صحة

الكبد.. عضو صامت يعمل بلا توقف وقد يدفع ثمن إهمالنا لسنوات

🔊استمع إلى المقالجاهز
0%
اضغط تشغيل لبدء قراءة المقال
استمع إلى المقال

تكشف الممارسة الطبية اليومية عن حالات كثيرة تبدأ بأعراض بسيطة، ثم يتبين لاحقا أن وراءها مشكلات كبدية تراكمت بصمت لسنوات. فقد يصل رجل في منتصف العمر إلى الطبيب بسبب إرهاق مستمر لا يتحسن بالنوم، لتكشف الفحوص وجود تراكم للدهون في الكبد نتيجة سنوات من النظام الغذائي غير المتوازن وقلة النشاط البدني والإفراط في المشروبات المحلاة.

وفي حالات أخرى، قد تكتشف امرأة ارتفاعا في إنزيمات الكبد بالمصادفة، قبل أن تقود الفحوص إلى تشخيص تليف مبكر كان من الممكن الحد من تطوره لو جرى اكتشاف عوامل الخطر والتعامل معها في وقت أبكر.

الكبد ليس مجرد عضو يؤدي وظيفة واحدة، بل منظومة حيوية معقدة تنفذ مئات العمليات الضرورية للحفاظ على توازن الجسم. فهو ينتج بروتين الألبومين الذي يساعد على تنظيم السوائل، ويصنع عوامل تخثر الدم، ويخزن الغلوكوز في صورة غلايكوجين ثم يطلقه عند الحاجة إلى الطاقة.

كما يشارك الكبد في تنظيم الدهون والكوليسترول، والتعامل مع الأدوية والهرمونات، وإنتاج العصارة الصفراوية اللازمة لهضم الدهون، إلى جانب أدواره المتعددة في دعم الجهاز المناعي.

ومن أبرز خصائص الكبد قدرته الكبيرة على تحمل الأذى لفترات طويلة دون ظهور أعراض واضحة. فقد تتراكم الدهون داخله، أو يستمر الالتهاب، أو تبدأ الأنسجة في تكوين ندبات، بينما يظل المريض غير مدرك لما يحدث.

ولهذا قد لا يصل بعض المرضى إلى الطبيب إلا بعد ظهور علامات مثل التعب المستمر، أو اصفرار الجلد والعينين، أو تورم البطن، أو مضاعفات أكثر خطورة مرتبطة بالمراحل المتقدمة من المرض.

الفحص المبكر أصبح أكثر أهمية

لم يعد التعامل الحديث مع أمراض الكبد قائما على انتظار ظهور الأعراض، بل أصبح التركيز على اكتشاف المرض وعوامله في وقت مبكر، خصوصا لدى الأشخاص الذين لديهم عوامل خطر مثل السمنة، والسكري، وارتفاع مستويات الدهون في الدم، وارتفاع ضغط الدم، أو تاريخ سابق للإصابة بالتهاب الكبد الفيروسي، إضافة إلى وجود تاريخ عائلي لبعض أمراض الكبد.

كما أن تأثير أمراض الكبد المتقدمة لا يقتصر على الكبد نفسه، فقد تمتد مضاعفاتها إلى أعضاء أخرى، فتؤثر في الدماغ وتسبب اضطرابات في التركيز والوعي، أو ترتبط بتراجع وظائف الكلى، وفقدان الكتلة العضلية، وارتفاع المخاطر المرتبطة بالقلب والأوعية الدموية.

وخلال السنوات الأخيرة، لم تعد الفيروسات الكبدية وحدها في مقدمة أسباب القلق الصحي، إذ برز مرض الكبد الدهني المرتبط بالاضطرابات الأيضية باعتباره من المشكلات الصحية واسعة الانتشار عالميا.

ويرتبط هذا المرض بعوامل مثل زيادة الوزن، وتراكم الدهون في منطقة البطن، وقلة النشاط البدني، واضطرابات النوم، والإكثار من الأطعمة فائقة التصنيع والمشروبات الغنية بالسكريات. ومع ذلك، فإن وجود وزن طبيعي لا يعني بالضرورة انعدام الخطر، إذ يمكن أن تظهر المشكلة لدى بعض الأشخاص الذين لا يعانون زيادة واضحة في الوزن.

كيف تبدأ دهون الكبد؟

تبدأ المشكلة عندما تتجاوز كمية الطاقة التي يحصل عليها الجسم احتياجاته وقدرته على استهلاكها. ومع استمرار فائض الطاقة، يتراكم جزء من الدهون في الكبد، فتظهر في البداية حالة من التدهن قد لا تسبب أعراضا واضحة.

لكن لدى بعض الأشخاص يمكن أن تتطور الحالة إلى التهاب دهني يؤثر في خلايا الكبد، ومع استمرار الضرر تبدأ عملية تكوين الندبات داخل النسيج.

ولا تمثل هذه الندبات مجرد أثر عابر، بل هي جزء من استجابة الجسم للإصابة المتكررة. فعندما تتعرض الخلايا الكبدية للضرر، تنشط الخلايا النجمية الموجودة في الكبد وتبدأ في إنتاج الكولاجين ومكونات أخرى تؤدي إلى تكوين النسيج الندبي.

ومع استمرار هذه العملية، تتراكم الندبات وتؤثر في بنية الكبد وتدفق الدم داخله، وقد يتطور الأمر تدريجيا إلى تليف متقدم ثم تشمع الكبد عندما تصبح التغيرات البنيوية واسعة النطاق.

نمط الحياة جزء أساسي من العلاج

لا يمثل تغيير نمط الحياة نصيحة عامة منفصلة عن العلاج، بل يمكن أن يكون أحد أهم التدخلات في مواجهة الكبد الدهني المرتبط بالاضطرابات الأيضية.

وقد يرتبط فقدان نحو 5% من وزن الجسم بانخفاض كمية الدهون المتراكمة في الكبد، بينما يمكن أن يرتبط فقدان 7% إلى 10% أو أكثر بتحسن مؤشرات الالتهاب والتليف لدى بعض المرضى، مع اختلاف النتائج من شخص إلى آخر بحسب حالته الصحية.

ولا يقتصر الأمر على خفض الوزن، فالنشاط البدني المنتظم يمكن أن يحسن طريقة تعامل الجسم مع الغلوكوز والأنسولين ويساعد على تقليل الدهون الموجودة في الكبد.

وتشمل الأنشطة المفيدة المشي السريع وركوب الدراجة والسباحة وغيرها من التمارين الهوائية، في حين تساعد تمارين المقاومة على الحفاظ على الكتلة العضلية وزيادتها. وتؤدي العضلات دورا مهما في التعامل مع الغلوكوز وتنظيم عملية الاستقلاب.

وتشير الأدلة الطبية إلى أن ممارسة الرياضة بصورة منتظمة قد تساعد في خفض دهون الكبد حتى عندما لا يكون فقدان الوزن كبيرا، ما يجعل النشاط البدني جزءا مهما من استراتيجية الوقاية والعلاج.

الغذاء ودوره في حماية الكبد

يمثل النظام الغذائي المتوازن أحد المحاور الأساسية للحفاظ على صحة الكبد، خصوصا مع الانتشار المتزايد للأنظمة الغذائية الغنية بالسكريات والدهون والأطعمة فائقة التصنيع.

وتبرز حمية البحر المتوسط ضمن الأنماط الغذائية التي حظيت باهتمام واسع في الدراسات السريرية، لاعتمادها على الخضراوات والفواكه والحبوب الكاملة والبقوليات والمكسرات ومصادر الدهون الصحية، مع الحد من الأغذية شديدة التصنيع والسكريات المضافة.

وفي السياق نفسه، تثار أحيانا نقاشات حول ما يعرف بالنظام الغذائي القلوي، الذي يركز على تناول كميات كبيرة من الخضراوات، بما فيها الخضراوات الورقية والصليبية مثل البروكلي والملفوف، إضافة إلى الفواكه والأطعمة الغنية بالألياف.

غير أن التعامل مع أي نظام غذائي ينبغي أن يستند إلى الأدلة الطبية المتاحة، لا إلى الادعاءات التي تنسب إليه قدرات علاجية تتجاوز ما أثبتته الدراسات.

وفي النهاية، تبقى صحة الكبد مرتبطة بمجموعة متداخلة من العوامل، من الوزن والنشاط البدني إلى نوعية الغذاء والأمراض المصاحبة. وبما أن أمراض الكبد قد تتطور لفترات طويلة دون أعراض واضحة، فإن اكتشاف عوامل الخطر وإجراء الفحوص المناسبة عند الحاجة قد يكونان أكثر فاعلية من انتظار ظهور العلامات المتقدمة.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى