فضاء الرأي

إلى قادة العرب والمسلمين: من ينقذ غزة من الموت تحت المطر؟ ثلاث سنوات من المأساة.. وأمة تكتفي بالمشاهدة

🔊استمع إلى المقالجاهز
0%
اضغط تشغيل لبدء قراءة المقال
استمع إلى المقال


لم تكن الأمطار التي هطلت على قطاع غزة في السابع من نوفمبر 2026 مجرد منخفض جوي عابر، ولم تكن المياه التي غمرت خيام النازحين حدثاً طبيعياً يمكن التعامل معه باعتباره تقلباً موسمياً عادياً؛ بل كانت مشهداً إضافياً من مشاهد المأساة الإنسانية التي يعيشها الفلسطينيون منذ أكثر من ثلاث سنوات، وكأن الموت قرر أن يلاحقهم بكل أشكاله: بالقصف حيناً، والجوع حيناً، والمرض حيناً آخر، واليوم بالمطر والبرد وانعدام المأوى.
مشهد الأطفال وهم يقاومون المياه داخل خيام مهترئة، والأمهات وهن يحاولن إنقاذ ما تبقى من أغطية وملابس، والآباء الذين يقفون عاجزين أمام عجزهم عن توفير سقف يحمي أبناءهم من البرد، ليس مجرد صورة إنسانية مؤلمة، بل شهادة جديدة على إخفاق الضمير العالمي، وعلى عجز النظامين العربي والإسلامي عن تحويل مواقفهما المعلنة إلى إجراءات تنقذ حياة شعب يتعرض لواحدة من أقسى المآسي الإنسانية في العصر الحديث.
لقد تضررت مئات الآلاف من الخيام، وتحدثت تقارير ميدانية عن خروج عشرات الآلاف منها عن الخدمة، فيما واجهت فرق الدفاع المدني آلاف نداءات الاستغاثة وسط نقص المعدات والإمكانات. وأكدت الأمم المتحدة أن المخزونات الإنسانية المتاحة غير كافية لمواجهة تداعيات المنخفض الجوي.
وهنا يفرض السؤال نفسه بإلحاح: أين قادة العرب والمسلمين؟ ومن يتحمل مسؤولية ترك أكثر من مليوني فلسطيني يواجهون الموت والبرد والنزوح بهذه الصورة؟
ثلاث سنوات من الألم.. وثلاث سنوات من العجز العربي والإسلامي
منذ السابع من أكتوبر 2023، يعيش قطاع غزة على وقع حرب مدمرة خلفت كارثة إنسانية غير مسبوقة، وأعادت تشكيل الحياة في القطاع على أنقاض المنازل والمدارس والمستشفيات والبنية التحتية.
ثلاث سنوات تقريباً، لم يتمكن خلالها المجتمع الدولي من توفير ضمانات حقيقية تكفل للفلسطينيين حياة آمنة وكريمة، ولم تنجح التحركات العربية والإسلامية في فرض مسار سياسي وإنساني يضع حداً لمعاناتهم.
لا يمكن إنكار أن دولاً عربية وإسلامية قدمت مساعدات إنسانية، وأن بعضها بذل جهوداً دبلوماسية وشارك في الوساطات والتحركات الدولية، لكن السؤال الذي ينبغي أن يواجه به القادة أنفسهم هو: هل كانت تلك الجهود بحجم الكارثة؟ وهل استُخدمت كل أوراق الضغط السياسية والاقتصادية والدبلوماسية المتاحة؟
إن إرسال شحنات غذائية، وتنظيم حملات تبرع، وإصدار بيانات التضامن، مهما كانت أهميتها، لا يعفي الحكومات من مسؤولية البحث عن حلول جذرية تمنع تكرار المأساة.
فالشعب الذي فقد منزله لا يحتاج إلى الغذاء وحده، بل يحتاج إلى استعادة منزله وأمنه وحقه في الحياة. والطفل الذي ينام تحت المطر لا تنقذه خطابات القمم، بل تنقذه خيمة صالحة، ودواء متاح، وغطاء دافئ، وممر إنساني مفتوح، وقرار سياسي يضع حداً لأسباب معاناته.
لماذا لم يتحرك العرب والمسلمون بما يكفي؟
ليس من الإنصاف اختزال الموقف العربي والإسلامي في سبب واحد، لكن من الصعب أيضاً تجاهل جملة من العوامل التي جعلت الاستجابة دون مستوى المسؤولية التاريخية والأخلاقية.
أولها الانقسام العربي والإسلامي وغياب استراتيجية موحدة، تجعل من القضية الفلسطينية أولوية تتجاوز الحسابات القطرية والخلافات السياسية.
وثانيها تغليب المصالح الاقتصادية والأمنية والعلاقات الدولية على مقتضيات الضغط السياسي، والخشية من الدخول في مواجهات دبلوماسية أو اقتصادية مع القوى الكبرى.
وثالثها ضعف الإرادة السياسية في الانتقال من بيانات الإدانة إلى إجراءات عملية، مثل استخدام أدوات الضغط التجاري والدبلوماسي، وتنسيق المواقف داخل المؤسسات الدولية، وفرض ضمانات واضحة لإدخال المساعدات وإعادة الإعمار.
ورابعها أن بعض الحكومات لا تزال تتعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها ملفاً سياسياً قابلاً للإدارة والتأجيل، لا قضية شعب يواجه تهديداً وجودياً ويطالب بحقه في أرضه وحريته واستقلاله.
لكن أياً كانت المبررات، فإنها لا تستطيع تبرير استمرار عجز الأمة عن توفير الحد الأدنى من الحماية لشعب يتعرض لهذه المأساة.
فالدول تقاس بمواقفها عندما تصبح المبادئ مكلفة، وليس عندما يكون التضامن مجرد كلمات لا تترتب عليها التزامات.
الغرب وأمريكا.. حين تصبح حقوق الإنسان انتقائية!
أما الغرب الذي طالما قدم نفسه للعالم بوصفه حارساً للحريات وحقوق الإنسان والديمقراطية، فقد كشفت الحرب على غزة عن فجوة عميقة بين الخطاب والممارسة.
كيف يمكن لدول تتحدث باستمرار عن الحق في الحياة، وكرامة الإنسان، وحماية المدنيين، أن تقف عاجزة عن ترجمة هذه المبادئ إلى ضغط فعال يضمن حماية المدنيين الفلسطينيين؟
وكيف يمكن أن تصبح حماية المدنيين مبدأً مقدساً في نزاعات، بينما تتحول في غزة إلى موضوع للمساومات السياسية والتبريرات الدبلوماسية؟
لقد لعب الدعم العسكري والسياسي الذي قدمته واشنطن لإسرائيل، إلى جانب الحماية الدبلوماسية التي وفرتها لها في محطات دولية عديدة، دوراً مهماً في إضعاف قدرة المجتمع الدولي على فرض كلفة سياسية حقيقية على الانتهاكات.
ولا يعني ذلك أن جميع الدول الغربية تتبنى الموقف نفسه؛ فقد ظهرت داخل المجتمعات الغربية وحكوماتها أصوات ومواقف معارضة للحرب، ومطالبات بوقف الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها. لكن المشكلة تكمن في التناقض بين المبادئ المعلنة والسياسات التي تتبعها بعض الحكومات عندما يتعلق الأمر بإسرائيل.
إن العدالة لا يمكن أن تكون انتقائية، وحقوق الإنسان لا ينبغي أن تتغير قيمتها بتغير هوية الضحية أو الجهة التي تقف وراء الانتهاك.
فإذا كان قتل المدنيين جريمة في مكان، فإنه جريمة في غزة أيضاً. وإذا كان تهجير السكان وانتهاك حقوقهم مداناً في أي نزاع آخر، فلا يجوز أن يصبح مقبولاً أو قابلاً للتبرير عندما يكون الضحايا فلسطينيين.
أين العدالة الدولية؟ وأين القانون الذي يتحدث عنه العالم؟
لقد أُنشئت المؤسسات الدولية لمنع تكرار المآسي الإنسانية الكبرى، ولضمان ألا تتحول القوة العسكرية إلى وسيلة لفرض الأمر الواقع، ولحماية الشعوب من الانتهاكات الجسيمة.
لكن مأساة غزة وضعت مصداقية هذه المؤسسات أمام اختبار تاريخي بالغ الصعوبة.
صحيح أن محكمة العدل الدولية أصدرت تدابير مؤقتة في القضية التي رفعتها جنوب أفريقيا ضد إسرائيل، وألزمت إسرائيل باتخاذ إجراءات لمنع الأفعال المحظورة بموجب اتفاقية منع الإبادة الجماعية وضمان وصول المساعدات الإنسانية.
كما أصدرت المحكمة الجنائية الدولية في نوفمبر 2024 مذكرتي توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف غالانت، على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بينها التجويع كأسلوب من أساليب الحرب.
وهذه قرارات قانونية مهمة، لكنها تطرح سؤالاً أكبر: ما قيمة الأحكام والقرارات الدولية إذا لم تجد طريقها إلى التنفيذ؟
إن العدالة لا تتحقق بمجرد إصدار الأحكام، وإنما بامتثال الدول لها، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وضمان عدم إفلات المتورطين من العقاب.
ولا يمكن بناء نظام دولي عادل بينما يشعر الضعفاء بأن القانون لا يحميهم، وأن ميزان العدالة يميل كلما تعارض تطبيقه مع مصالح الدول الكبرى.
إن استمرار هذه الفجوة يهدد ما تبقى من ثقة الشعوب في المؤسسات الدولية، ويعزز الاعتقاد بأن العالم لا يزال محكوماً بازدواجية المعايير، حيث تختلف قيمة الإنسان باختلاف جنسيته وموقعه السياسي.
الشعب الفلسطيني.. بطولة شعب يرفض الانكسار
وسط هذا المشهد القاتم، تبرز حقيقة لا يستطيع القصف ولا الحصار ولا النزوح طمسها: الشعب الفلسطيني لم يفقد إرادة الحياة، ولم يتخل عن حقه في أرضه وهويته وكرامته.
إن بطولة الفلسطينيين لا تكمن فقط في قدرتهم على الصمود أمام آلة الحرب، وإنما أيضاً في تمسكهم بالحياة رغم كل ما يتعرضون له من مآسٍ.
الأم التي تحاول حماية أطفالها من المطر داخل خيمة ممزقة، والأب الذي يبحث عن قطعة خبز وغطاء لأسرته، والطبيب الذي يواصل عمله في ظروف بالغة القسوة، والمعلم الذي يحاول إنقاذ ما تبقى من مستقبل الأطفال، جميعهم يقدمون صوراً حقيقية لمعنى الصمود الإنساني.
لقد اقتُلع الفلسطينيون من منازلهم، ودُمرت قراهم ومدنهم، وشُرد كثير منهم داخل وطنهم وخارجه، لكنهم لم يتخلوا عن حقهم المشروع في الحرية وتقرير المصير وإقامة دولتهم المستقلة.
وهنا ينبغي التمييز بوضوح بين حق الفلسطينيين في مقاومة الاحتلال وفق قواعد القانون الدولي، وبين وجوب حماية المدنيين ورفض استهدافهم أياً كانت الجهة التي ترتكب الانتهاك.
فلا يجوز أن يتحول ألم المدنيين إلى مبرر لاستهداف مدنيين آخرين، ولا أن تكون معاناة شعب بأكمله ثمناً لصراعات القوى السياسية والعسكرية.
إن الفلسطينيين لا يطلبون شفقة العالم، بل يطالبون بحقوقهم؛ لا يريدون أن يعيشوا إلى الأبد في معسكرات النزوح، ولا أن تتحول الخيام إلى عنوان دائم لحياتهم، وإنما يريدون وطناً آمناً، وبيوتاً تحمي أبناءهم، ومستقبلاً لا تحكمه الحروب والحصارات.
من المسؤول؟ ومن يستطيع أن يوقف هذه المأساة؟
المسؤولية هنا متعددة المستويات، ولا يجوز توزيعها بطريقة تعفي الفاعل الأساسي من مسؤولياته.
فإسرائيل، بوصفها القوة القائمة بالاحتلال، تتحمل المسؤولية القانونية عن التزاماتها تجاه السكان الواقعين تحت الاحتلال، وعن أفعال قواتها وسياساتها التي تخضع للمساءلة وفق القانون الدولي.
والقوى الدولية التي توفر الدعم العسكري والسياسي، أو تمتلك أدوات ضغط مؤثرة ولا تستخدمها بصورة كافية لمنع الانتهاكات، تتحمل مسؤولية سياسية وأخلاقية تستوجب المساءلة.
أما الدول العربية والإسلامية، فتتحمل مسؤولية سياسية وأخلاقية تتناسب مع حجم إمكاناتها ونفوذها ومكانتها، خصوصاً أنها تملك من الأدوات الدبلوماسية والاقتصادية والإنسانية ما يمكن أن يسهم في تخفيف معاناة الفلسطينيين وفرض احترام حقوقهم.
ولا يمكن إعفاء المجتمع الدولي ومؤسساته من مسؤولية الإخفاق في ضمان الحماية الفعلية للمدنيين، وتطبيق القرارات الدولية، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات.
إن المطلوب اليوم ليس قمة جديدة تنتهي ببيان تقليدي، ولا اجتماعاً آخر تتكرر فيه عبارات التضامن والاستنكار، وإنما تحرك عربي وإسلامي جاد يتضمن:
ممارسة ضغط سياسي ودبلوماسي منسق لضمان وقف الانتهاكات وحماية المدنيين.
ضمان فتح المعابر وإدخال المساعدات الإنسانية دون عوائق، بما فيها الخيام والبيوت الجاهزة والأدوية والوقود ومواد التدفئة.
تشكيل جسر إغاثي عربي وإسلامي مستمر، لا يرتبط بالمناسبات أو بتراجع الاهتمام الإعلامي.
استخدام الأدوات القانونية والدبلوماسية لملاحقة المسؤولين عن الانتهاكات وضمان تنفيذ القرارات الدولية.
إطلاق برنامج جاد لإعادة إعمار غزة، يضمن عودة النازحين إلى مناطقهم ومنازلهم، ويحمي حق الفلسطينيين في البقاء على أرضهم.
توحيد الموقف العربي والإسلامي حول تسوية عادلة تضمن للشعب الفلسطيني حقوقه الوطنية المشروعة.
كلمة أخيرة إلى قادة العرب والمسلمين
أيها القادة..
إن التاريخ لا يسجل فقط أسماء المنتصرين في الحروب، بل يسجل أيضاً مواقف الدول عندما كانت الشعوب تستغيث ولا تجد من ينقذها.
غزة اليوم لا تختبر ضمير الفلسطينيين وحدهم، بل تختبر ضمير الأمة العربية والإسلامية، كما تختبر مصداقية العالم الذي يدعي الدفاع عن الحرية والعدالة وحقوق الإنسان.
فأي معنى للتضامن الإسلامي والعربي إذا ظل طفل فلسطيني ينام تحت المطر، بينما تتبادل الحكومات الخطب والبيانات؟
وأي قيمة للقمم والاجتماعات إذا كانت لا تستطيع ضمان خيمة تحمي أماً وأطفالها من البرد؟
وأي مصداقية لخطاب حقوق الإنسان إذا كان حق الفلسطيني في الحياة والأمن والكرامة لا يجد الحماية التي يستحقها؟
ليس المطلوب من العرب والمسلمين إعلان الحرب، ولا الزج بشعوبهم في مغامرات عسكرية، وإنما المطلوب امتلاك إرادة سياسية حقيقية، وتوظيف أدوات الضغط المشروعة، وتحمل المسؤولية التاريخية والإنسانية تجاه شعب لا يطلب المستحيل.
وليس من المقبول أن تتحول مأساة غزة إلى خبر عابر في نشرات الأخبار، أو أن يصبح غرق الخيام مع كل منخفض جوي مشهداً مألوفاً لا يحرك ساكناً.
إن الفلسطيني الذي فقد بيته لا ينبغي أن يفقد حقه في وطن، والطفل الذي حرم من طفولته لا ينبغي أن يحرم أيضاً من الدفء والأمان، والأم التي نجت بأبنائها من القصف لا يجوز أن تُترك لمواجهة الموت تحت المطر.
غزة لا تحتاج إلى مزيد من الخطب، بل إلى مواقف. لا تحتاج إلى بيانات تضامن جديدة، بل إلى قرارات تنقذ الأرواح. ولا تحتاج إلى شفقة العالم، بل إلى عدالة تنصف أهلها وتنهي معاناتهم.
وسيظل السؤال الذي ينبغي أن يلاحق ضمائر القادة وصناع القرار:
إذا لم تتحرك الأمة لحماية أطفال غزة وهم يغرقون تحت المطر، فمتى تتحرك؟ وإذا لم تنتصر العدالة لهذا الشعب المظلوم، فأين يمكن أن يجد الضعفاء عدالة العالم؟
غزة ليست مجرد بقعة جغرافية محاصرة، إنها امتحان أخلاقي وتاريخي للإنسانية جمعاء.
والتاريخ، مهما طال الزمن، لن ينسى من وقف مع المظلوم، ولن ينسى أيضاً من امتلك القدرة على المساعدة واختار الاكتفاء بالمشاهدة.



محمد عبد الله محمدن

رئيس التحرير

ملاحظة: جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر الكاتب ولا تمثّل بالضرورة رأي الموقع أو إدارته.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى