لعنة غزة تطارد نتنياهو وترامب.. ارتدادات الحروب تهز عروش السياسة في واشنطن وتل أبيب

لم تعد تداعيات الحرب على غزة محصورة في ميادين القتال، ولا في مشاهد الدمار والمأساة الإنسانية التي خلفتها، بل امتدت لتضرب عمق المشهد السياسي في الولايات المتحدة وإسرائيل، حيث باتت كلفة الحروب ومغامرات التصعيد عاملاً مؤثراً في توجهات الناخبين، ومصدراً متزايداً للضغط على القيادات التي راهنت على القوة العسكرية حساباً لموازين السياسة والاستقرار.
وفي قراءة لمآلات الانتخابات الأمريكية والإسرائيلية، تبدو «لعنة غزة» عنواناً سياسياً لمرحلة تتسع فيها دائرة المحاسبة الشعبية، بعدما انعكست الحروب المتلاحقة على الأوضاع الاقتصادية والمعيشية للأمريكيين، وعلى الأمن والاستقرار داخل إسرائيل، لتتحول من قضية إقليمية إلى عبء سياسي يلاحق صناع القرار وحلفاءهم.
ترامب.. فاتورة الحروب عند صناديق الاقتراع
في الولايات المتحدة، واجه دونالد ترامب ارتدادات خياراته الخارجية، خصوصاً في الشرق الأوسط، بعدما اصطدمت مغامراته العسكرية بتطلعات قطاع من الناخبين الذين أوصلوه إلى البيت الأبيض تحت شعار «أمريكا أولاً»، وإنهاء الحروب بدلاً من التورط في صراعات جديدة.
ولم تكن تداعيات المواجهات الإقليمية بعيدة عن الحسابات الانتخابية؛ فقد أثقلت تكاليفها الاقتصاد، ورفعت الضغوط على أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد، في وقت وجد فيه المواطن الأمريكي نفسه أمام فاتورة معيشية متصاعدة، فيما كانت المنطقة تقف على حافة مواجهة واسعة قد تتجاوز حدودها الجغرافية.
كما أسهم الخطاب السياسي المتوتر والانقسامي لإدارة ترامب، إلى جانب القضايا الاجتماعية والاقتصادية الداخلية، في تعميق حالة الاستياء، حتى داخل قطاعات من القاعدة الجمهورية التقليدية.
وهكذا تحولت الحروب التي راهنت عليها الإدارة إلى عبء انتخابي، وأصبحت تداعيات غزة وما تلاها من مواجهات إقليمية جزءاً من معادلة سياسية يصعب على واشنطن تجاهلها.
نتنياهو.. انتصارات عسكرية بلا رصيد سياسي
أما في إسرائيل، فتبدو الصورة أكثر تعقيداً؛ إذ لم تعد مكانة بنيامين نتنياهو السياسية محصنة أمام تداعيات حروبه الطويلة، ولا أمام تآكل الثقة الشعبية في قدرته على توفير الأمن والاستقرار.
فقد ترك استمرار المواجهات العسكرية آثاراً ثقيلة على الاقتصاد والمجتمع، وأبقى مئات الآلاف من جنود الاحتياط بعيداً عن أعمالهم وحياتهم الطبيعية لفترات طويلة، فضلاً عن تعاظم الشعور بانعدام الأمن لدى قطاعات واسعة من الإسرائيليين.
وبينما يسعى نتنياهو إلى الاحتفاظ بالسلطة وإعادة تشكيل التحالفات السياسية بما يضمن استمرار حكمه، تتزايد الضغوط على معسكره، وتبرز فرص جديدة أمام المعارضة، في ظل احتمالات إعادة ترتيب المشهد الحزبي وتشكيل ائتلافات بديلة.
ولم تعد القضية بالنسبة إلى خصومه مجرد منافسة انتخابية، بل أصبحت مواجهة مع مشروع سياسي يربط بقاءه في السلطة باستمرار الأزمات والتوترات.
الهزيمة الانتخابية لا تعني نهاية الخطر
ورغم ما تحمله النتائج الانتخابية من رسائل سياسية واضحة، فإن تراجع نفوذ ترامب أو اهتزاز موقع نتنياهو لا يعني بالضرورة أن المنطقة دخلت مرحلة آمنة، أو أن احتمالات الحرب قد تراجعت بصورة نهائية.
فقد تدفع الهزائم الداخلية بعض القيادات إلى البحث عن انتصارات خارجية تعيد ترميم صورتها السياسية، وتمنحها فرصة للهروب من الضغوط الداخلية.
وفي هذا السياق، يظل احتمال لجوء ترامب إلى تصعيد عسكري جديد قائماً، مستفيداً من الصلاحيات الواسعة التي يمنحها النظام الرئاسي الأمريكي للرئيس في إدارة العمليات العسكرية، حتى في ظل القيود الدستورية المتعلقة بإعلان الحرب.
أما نتنياهو، فقد يجد في التصعيد الإقليمي وسيلة لإرباك خصومه السياسيين، وتعطيل فرص تشكيل حكومة بديلة، وإعادة فرض نفسه لاعباً لا يمكن تجاوزه في معادلة الحكم الإسرائيلي.
وتزداد خطورة هذا الاحتمال إذا نجح في استمالة واشنطن نحو مواجهة جديدة مع إيران، بما يحمله ذلك من تداعيات على أمن الخليج والملاحة الدولية واستقرار المنطقة بأسرها.
المنطقة أمام مرحلة مفتوحة على الاحتمالات
إن الرهان على نتائج صناديق الاقتراع وحدها لتغيير السياسات الأمريكية والإسرائيلية يظل رهاناً محفوفاً بالمخاطر؛ فالفوارق بين القوى المتنافسة، رغم أهميتها، لا تعني بالضرورة حدوث تحول جذري في الاستراتيجيات الكبرى تجاه فلسطين والمنطقة.
لقد عرفت غزة وفلسطين والمنطقة عموماً تداعيات السياسات الأمريكية في ظل الإدارات الديمقراطية والجمهورية، كما أن تغير الحكومات في إسرائيل لا يضمن تلقائياً نهاية النهج العدواني أو الانتقال إلى مقاربة سياسية أكثر إنصافاً للحقوق الفلسطينية.
ومع ذلك، فإن التحولات المتراكمة في الرأي العام الأمريكي والإسرائيلي قد تفتح، على المديين المتوسط والبعيد، المجال أمام مراجعات سياسية أعمق، وتفرض على النخب الحاكمة إعادة النظر في سياساتها، خصوصاً مع اتساع الفجوة بين كلفة الحروب وتطلعات المجتمعات إلى الأمن والاستقرار.
غزة.. من مأساة إنسانية إلى زلزال سياسي
لقد تجاوزت غزة حدود الجغرافيا، وتحولت مأساتها إلى قضية ذات ارتدادات سياسية وانتخابية تتردد أصداؤها في واشنطن وتل أبيب، وتكشف أن الحروب، مهما امتلك أصحاب القرار من أدوات القوة، لا تظل محصورة في ساحات المواجهة، بل قد ترتد على صانعيها وتعيد رسم موازين النفوذ والشرعية.
وبينما يحق للفلسطينيين وشعوب المنطقة أن يروا في تراجع حلفاء الحرب مؤشراً على بداية تحول طال انتظاره، فإن الطريق نحو تغيير حقيقي لا يزال طويلاً، ولا تكفيه هزيمة انتخابية أو تبدل في الوجوه السياسية.
فالمعركة الأعمق تظل معركة تغيير السياسات التي جعلت من الحرب خياراً متكرراً، ومن أمن المنطقة واستقرار شعوبها رهينة لحسابات السلطة والنفوذ.
إن لعنة غزة، بهذا المعنى، ليست مجرد عنوان لمقال سياسي، بل تعبير عن حقيقة استراتيجية: أن الحروب قد تحقق مكاسب عسكرية مؤقتة، لكنها لا تمنح أصحابها حصانة دائمة من المحاسبة السياسية والتاريخية.
.









