ثقافة

لبدة الكبرى تستعيد نبضها الأثري.. حفريات جديدة تكشف أسرار «روما أفريقيا» في ليبيا

بعد سنوات طويلة من توقف العمل الميداني بسبب الأوضاع الأمنية، عادت فرق التنقيب الأثري إلى مدينة لبدة الكبرى على الساحل الليبي، في خطوة تعيد فتح واحد من أهم الملفات الأثرية في منطقة البحر المتوسط.

وتكشف أعمال الحفريات الجديدة أن المدينة الرومانية العريقة، التي ما زالت تحتفظ بجزء كبير من معالمها المعمارية، تخفي تحت الرمال مساحات واسعة لم تخضع بعد للدراسة والتنقيب، وهو ما يفتح الباب أمام اكتشافات جديدة قد تعيد رسم جوانب من تاريخها الممتد لقرون.

وتأتي عودة البعثة الأثرية الفرنسية إلى الموقع ضمن مسار تدريجي لاستعادة النشاط البحثي الدولي في ليبيا، بعد فترة طويلة من الجمود الميداني، مع تركيز خاص على المناطق التي يمكن أن تقدم معلومات جديدة عن الحياة اليومية والاقتصاد والعمران في المدينة القديمة.

لبدة الكبرى.. مدينة ازدهرت على ضفاف المتوسط

تقع لبدة الكبرى قرب مدينة الخمس على الساحل الليبي، وكانت واحدة من أبرز مدن إقليم تريبوليتانيا القديم. وتعود بداياتها إلى القرن السابع قبل الميلاد عندما تأسست كمركز تجاري فينيقي، قبل أن تدخل مراحل متعاقبة من التطور تحت الحكم الروماني والبيزنطي، ثم خلال الفترات الإسلامية اللاحقة.

وبلغت المدينة ذروة ازدهارها خلال عهد الإمبراطور الروماني سبتيميوس سيفيروس، الذي ينحدر منها، حيث شهدت في عهده طفرة عمرانية واسعة شملت إنشاء منشآت ضخمة، بينها المنتدى والبازيليكا والحمامات والميناء والمدرج والسيرك.

وأدى هذا التطور إلى تحول لبدة الكبرى إلى واحدة من أبرز المراكز الحضرية الرومانية خارج الأراضي الإيطالية، حتى أصبحت تعرف بين الباحثين باسم «روما أفريقيا».

ولا تقتصر أهمية الموقع على ما تركه العصر الروماني من مبانٍ وآثار، إذ تمثل طبقاته الأثرية سجلا متكاملا لمراحل متعددة من تاريخ المنطقة، بدءا من الحقبة الفينيقية مرورا بالعصر الروماني والبيزنطي وصولا إلى الفترات الإسلامية.

وأدرجت منظمة اليونسكو المدينة عام 1982 على قائمة التراث العالمي، باعتبارها نموذجا استثنائيا لمدينة رومانية متكاملة. لكن الظروف الأمنية التي شهدتها ليبيا دفعت اليونسكو عام 2016 إلى وضع الموقع ضمن قائمة التراث العالمي المهدد بالخطر.

وتعد لبدة الكبرى واحدة من خمسة مواقع ليبية مدرجة على قائمة التراث العالمي، إلى جانب قورينا وصبراتة ومواقع الفن الصخري في أكاكوس ومدينة غدامس القديمة.

عودة البعثة الفرنسية بعد سنوات من التوقف

لا تمثل استعادة الحفريات في لبدة الكبرى مجرد انطلاق موسم أثري جديد، بل تأتي ضمن برنامج أوسع لإعادة تنشيط التعاون الأثري الدولي في ليبيا.

وأوضح رئيس البعثة الأثرية الفرنسية في ليبيا البروفيسور فنسنت ميشيل أن عودة الفريق إلى لبدة الكبرى خلال عام 2026 تمثل استئنافا لعلاقة علمية وثقافية قديمة بدأت منذ تأسيس البعثة عام 1976.

وأشار إلى أن النشاط الميداني مر بمراحل تدريجية خلال السنوات الأخيرة، إذ استؤنفت الأعمال عام 2024 في أبولونيا، ثم امتدت إلى موقع إريثرون، قبل الوصول إلى لبدة الكبرى في 2026، مع خطط لمواصلة العمل خلال عام 2027 في مواقع أثرية أخرى، من بينها أبو تمسة ومدينة سرت.

ورغم توقف العمل الميداني خلال الفترة الممتدة بين 2012 و2024، لم ينقطع التعاون العلمي بين الباحثين الليبيين والفرنسيين، إذ استمرت برامج التدريب في فرنسا، خصوصا في مجالات علم الآثار الوقائي، وصيانة الفسيفساء، وإدارة المتاحف.

كما شاركت البعثة في جهود مرتبطة بإعادة تأهيل المتحف الوطني في طرابلس، بالتوازي مع أبحاثها في إقليم قورينائية، والتي أسفرت عن اكتشاف مسرح جديد في مدينة أبولونيا الأثرية.

الحمامات الشرقية تكشف وجها آخر للمدينة

تركز أعمال التنقيب الحالية في لبدة الكبرى على منطقة الحمامات الشرقية، التي يرى علماء الآثار أنها قد تقدم معلومات مهمة لفهم التطور العمراني والاقتصادي والاجتماعي للجزء الشرقي من المدينة.

ولا ينظر الباحثون إلى هذه الحمامات باعتبارها مجرد منشأة عامة، بل بوصفها نقطة يمكن من خلالها دراسة الحياة خارج الأسوار، وعلاقة الأحياء الشرقية بالميناء القديم والأنشطة الاقتصادية التي كانت تدور في محيطه.

وتكتسب المنطقة أهمية خاصة لأنها قد تساعد في إعادة تقييم النظريات السابقة بشأن تراجع المدينة بعد القرن الثالث الميلادي.

فبدلا من افتراض حدوث انهيار سريع ونهائي، تشير المعطيات الأولية إلى أن لبدة الكبرى ربما مرت بمرحلة طويلة من التحولات وإعادة استخدام المباني والمنشآت، بما يعكس قدرة سكانها على التكيف مع التغيرات السياسية والاقتصادية التي شهدتها المنطقة.

كما كانت الحمامات في المدن الرومانية أكثر من أماكن للاستحمام، إذ مثلت مراكز اجتماعية يلتقي فيها السكان من مختلف الفئات، ولذلك يمكن أن توفر آثارها معلومات واسعة عن العادات اليومية والعلاقات الاجتماعية والأنشطة الاقتصادية.

مدينة كاملة ما زالت مدفونة تحت الرمال

رغم ضخامة الآثار الظاهرة فوق سطح الأرض، يؤكد متخصصون أن الجزء المكتشف من لبدة الكبرى لا يمثل سوى نسبة محدودة من المدينة التاريخية.

ويرى الدكتور عمران الشريف، المتخصص في التاريخ القديم والرئيس السابق لقسم الآثار الكلاسيكية والحفريات بكلية الآثار والسياحة، أن مناطق واسعة من المدينة لا تزال بحاجة إلى عمليات تنقيب علمية دقيقة.

وتكتسب هذه الحفريات أهمية خاصة لأنها تستطيع تقديم أدلة مادية تساعد في إعادة بناء تاريخ لبدة خلال مراحلها الفينيقية والرومانية والبيزنطية والإسلامية، بدلا من الاعتماد على المصادر المكتوبة وحدها.

ومن المناطق التي تستحق مزيدا من البحث المنطقة المحيطة بقوس الإمبراطور تيبيريوس، حيث عثر الباحثون على أحد الشوارع المرتبطة بالقوس، في حين لا يزال الشارع المقابل مدفونا.

وتشير بعض الترجيحات إلى احتمال أن يكون القوس ذا تصميم رباعي الاتجاهات، على غرار قوس سبتيميوس سيفيروس، وهو ما يجعل المنطقة مرشحة للكشف عن عناصر عمرانية جديدة.

ولا تتوقف الاحتمالات عند هذا الحد، إذ يرجح الباحثون وجود معابد وساحات ومساكن ومنشآت أخرى لم تظهر بعد، وهو ما يعني أن أجزاء كبيرة من المدينة لا تزال تنتظر بعثات متخصصة وإمكانات علمية ولوجستية واسعة.

الريف المحيط يخفي بدوره كنوزا أثرية

لا تقتصر القيمة الأثرية على مركز لبدة الكبرى، فالمناطق الريفية المحيطة بالمدينة تمثل امتدادا مهما لفهم طبيعة المجتمع والاقتصاد في تلك الحقبة.

وأظهرت أعمال تنقيب أجرتها جامعة المرقب في المناطق المجاورة العثور على أرضيات فسيفسائية وأعمدة رخامية وعملات تعود إلى فترات تاريخية مختلفة.

وتقدم هذه المكتشفات مؤشرات على أن نفوذ المدينة لم يكن محصورا داخل حدودها العمرانية، بل امتد إلى المناطق الزراعية والريفية المحيطة بها، التي كانت على الأرجح جزءا من منظومة اقتصادية متكاملة.

كما تكشف بعض الآثار عن استمرار استخدام عناصر العمارة القديمة بعد انتهاء العصر الروماني، إذ أعيد توظيف أعمدة وتيجان رخامية من لبدة الكبرى في مبانٍ ومنشآت دينية وتاريخية لاحقة.

ويعكس ذلك جانبا مهما من تاريخ الموقع، يتمثل في استمرار حضور المدينة في الذاكرة العمرانية للسكان حتى بعد تغير الأنظمة السياسية والحضارات التي تعاقبت على المنطقة.

من التنقيب التقليدي إلى التوثيق الرقمي

لا تقتصر المهمة الحالية على اكتشاف المباني والقطع الأثرية، بل تتجه البعثات الحديثة إلى توثيق المواقع باستخدام تقنيات متقدمة تقلل من التدخل المباشر في الطبقات الأثرية.

ويؤكد البروفيسور فنسنت ميشيل أن مستقبل علم الآثار في ليبيا يحتاج إلى الاستثمار في الكفاءات المحلية، إلى جانب توسيع استخدام تقنيات التوثيق الرقمي والتصوير المساحي ثلاثي الأبعاد والتحليلات العلمية.

وتتيح هذه الأدوات إنشاء سجلات دقيقة للمباني واللقى والطبقات الأثرية، بما يساعد الباحثين على دراسة الموقع ومقارنته بغيره من المواقع دون الحاجة دائما إلى عمليات حفر واسعة.

كما يمكن للتوثيق الرقمي أن يؤدي دورا مهما في حماية الآثار من التلف والنهب، خصوصا في المواقع التي تعرضت خلال السنوات الماضية لمخاطر أمنية وبيئية متزايدة.

مدرسة ميدانية لتأهيل علماء الآثار الليبيين

ضمن الرؤية المستقبلية للعمل في الموقع، يبرز مقترح إنشاء مدرسة ميدانية في لبدة الكبرى، تكون مساحة لتدريب الباحثين والفنيين الليبيين على أحدث تقنيات التنقيب والحفظ والتوثيق.

ويمثل هذا التوجه أهمية كبيرة بالنسبة إلى مستقبل التراث الليبي، إذ إن حماية المواقع الأثرية لا تعتمد فقط على وجود بعثات أجنبية، وإنما تحتاج إلى كوادر محلية تمتلك الخبرة اللازمة لإدارة عمليات التنقيب والصيانة والتوثيق على المدى الطويل.

كما يمكن لمثل هذه المدرسة أن تربط بين البحث الأكاديمي والعمل الميداني، وتوفر للطلاب والباحثين فرصة للتعامل المباشر مع طبقات أثرية تعود إلى فترات تاريخية مختلفة.

وبذلك يتحول الموقع من مجرد مساحة للحفريات إلى مركز علمي يمكن أن يسهم في تطوير قطاع الآثار الليبي وتعزيز التعاون بين الجامعات والمؤسسات المختصة محليا ودوليا.

لبدة الكبرى.. تاريخ لم يقل كلمته الأخيرة

مع عودة فرق التنقيب إلى لبدة الكبرى، تستعيد المدينة القديمة جزءا من حضورها البحثي بعد سنوات من التوقف، فيما تبدو الرمال التي غطت أجزاء واسعة منها وكأنها تخفي فصولا جديدة من تاريخها.

فالمدينة التي ازدهرت في العصور الفينيقية والرومانية والبيزنطية والإسلامية لم تفقد قدرتها على مفاجأة الباحثين، وما يزال ما ظهر فوق الأرض أقل بكثير مما يمكن أن تكشفه الطبقات المدفونة تحتها.

وتؤكد عودة الحفريات أن قيمة ليبيا التاريخية لا ترتبط بمواردها الطبيعية وحدها، بل تمتد إلى إرث حضاري ضخم صنعته مدن مثل لبدة الكبرى، التي ما تزال قادرة على تقديم معلومات جديدة عن تاريخ البحر المتوسط والحضارات التي تعاقبت على شمال أفريقيا.

ومع استمرار أعمال التنقيب والتوثيق والحماية، قد تحمل المواسم المقبلة اكتشافات جديدة تعيد رسم صورة الحياة في «روما أفريقيا»، وتضيف صفحات أخرى إلى تاريخ مدينة ظلت قادرة، بعد قرابة ألفي عام، على إثارة فضول علماء الآثار.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى