشف المبكر وفهم أسباب هذه الاضطرابات وتطوير علاجات أكثر استهدافا خلال السنوات المقبلة.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى