ثقافة

ليبيا تكثف جهودها لاستعادة آثارها المنهوبة وحماية تراثها التاريخي

تواصل السلطات الليبية تنفيذ برامج مكثفة لاستعادة القطع الأثرية والوثائق التاريخية التي تعرضت للنهب والتهريب إلى الخارج خلال السنوات الماضية، بالتزامن مع أعمال ترميم وصيانة تستهدف المواقع الأثرية المدرجة على قائمة التراث العالمي المعرض للخطر، في مسعى للحفاظ على الهوية الثقافية وصون الإرث الحضاري للبلاد.

صبراتة تواجه تحديات الترميم والحفاظ على التراث

تُعد مدينة صبراتة الأثرية، الواقعة على الساحل الغربي لليبيا، واحدة من أبرز الشواهد على الحضارات التي تعاقبت على المنطقة، إذ بدأت كمستوطنة فينيقية ازدهرت كمركز تجاري قبل أن تتحول إلى إحدى أهم المدن التابعة للإمبراطورية الرومانية، ولا يزال مسرحها الروماني الشهير من أبرز معالمها التاريخية.

وخلال السنوات الماضية، تعرضت المدينة ومواقع أثرية ليبية أخرى لأضرار ناجمة عن الاضطرابات الأمنية وعمليات النهب، ما دفع منظمة اليونسكو إلى إدراج ستة مواقع أثرية ليبية ضمن قائمة التراث العالمي المهدد بالخطر.

وأكد مراقب آثار مدينة صبراتة محمد المنصوري أن رفع هذا التصنيف يتطلب مواصلة أعمال الترميم والصيانة وتنفيذ مشاريع ميدانية متخصصة، مشيرا إلى أن زحف مياه البحر بات يشكل خطرا متزايدا على البنية الأثرية للمدينة، الأمر الذي يستدعي تدخلات عاجلة للحفاظ على معالمها التاريخية.

المتحف الوطني يستعيد كنوزا أثرية من الخارج

وفي العاصمة طرابلس، يواصل المتحف الوطني أداء دوره في حفظ التراث الليبي، بعد إعادة افتتاحه عقب مشروع تطوير استمر سنوات، حيث يضم مقتنيات توثق مراحل مختلفة من تاريخ ليبيا، بدءا من عصور ما قبل التاريخ وصولا إلى حقبة المقاومة ضد الاستعمار الإيطالي.

وأكدت مديرة المتحف الوطني فتحية أحمد عبد الله أن ليبيا نجحت خلال الفترة الأخيرة في استعادة عدد من القطع الأثرية ذات القيمة التاريخية الكبيرة، من بينها تمثال نصفي للإلهة بيرسفوني أُعيد من الولايات المتحدة، إضافة إلى تمثال آخر للإلهة نفسها استُرجع من المملكة المتحدة.

وأوضحت أن عمليات استعادة الآثار المنهوبة تمر بإجراءات قانونية ودبلوماسية معقدة، تتطلب إثبات ملكية الدولة الليبية لهذه القطع أمام الجهات الدولية قبل إعادتها بصورة رسمية.

ملايين الوثائق تحفظ الذاكرة الوطنية

ولا تقتصر جهود حماية التراث الليبي على الآثار والمعالم التاريخية، بل تشمل أيضا الحفاظ على الوثائق والمخطوطات التي تؤرخ لمختلف مراحل تاريخ البلاد.

ويضم المركز الليبي للمحفوظات والدراسات التاريخية أرشيفا ضخما يحتوي على ملايين الوثائق والصور والتسجيلات التاريخية، التي توثق مختلف الحقب السياسية والاجتماعية والثقافية في ليبيا.

وأوضح مدير المركز محمد الجراري أن المؤسسة تمكنت، خلال العقود الماضية، من جمع نحو ثلاثة ملايين وثيقة من أرشيفات دول عدة، من بينها الأرشيفات الإيطالية والعثمانية والسنوسية والدانماركية، بهدف إنشاء قاعدة وثائقية متكاملة تحفظ الذاكرة الوطنية وتوفر مادة علمية للباحثين والمؤرخين.

جهود مستمرة لحماية الإرث الحضاري

وتعكس هذه المبادرات اهتماما متزايدا بالحفاظ على التراث الليبي، سواء عبر استعادة القطع الأثرية التي خرجت من البلاد بطرق غير مشروعة، أو من خلال حماية المواقع التاريخية وصيانتها، إضافة إلى توثيق الأرشيف الوطني وحفظه للأجيال القادمة.

ويرى مختصون أن نجاح هذه الجهود يسهم في تعزيز مكانة ليبيا الثقافية والحضارية، ويدعم مستقبلا قطاعي السياحة والبحث العلمي، إلى جانب الحفاظ على أحد أهم عناصر الهوية الوطنية المتمثل في الإرث التاريخي الممتد عبر آلاف السنين.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى