تحقيقات

حين تصبح البلدية بعيدة عن المواطن


في الدول التي تُبنى فيها الثقة على أساس القرب بين المواطن والإدارة، يفترض أن تكون البلدية أول فضاء يشعر فيه المواطن بالاحترام والإنصاف، وأن يكون العمدة، باعتباره ممثلًا منتخبًا، الأقرب إلى هموم الناس والأكثر انفتاحًا على قضاياهم اليومية. غير أن بعض التجارب الميدانية تكشف أحيانًا عن واقع مختلف، يثير تساؤلات جدية حول طبيعة العلاقة بين المنتخب المحلي ومن منحه ثقته.
ففي تجربة مواطن قصد إحدى بلديات نواكشوط لاستخراج شهادة سكن، وهي من أبسط الوثائق الإدارية المطلوبة لتوثيق تطبيق مصرفي، تحوّل إجراء يفترض أن يكون سريعًا وسلسًا إلى رحلة من الانتظار والتعقيد، بدأت بطلب تصوير الوثائق في مكان غير واضح المعالم، وانتهت عند باب مكتب عمدة يصعب الوصول إليه.
ورغم استكمال جميع الإجراءات المطلوبة، ظل المواطن لساعات في انتظار توقيع بسيط، وسط غياب للمسؤولين المعنيين، وتأخر غير مبرر في معالجة الطلب. وعندما حاول مقابلة العمدة مباشرة، وجد نفسه أمام حاجز أمني يمنعه من الدخول، في مشهد بدا أقرب إلى مؤسسة مغلقة منه إلى مكتب مسؤول منتخب يفترض أن يكون متاحًا لمواطنيه.
المفارقة أن حل المشكلة لم يتحقق عبر المسار الإداري الطبيعي، بل بفضل تدخل أحد المعارف الذي تمكن من إيصال الوثيقة إلى العمدة والحصول على التوقيع المطلوب. وهنا تبرز الإشكالية الأعمق: ماذا عن المواطن الذي لا يملك علاقات أو وساطة؟ وهل أصبحت بعض الخدمات العمومية تُنجز عبر المعرفة الشخصية بدلًا من المساطر القانونية الواضحة؟
هذه الواقعة، وإن بدت فردية، تعكس تحديًا أكبر يواجه الإدارة المحلية، يتعلق بمدى سهولة وصول المواطن إلى ممثليه المنتخبين، وبحجم الفجوة التي قد تنشأ بين الشعارات الانتخابية التي تعد بخدمة الناس، وبين واقع الأبواب المغلقة بعد الوصول إلى المنصب.
إن البلدية ليست مجرد مبنى إداري، بل هي واجهة الدولة الأقرب إلى المواطن، واختبار يومي لمدى احترام الإدارة لكرامته ووقته. والعمدة الناجح لا يُقاس فقط بما ينجزه من مشاريع، بل أيضًا بقدرته على إبقاء بابه مفتوحًا، وتعزيز شعور المواطن بأن صوته مسموع، وأن الوصول إلى المسؤول حق لا امتياز.
ويبقى السؤال المطروح: كيف يمكن إعادة بناء جسور الثقة بين المواطن والمنتخب المحلي؟ وهل يمكن تحقيق تنمية محلية حقيقية في ظل إدارة يشعر فيها المواطن بأن الطريق إلى مسؤوليه يمر عبر الوساطة بدلًا من حقه الطبيعي في الخدمة والإنصاف.

تماد اسلم أيديه / بتصرف

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى