صحة

نظام الطيبات.. حين تتغلب العاطفة على التفكير العلمي

🔊استمع إلى المقالجاهز
0%
اضغط تشغيل لبدء قراءة المقال
استمع إلى المقال

أثار ما يُعرف بـ”نظام الطيبات”، الذي روّج له الطبيب ضياء العوضي، جدلا واسعا، ولا سيما بعد رحيله، حين ازدادت شعبية الحمية وارتفع عدد المتحمسين لها. وبينما تبدو في ظاهرها نظاما غذائيا بسيطا، فإنها أثارت في المقابل تحذيرات وتساؤلات طبية بشأن آثارها المحتملة، خصوصا لدى المصابين بأمراض مزمنة.

ولم يقتصر الجدل على قائمة الأطعمة المسموح بها والممنوعة، بل تحول لدى بعض أتباعها إلى قناعة راسخة يصعب إخضاعها للنقاش أو المراجعة. وهنا تتجاوز الحمية حدود فرضية غذائية قابلة للاختبار والنقد، لتصبح لدى البعض منظومة من المعتقدات التي يصعب زحزحتها حتى أمام الأدلة المخالفة.

ولا ترتبط هذه الظاهرة بمجتمع معين أو بثقافة بعينها، فالتاريخ الحديث والقديم مليء بأمثلة على انتشار علاجات وأنظمة غذائية وادعاءات طبية غير مثبتة في مجتمعات مختلفة حول العالم. ويظل الإنسان، بغض النظر عن مستوى تعليمه أو طبقته الاجتماعية، معرضا للانجذاب إلى الأفكار التي تخاطب مخاوفه وآماله، خاصة عندما يتعلق الأمر بالصحة والمرض والبقاء.

العاطفة قبل المنطق

لطالما نظر الإنسان إلى قدرته على التفكير العقلاني باعتبارها إحدى أبرز خصائصه، لكن تكوين المعتقدات لا يعتمد دائما على التحليل المنطقي وحده. ففي كثير من الحالات، تؤدي المشاعر والحدس والتجارب الشخصية والتأثير الاجتماعي دورا أساسيا في تشكيل قناعات الإنسان، قبل أن يأتي التفكير المنطقي لاحقا لتبريرها.

ويصبح هذا الأمر أكثر وضوحا عندما يتعلق الموضوع بالصحة، إذ يمكن للخوف من المرض والرغبة في الشفاء والحاجة إلى الشعور بالسيطرة أن تؤثر في طريقة استقبال المعلومات الطبية وتقييمها.

ويشير عالم الأعصاب مايكل شيرمر، في كتابه “الدماغ المصدق” الصادر عام 2011، إلى أن البشر يميلون إلى بناء المعتقدات اعتمادا على العاطفة والحدس والتأثير الاجتماعي، ثم البحث لاحقا عن تفسيرات منطقية تدعم تلك المعتقدات.

ويفسر شيرمر هذه الآلية من خلال ميل الدماغ إلى اكتشاف أنماط ذات معنى في الأحداث والمعلومات المتفرقة، ثم إسناد أسباب وغايات إليها. وبهذا المعنى، لا يعمل الدماغ دائما كآلة محايدة لمعالجة البيانات، بل يتأثر بشدة بالروايات التي تمنح الأحداث معنى وتفسيرا.

عندما يصبح الأمل أقوى من الدليل

تظهر هذه الآلية بصورة أكثر حدة عندما يواجه الإنسان مرضا خطيرا. فعند تشخيص شخص بالسرطان مثلا، قد تتحول عملية البحث عن العلاج إلى محاولة لاستعادة الشعور بالسيطرة والأمل، وهو ما يجعل الوعود بالشفاء السريع أو المعجزة أكثر جاذبية من البيانات العلمية المعقدة التي تتحدث عن نسب النجاح والمخاطر والاحتمالات.

وفي هذه الحالة، تتراجع أحيانا القدرة على التعامل النقدي مع المعلومات، وتظهر مجموعة من الانحيازات المعرفية التي تجعل بعض الادعاءات الطبية تبدو أكثر إقناعا مما تستحقه علميا.

ومن أبرز هذه الانحيازات “التحيز التأكيدي”، حيث يميل الشخص إلى البحث عن المعلومات التي تتفق مع اعتقاده المسبق، وتذكرها بصورة أكبر، بينما يتجاهل الأدلة التي تناقضه.

فإذا اقتنع شخص بأن نظاما غذائيا معينا قادر على علاج مرضه، فقد يركز على قصص الأشخاص الذين يقولون إنهم استفادوا منه، ويتجاهل الحالات التي لم تحقق النتائج نفسها أو تعرضت لمضاعفات. وقد يميل أيضا إلى تفسير النتائج غير الواضحة بطريقة تصب في مصلحة اعتقاده.

وهناك كذلك ما يعرف بـ”الاستدلال العاطفي”، حيث يصبح الشعور الذي تثيره الفكرة عاملا في الحكم على مدى صحتها. فإذا منحت فكرة معينة الشخص شعورا بالأمل والاطمئنان، فقد يبدو له أنها أكثر صحة وأمانا، بينما قد تبدو العلاجات الطبية التقليدية أقل جاذبية عندما ترتبط في ذهنه بالآثار الجانبية أو عدم اليقين أو احتمال عدم الشفاء.

قوة القصة الشخصية

يلعب “الاستدلال المتاح” دورا آخر في ترسيخ بعض المعتقدات الطبية، إذ يميل الإنسان إلى تقدير احتمال حدوث شيء بناء على سهولة استحضار أمثلة عنه.

ولهذا قد تكون قصة شخص يقول إنه تعافى من السرطان بعد اتباع نظام غذائي معين أكثر تأثيرا في ذهن البعض من نتائج تجربة سريرية واسعة تتضمن أرقاما وإحصاءات واحتمالات.

القصة الشخصية سهلة التذكر ومشحونة بالعاطفة، بينما تبدو البيانات العلمية أكثر تجريدا وأقل قدرة على إثارة المشاعر. لكن سهولة تذكر القصة أو تأثيرها النفسي لا يعني بالضرورة أنها تمثل دليلا علميا على فعالية العلاج.

وتزداد المشكلة عندما تتحول تجربة فردية إلى قاعدة عامة، خصوصا إذا لم تؤخذ في الاعتبار عوامل أخرى يمكن أن تفسر التحسن، مثل العلاج الطبي المصاحب، أو اختلاف طبيعة المرض، أو التباين الطبيعي في تطور الحالات.

لماذا تجذب الحلول الجذرية؟

ثمة انحياز آخر يدفع الإنسان إلى الاعتقاد بأن المشكلات الكبيرة تحتاج بالضرورة إلى حلول كبيرة ومثيرة. ولذلك قد تبدو فكرة تغيير النظام الغذائي بصورة جذرية أو اتباع ممارسة استثنائية أكثر إقناعا من علاج طبي تطور تدريجيا عبر عقود من البحث والتجارب.

ومن الناحية النفسية، تحمل الحلول الجذرية قصة أكثر وضوحا وإثارة: مرض خطير يواجهه علاج استثنائي اكتشفه شخص تحدى السائد. أما المنهج العلمي فيقوم غالبا على خطوات متدرجة، وتجارب متكررة، ونسب نجاح وفشل، وهو ما يجعله أقل إثارة على المستوى القصصي رغم أن ذلك لا ينتقص من قيمته العلمية.

وهنا تكمن إحدى أهم مشكلات الادعاءات الطبية غير المثبتة؛ فهي لا تنافس الأدلة العلمية على مستوى المعلومات فقط، بل تنافسها أيضا على مستوى المشاعر والقصص والأمل.

لذلك فإن التعامل النقدي مع الأنظمة الغذائية والعلاجات غير المثبتة لا يتطلب السخرية من المؤمنين بها، بقدر ما يحتاج إلى فهم الآليات النفسية التي تجعل بعض الأفكار شديدة المقاومة للنقد، والتمييز بين التجربة الشخصية والدليل العلمي، وبين القصة المؤثرة والنتيجة التي تثبتها الدراسات المنهجية.

وفي النهاية، تظل القاعدة الأهم في التعامل مع أي نظام غذائي أو علاج يدّعي الوقاية من الأمراض أو علاجها هي إخضاع هذه الادعاءات للأدلة الطبية الموثوقة، وعدم السماح لقوة القصة أو حجم الشعبية بأن تحل محل البرهان العلمي، خصوصا عندما يتعلق الأمر بأمراض مزمنة أو حالات تهدد حياة المرضى.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى