كهرباء موريتانيا.. حرائق محطات التحويل تعيد أزمة الشبكة إلى الواجهة

دخلت أزمة الكهرباء في موريتانيا خلال أغسطس 2026 مرحلة جديدة، بعدما اندلعت حرائق في محطتي تحويل تابعتين للشركة الموريتانية للكهرباء «صوملك» في نواكشوط خلال يومين متتاليين، ما أدى إلى اضطرابات وانقطاعات واسعة للتيار الكهربائي في عدد من أحياء العاصمة ومناطق حيوية أخرى.
وتعيد هذه الحوادث إلى الواجهة أسئلة قديمة حول جاهزية شبكة التوزيع، ومستوى صيانتها، وقدرتها على التعامل مع الأعطاب والحرائق الطارئة، في وقت تتحدث فيه الحكومة عن مشاريع طاقوية كبيرة تستهدف زيادة الإنتاج وتحسين الخدمة، بل والاستعداد مستقبلاً لتصدير فائض الطاقة.
حريقان خلال 48 ساعة
اندلع الحريق الأول يوم الجمعة 21 أغسطس في محطة التحويل الفرعية الشرقية التابعة لـ«صوملك»، عند الساعة 11:25 صباحاً، وفق ما أعلنته الشركة.
وتعمل المحطة بجهد متوسط يبلغ 33/15 كيلوفولت، وتغذي مناطق واسعة من شمال نواكشوط والمناطق المجاورة.
وأدى الحريق إلى اضطرابات وانقطاعات جزئية للتيار الكهربائي في مقاطعات دار النعيم وتوجنين وأجزاء من عرفات، كما تأثر الخط الكهربائي الرابط بين نواكشوط وواد الناقة وإديني وأوليگات، وهو ما انعكس بدوره على خدمات مرتبطة بالطاقة، من بينها ضخ المياه في المناطق المتأثرة.
ووصفت «صوملك» الأضرار الناجمة عن الحريق بأنها جسيمة، مؤكدة أن فرقها الفنية باشرت عمليات التدخل والإصلاح.
لكن الأزمة لم تتوقف عند هذا الحد، إذ اندلع في اليوم التالي، السبت 22 أغسطس، حريق ثانٍ في محطة تحويل تابعة للشركة في نواكشوط الغربية.
وامتدت تداعيات الحريق هذه المرة إلى معظم أحياء تفرغ زينة وأجزاء واسعة من لكصر والسبخة، إضافة إلى الخط المغذي لمنطقة أغنودرت ومطار أم التونسي الدولي وميناء تانيت.
وأوضحت الشركة أن فرقها الفنية كانت تنتظر السيطرة الكاملة على الحريق حتى تتمكن من تقييم حجم الأضرار والبدء في الإصلاحات الهيكلية، ما يعني أن طبيعة الأضرار في المحطة الغربية لم تكن قد تحددت بصورة نهائية عند صدور البيان.
«عوامل خارجة عن الإرادة».. أين تبدأ المسؤولية؟
عقب الحريق الأول، أعلنت وزارة الطاقة والنفط أن الحادث نجم عن عوامل خارجة عن الإرادة، مؤكدة أن الفرق الفنية تعمل على إعادة تشغيل المحطة بقدرتها الاعتيادية.
وإذا كان هذا التوصيف مفهوماً في البيانات الأولية للحوادث، فإنه لا يلغي سؤالاً أوسع يتعلق بجاهزية الشبكة وإدارة المخاطر.
فالمسؤولية عن المنشآت الحيوية لا تقتصر على منع وقوع الأعطاب، وهو أمر قد لا يكون ممكناً دائماً، وإنما تشمل كذلك الصيانة الوقائية، وأنظمة الحماية، وسرعة الاستجابة، وتوفير البدائل، والحد من اتساع نطاق الانقطاع عندما يقع خلل في منشأة رئيسية.
ولا يعني ذلك بالضرورة تحميل الحكومة مسؤولية مباشرة عن كل حريق أو عطل، لكن إدارة قطاع الكهرباء تظل مطالبة بامتلاك منظومة قادرة على احتواء الحوادث وتقليل آثارها على المواطنين والمؤسسات والخدمات الأساسية.
فالمنشأة الحيوية لا تُختبر فقط في الظروف الطبيعية، وإنما تظهر كفاءتها الحقيقية عندما تتعرض الشبكة لخلل مفاجئ أو حادث استثنائي.
المشكلة ليست في الإنتاج وحده
تكتسب الحرائق الأخيرة أهمية إضافية بالنظر إلى تصريحات سابقة لمسؤولي «صوملك» حول وضع شبكة التوزيع في نواكشوط.
فخلال أغسطس الجاري، قال المدير العام للشركة، أخرمبالي ولد لحبيب، إن أعطاب شبكة التوزيع كانت وراء نحو 40% من انقطاعات الكهرباء في نواكشوط خلال الأشهر الماضية، رابطاً ذلك بتقادم أجزاء واسعة من الشبكة والضغط المتزايد عليها.
وأشار إلى أن شبكة نواكشوط تضم قرابة 3 آلاف كيلومتر من خطوط 15 و33 كيلوفولت، وأن جزءاً كبيراً منها قديم، مع استمرار أعمال تجديد بعض المقاطع.
وهذه المعطيات تضع أزمة الكهرباء في إطار أوسع من مجرد نقص الإنتاج.
فحتى لو توفرت قدرة توليد إضافية بمئات الميغاوات، فإن ضعف شبكة النقل والتوزيع أو تقادم مكوناتها قد يحول دون وصول تلك الطاقة بصورة مستقرة إلى المستهلكين.
بمعنى آخر، تبدو المعادلة الموريتانية اليوم مرتبطة بثلاثة عناصر متكاملة: إنتاج كافٍ، وشبكة قادرة على نقل وتوزيع الطاقة، ومنظومة صيانة وحماية قادرة على التعامل مع الأعطاب.
وعود حكومية بمئات الميغاوات
تأتي هذه التطورات في وقت تتضمن فيه البرامج الحكومية للعام 2026 جملة من المشاريع الرامية إلى تحسين وضع قطاع الكهرباء.
ففي يناير الماضي، عرض الوزير الأول برنامج عمل الحكومة، متحدثاً عن هدف تحقيق تحسن ملموس في خدمة الكهرباء في نواكشوط خلال العام، إلى جانب استلام محطتين حرارية وهجينة في حدود شهر نوفمبر، واستكمال أعمال تأهيل الشبكة.
كما تضمن البرنامج توسعة المحطة الكهربائية الهجينة بأربعة مولدات، بطاقة 18 ميغاوات لكل مولد، إلى جانب مشاريع أخرى تشمل:
إنشاء محطة هجينة بقدرة 220 ميغاوات من الطاقة الشمسية والرياح.
إعادة تأهيل محطة الشيخ زايد الشمسية.
إعادة تأهيل مولدات محطة نواذيبو.
إعادة تأهيل مولدات محطة المرفأ.
اقتناء وتركيب 24 مولداً كهربائياً في 24 مدينة، بقدرات تتراوح بين 500 و1200 كيلوفولت أمبير للمولد الواحد.
كهربة أكثر من 400 قرية.
استكمال خط نواكشوط–ازويرات.
إطلاق مشروع محطة غازية بقدرة تصل إلى 230 ميغاوات.
وتعكس هذه المشاريع حجماً كبيراً من الاستثمارات والقدرات المرتقبة في قطاع الطاقة.
غير أن السؤال الذي تفرضه حرائق أغسطس هو مدى قدرة هذه المشاريع، إلى جانب مشاريع إعادة التأهيل، على معالجة المشكلة الأكثر إلحاحاً بالنسبة للمواطن: استقرار التيار الكهربائي ووصوله بصورة منتظمة وآمنة إلى المنازل والمؤسسات.
أرقام كبيرة.. ومشكلة في الشبكة
أعلنت الحكومة كذلك عن مشاريع لمحطات جديدة، من بينها محطة بقدرة 225 ميغاوات في إطار شراكة بين القطاعين العام والخاص، ومحطة أخرى بقدرة 72 ميغاوات.
وفي بيانات حكومية لاحقة، ورد الحديث عن مشروع محطة غازية جديدة بقدرة تصل إلى 225 ميغاوات، مع توقع دخولها الخدمة نهاية 2028 أو بداية 2029، فيما أشارت وثائق أخرى إلى مشروع محطة غازية بقدرة 230 ميغاوات ضمن المشاريع المقرر إطلاقها خلال 2026.
ولا يعني اختلاف هذه الأرقام بالضرورة وجود تناقض، إذ قد يتعلق الأمر بمشاريع مختلفة أو بمراحل مختلفة من مشاريع الطاقة.
لكن المشكلة تكمن في أن تعدد المشاريع والقدرات المعلنة قد يجعل الصورة تبدو، بالنسبة للمواطن، أكبر بكثير من واقع الخدمة التي يحصل عليها في منزله.
فالمواطن لا يستهلك «الميغاوات المرتقبة»، ولا يتعامل مع المشاريع المستقبلية، وإنما مع الكهرباء التي تصل إلى منزله اليوم.
وعندما تتكرر الانقطاعات، أو تتعرض محطات التحويل نفسها للحرائق، فإن السؤال لا يتعلق فقط بكمية الطاقة التي يمكن إنتاجها مستقبلاً، وإنما بسلامة الشبكة التي يفترض أن تنقل هذه الطاقة وتوزعها.
من فائض الطاقة إلى اختبار الواقع
لطالما ارتبط الخطاب الرسمي في السنوات الأخيرة بمشاريع كبيرة في مجال الغاز والطاقة الشمسية والرياح، وبطموحات لتحويل موريتانيا إلى بلد ذي سيادة طاقوية، مع الحديث عن إمكانية تصدير فائض الطاقة مستقبلاً.
لكن حرائق محطات التحويل في نواكشوط خلال يومين متتاليين تفرض العودة إلى الأساسيات.
فقبل الحديث عن تصدير الفائض، يحتاج المواطن إلى شبكة مستقرة، ومحطات محمية، وخطوط قادرة على تحمل الطلب، وبرامج صيانة استباقية، وخطط طوارئ تمنع تحول عطل في محطة واحدة إلى أزمة تمتد إلى أحياء ومرافق حيوية واسعة.
إن التحدي الحقيقي أمام قطاع الكهرباء الموريتاني لا يبدو محصوراً في زيادة القدرة الإنتاجية، بل في بناء منظومة متكاملة تستطيع إنتاج الطاقة ونقلها وتوزيعها وحمايتها واستعادة الخدمة بسرعة عند وقوع الأعطاب.
وفي نهاية المطاف، تبقى قيمة كل مشروع كهربائي مرتبطة بقدرته على تحسين الخدمة الفعلية للمواطن.
فبينما تُقاس المشاريع الحكومية بالميغاوات والاستثمارات والمواعيد المستقبلية، يقيس المواطن نجاح قطاع الكهرباء بمؤشر أبسط بكثير: هل أضاء المصباح عندما ضغط على المفتاح؟









