أسعار الأدوية في المغرب بين حماية القدرة الشرائية ومخاطر نقص العلاج

تتصاعد في المغرب حدة الجدل بشأن سياسة تسعير الأدوية، في ظل محاولة تحقيق معادلة صعبة تجمع بين تخفيف الأعباء المالية عن المواطنين، خصوصا مع ارتفاع تكاليف المعيشة، والحفاظ في الوقت نفسه على استقرار سوق الدواء وضمان استمرار توفر مختلف الأصناف في الصيدليات.
ويرى مهنيون في قطاع الصيدلة أن أي مراجعة لأسعار الأدوية ينبغي أن تستهدف بالدرجة الأولى العلاجات مرتفعة الكلفة، وخاصة الأدوية المستوردة، بدلا من التركيز على الأدوية الرخيصة التي تتراوح أسعار بعضها بين 10 و15 و20 و50 درهما.
ويحذر الصيادلة من أن التخفيضات الشاملة وغير المدروسة قد تؤدي إلى نتائج عكسية، من بينها تراجع إنتاج بعض الأدوية منخفضة السعر، ثم اختفاؤها تدريجيا من السوق، في وقت تعاني فيه الصيدليات المغربية أصلا من نقص بعض الأصناف.
الأدوية منخفضة السعر تواجه خطر الاختفاء
يرتبط جزء من أزمة توفر الأدوية بانخفاض الجدوى الاقتصادية لتصنيع بعض الأصناف التي تباع بأسعار محدودة، إذ ترى شركات منتجة أن استمرار تصنيع بعض الأدوية بأسعار منخفضة قد لا يغطي تكاليف الإنتاج والتوزيع.
ويشير صيادلة إلى أن بعض الأدوية التي لا يتجاوز سعرها 10 أو20 أو30 درهما قد تصبح غير مربحة بالنسبة إلى الشركات، الأمر الذي قد يدفعها إلى تقليص إنتاجها أو التوقف عنه نهائيا.
ومن هنا، يرى المهنيون أن خفض الأسعار ينبغي أن يأخذ في الاعتبار تكاليف التصنيع وهوامش الربح، حتى لا تتحول محاولة جعل الدواء أكثر قدرة على الوصول إلى المواطنين إلى سبب في فقدانه من السوق.
كيف يمكن تحقيق التوازن؟
يؤكد العاملون في قطاع الصيدلة أن إصلاح منظومة تسعير الأدوية يحتاج إلى تحقيق توازن بين عدة أطراف، في مقدمتها قدرة المواطن على تحمل تكلفة العلاج، والوضع المالي للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي وأنظمة التغطية الصحية، إلى جانب ضمان استمرارية نشاط الصيدليات.
ويحذر المهنيون من أن خفض أسعار الأدوية يؤثر مباشرة في هامش ربح الصيدلي، باعتبار أن جزءا من مداخيله يرتبط بقيمة الأدوية التي يبيعها.
ومع استمرار التخفيضات من دون اتخاذ إجراءات موازية لدعم القطاع، قد تجد الصيدليات نفسها أمام ضغوط مالية أكبر، خصوصا أن جزءا منها يعاني بالفعل من صعوبات في الوفاء بالتزاماته.
وتشير تقديرات متداولة بين المهنيين إلى أن ما بين 30 و40% من الصيدليات المغربية تواجه حاليا مشكلات مالية، وسط تحذيرات من احتمال إغلاق عدد منها إذا استمرت الضغوط الاقتصادية.
ويستشهد بعض العاملين في القطاع بتجارب دول أوروبية شهدت إغلاق صيدليات نتيجة تراجع قدرتها المالية، محذرين من تكرار السيناريو نفسه في المغرب إذا لم تتم معالجة الإشكالات الهيكلية التي تواجه القطاع.
هل الأسعار في المغرب ما زالت مرتفعة؟
بذلت السلطات المغربية خلال السنوات الماضية جهودا لخفض أسعار عدد من الأدوية، لكن مواطنين ومهنيين يرون أن الأسعار لا تزال مرتفعة مقارنة بالقدرة الشرائية لجزء كبير من المغاربة.
كما يقارن البعض أسعار الأدوية المحلية بتلك المعتمدة في دول عربية مثل تونس ومصر، فضلا عن بعض الأسواق الأوروبية، ويشيرون إلى وجود فروقات كبيرة في أسعار بعض العلاجات.
ورغم التخفيضات التي طالت عددا من الأصناف، لا تزال أدوية أخرى، خاصة تلك المستخدمة في علاج الأمراض المزمنة، تمثل عبئا ماليا ثقيلا على المرضى وأسرهم.
وتزداد المشكلة تعقيدا عندما يحتاج المريض إلى علاج مستمر لا يمكنه التوقف عنه، لأن ارتفاع السعر في هذه الحالة يتحول من عبء مؤقت إلى تكلفة شهرية أو سنوية دائمة.
مرضى يواجهون صعوبة في العثور على العلاج
تكشف شهادات مواطنين عن جانب آخر من الأزمة، يتمثل في عدم توفر بعض الأدوية داخل الصيدليات، ما يدفع المرضى وأسرهم إلى البحث عنها في مدن أخرى أو محاولة الحصول عليها من الخارج.
ويروي أحد المواطنين أن زوجته كانت تعاني من السرطان، وأنه اضطر إلى البحث في عدد كبير من الصيدليات عن دواء محدد دون أن يتمكن من العثور عليه.
وبحسب روايته، كان سعر الدواء نفسه في أوروبا يبلغ نحو 184 يورو، بينما وصل السعر المطلوب في المغرب إلى قرابة 3 آلاف درهم، وهو ما اعتبره فارقا كبيرا يزيد من الأعباء المالية على الأسرة.
ولا تقتصر هذه المعاناة على مرضى السرطان، إذ يؤكد مواطنون أن أدوية الأمراض المزمنة، ومن بينها بعض العلاجات المستخدمة لمرضى الروماتيزم، يمكن أن تشكل عبئا مستمرا بسبب الحاجة إلى تناولها بانتظام.
نقص الدواء يضاعف معاناة المرضى
عندما لا يكون العلاج متوفرا داخل السوق المغربية، يجد المرضى أنفسهم أمام خيارات محدودة، من بينها طلب الدواء من الخارج والانتظار حتى وصوله.
وقد تستغرق عملية الحصول على بعض الأدوية من أوروبا أسبوعا أو أكثر، وهو ما يمثل مشكلة حقيقية بالنسبة إلى المرضى الذين يحتاجون إلى العلاج بصورة عاجلة أو لا يستطيعون تحمل انقطاعه.
ولهذا يرى المهنيون أن معالجة ملف أسعار الأدوية لا ينبغي أن تقتصر على خفض الأسعار، بل يجب أن تترافق مع سياسة تضمن استدامة الإنتاج وتوفر الأدوية وتحافظ على قدرة الصيدليات على الاستمرار.
وتبقى المعادلة الأكثر صعوبة أمام السلطات المغربية هي كيفية خفض تكلفة العلاج بالنسبة إلى المواطنين، خصوصا في الأدوية مرتفعة الثمن، من دون دفع الشركات إلى التخلي عن إنتاج الأصناف منخفضة السعر أو تحميل الصيدليات خسائر تهدد استمرارها.
ويؤكد المهنيون أن أي إصلاح فعّال لمنظومة الدواء يجب أن ينظر إلى السعر والتوفر والإنتاج والتغطية الصحية باعتبارها حلقات مترابطة، لأن خفض سعر الدواء لا يحقق هدفه إذا أدى في النهاية إلى اختفائه من الصيدليات.









