تكنولوجيا

محادثات الذكاء الاصطناعي.. متى تتحول الخصوصية إلى دليل أمام القضاء؟

🔊استمع إلى المقالجاهز
0%
اضغط تشغيل لبدء قراءة المقال
استمع إلى المقال

قد يبدو الحديث مع روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي مساحة خاصة يستطيع المستخدم من خلالها طرح الأسئلة والاعتراف بمخاوفه دون الخشية من أحكام الآخرين. لكن تحقيقا صحفيا أظهر أن هذه المحادثات قد تتحول إلى وثائق قابلة للاستخدام في القضايا القانونية والتحقيقات الجنائية عندما تصبح جزءا من نزاع أمام المحاكم.

وبحسب التحقيق، الذي استند إلى مراجعة سجلات عامة وتقارير محلية، ظهرت محادثات مع روبوتات الذكاء الاصطناعي أو إشارات إليها في 12 قضية خلال العامين الماضيين، ما يسلط الضوء على الجانب القانوني للبيانات التي يعتقد كثير من المستخدمين أنها تبقى بعيدة عن أعين الآخرين.

من محادثة شخصية إلى سجل قضائي

تتضح حساسية المسألة من قضية مراهق استخدم “تشات جي بي تي” لفهم حديث دار بينه وبين والده بشأن تسوية مالية محتملة. وفي وقت لاحق، ظهرت أجزاء من محادثاته مع روبوت الذكاء الاصطناعي ضمن السجلات العامة المرتبطة بدعوى قضائية رفعها ضد شركات تكنولوجية، بينها ميتا وسناب وتيك توك ويوتيوب.

واتهم المراهق هذه المنصات بالمساهمة في تعرضه لإدمان وسائل التواصل الاجتماعي وما ترتب عليه من مشكلات نفسية. وانتهت بعض الإجراءات القضائية المرتبطة بالقضية بتسويات أو إسقاط دعاوى، فيما أوضح محامو المراهق أن المحادثات مع “تشات جي بي تي” لم تكن مؤثرة في نتيجة القضية.

وتكشف هذه الحالة عن تحول محتمل في طبيعة البيانات التي يتركها المستخدمون أثناء تعاملهم مع أنظمة الذكاء الاصطناعي، إذ يمكن لمحادثة تبدو شخصية في لحظة إجرائها أن تظهر لاحقا ضمن وثائق قضية قانونية.

المحادثة تكشف أكثر من مجرد كلمات بحث

لا تقتصر أهمية هذه السجلات على الأسئلة التي يطرحها المستخدم، بل تمتد إلى الطريقة التي يشرح بها ظروفه ويفصل أفكاره ويتابع الحوار مع النموذج.

وبخلاف عمليات البحث التقليدية، قد تتضمن المحادثة مع روبوت الذكاء الاصطناعي تفاصيل عن الدوافع والمخاوف والظروف الشخصية، فضلا عن سلسلة من الأسئلة والأجوبة التي تكشف ما كان المستخدم يحاول فهمه أو الوصول إليه.

ويرى خبراء قانونيون وتقنيون أن هذا يجعل سجلات المحادثات مصدرا غنيا بالمعلومات بالنسبة إلى الجهات التي قد تحصل عليها بصورة قانونية، لأنها لا تعرض معلومة منفردة فحسب، وإنما قد تقدم صورة أوسع عن سياق تفكير المستخدم وموضوع اهتمامه.

عندما تصل المحادثات إلى الشرطة

لا تقتصر إمكانية وصول هذه البيانات إلى الجهات الرسمية على طلبات المحاكم، إذ يمكن أن تبادر شركات الذكاء الاصطناعي نفسها إلى إبلاغ أجهزة إنفاذ القانون في حالات محددة تتعلق بوجود مؤشرات على خطر وشيك.

ووفقا لوثائق قضائية أوردها التحقيق، أبلغت شركة “أوبن إيه آي” مكتب التحقيقات الفدرالي عن مستخدم في ولاية فلوريدا بعدما تحدث مرارا عبر “تشات جي بي تي” عن خطط للاعتداء على صديقته السابقة وقتلها.

وألقي القبض على الرجل لاحقا، وأقر بذنبه، وصدر بحقه حكم يتضمن الخضوع للمراقبة لمدة 8 سنوات.

وتقول “أوبن إيه آي” إنها تستخدم أنظمة لرصد مؤشرات الخطر، ثم تحيل الحالات التي تستدعي الاهتمام إلى مراجعين بشريين. وإذا خلص التقييم إلى وجود تهديد وشيك وذي مصداقية، يمكن إبلاغ السلطات المختصة.

هل تتمتع محادثات الذكاء الاصطناعي بالسرية القانونية؟

يثير هذا الاستخدام سؤالا أكثر تعقيدا حول الحدود الفاصلة بين حماية المستخدم وحق الجهات الرسمية في الوصول إلى البيانات.

وتشير المعطيات التي تناولها التحقيق إلى تزايد طلبات الجهات الحكومية وأجهزة إنفاذ القانون للحصول على بيانات مستخدمي “أوبن إيه آي”. وخلال النصف الثاني من عام 2025، كشفت الشركة بيانات مرتبطة بأكثر من 80 حسابا استجابة لهذه الطلبات، وهو عدد يزيد بأكثر من أربعة أضعاف عن الفترة المماثلة من العام السابق.

وتكمن إحدى أبرز الإشكالات في أن المحادثات مع روبوتات الذكاء الاصطناعي لا تتمتع حاليا، بصورة عامة، بالمستوى نفسه من الحماية القانونية المقررة لبعض أنواع الاتصالات المهنية السرية، مثل العلاقة بين المحامي وموكله أو الطبيب ومريضه.

وكان الرئيس التنفيذي لـ”أوبن إيه آي” سام ألتمان قد دعا إلى توفير حماية قانونية خاصة لهذا النوع من المحادثات، مستندا إلى طبيعة الأسئلة الحساسة التي يطرحها المستخدمون على روبوتات الذكاء الاصطناعي.

لكن التطورات القضائية تشير إلى أن هذه الحماية ليست قاعدة قانونية مستقرة حتى الآن. ففي إحدى القضايا في نيويورك، رفض قاض فدرالي التعامل مع محادثات مسؤول مالي مع نموذج “كلود” باعتبارها اتصالات سرية محمية على غرار مراسلات المحامي وموكله، لأن التفاعل جرى مع نموذج ذكاء اصطناعي وليس مع محام.

الخصوصية الرقمية أمام اختبار جديد

تطرح هذه الوقائع قضية أوسع من مجرد الاحتفاظ بسجل للمحادثات، إذ يتزايد اعتماد الناس على الذكاء الاصطناعي في مناقشة قضايا شخصية ومهنية وقانونية وصحية وغيرها من الموضوعات الحساسة.

ومع اتساع حضور هذه الأنظمة في الحياة اليومية، قد تصبح البيانات التي ينتجها المستخدم أثناء تفاعله معها جزءا من المواد التي يمكن أن تظهر في التحقيقات أو النزاعات القضائية، وفقا للظروف والإجراءات القانونية المعمول بها.

وهذا يعني أن التعامل مع روبوتات الدردشة على أنها مساحة خاصة تماما قد لا يكون افتراضا آمنا في جميع الحالات، خصوصا عندما تتضمن المحادثات معلومات شخصية أو تفاصيل يمكن أن تكون ذات صلة بتحقيق أو دعوى قضائية.

ومع استمرار تطور الذكاء الاصطناعي، يبدو أن السؤال حول خصوصية المحادثات لن يبقى تقنيا فقط، بل سيتحول بصورة متزايدة إلى قضية قانونية تتعلق بحدود حماية البيانات، وحقوق المستخدمين، وصلاحيات السلطات في الوصول إلى السجلات الرقمية.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى