اسنيم وخام الحديد.. متى تتحول الثروة المعدنية إلى صناعة وطنية؟

بقلم: محمد عبد الله محمدن
تمثل الشركة الوطنية للصناعة والمناجم «سنيم» أحد أهم أعمدة الاقتصاد الموريتاني، ورافعة أساسية لموارد الدولة من العملة الصعبة، وواحدة من أبرز المؤسسات الوطنية التي راكمت خبرة طويلة في مجال استخراج خام الحديد وتسويقه.
ومنذ انطلاق عملياتها في شمال البلاد، ظلت الشركة تؤدي دورًا محوريًا في النشاط الاقتصادي، مستفيدة من الثروات المعدنية الهائلة التي تزخر بها منطقة تيرس الزمور، ومن شبكة السكك الحديدية التي تربط مواقع الإنتاج بميناء التصدير في نواذيبو.
غير أن مرور نحو خمسة عقود على استغلال هذه الثروة يطرح سؤالًا اقتصاديًا جوهريًا: هل نجحنا في تحويل الحديد الموريتاني إلى قاعدة صناعية وطنية، أم اكتفينا بتطوير قدراتنا على استخراج الخام ونقله إلى الخارج؟
إن الإجابة عن هذا السؤال تكتسب أهمية متزايدة في ظل استمرار التوسع في مناطق الإنتاج، وتوقيع اتفاقيات جديدة مع شركات دولية لاستغلال مكامن إضافية من خام الحديد، في وقت لا تزال فيه موريتانيا تصدر الجزء الأكبر من إنتاجها في صورته الخام، لتتولى دول أخرى تحويله إلى منتجات صناعية ذات قيمة اقتصادية أعلى.
من اقتصاد الإستخراج إلى اقتصاد التصنيع
لا تكمن المشكلة في استخراج الثروات المعدنية أو في التعاون مع المستثمرين الدوليين، فهذه أنشطة ضرورية لتوفير الموارد وتحريك الاقتصاد، وإنما تكمن في غياب التوازن بين التوسع في استخراج المواد الأولية والتقدم في بناء صناعات وطنية قادرة على تحويلها إلى منتجات نهائية أو وسيطة.
فخام الحديد الذي يغادر ميناء نواذيبو لا يحمل معه مجرد مادة معدنية، بل يحمل أيضًا فرصًا صناعية كان بإمكان الاقتصاد الموريتاني الاستفادة منها، من خلال إنشاء مصانع للتركيز والمعالجة، وإنتاج المكورات الحديدية، ثم التدرج نحو صناعة الحديد المختزل والصلب.
وبينما تحقق موريتانيا عائدات من بيع الخام، تحقق الدول المستوردة عوائد إضافية من تحويله إلى منتجات تدخل في البناء والتشييد والصناعات الثقيلة، وتوفر من خلال ذلك فرص عمل واسعة، وتراكم خبرات تقنية، وتوسع قاعدتها الإنتاجية.
وهنا تبرز المفارقة: بلد يمتلك المادة الأولية، لكنه يظل مستوردًا لجزء كبير من المنتجات الصناعية التي يمكن أن تُصنع انطلاقًا من ثروته المعدنية.
الإتفاقيات الجديدة.. فرصة أم استمرار للنمط القديم؟
إن الاتفاقيات التي تبرمها سنيم مع الشركات الدولية، ومن بينها الاتفاقية المتعلقة بنقل خام الحديد المستخرج من منطقة آسكاف عبر شبكة السكك الحديدية الوطنية، يمكن أن تمثل فرصة لتعزيز الإنتاج وتنويع الإيرادات وتحسين استغلال البنية التحتية.
لكن الأهمية الاقتصادية الحقيقية لهذه الاتفاقيات ينبغي ألا تقاس فقط بحجم الإنتاج المتوقع أو عدد الأطنان التي ستنقل إلى الميناء، بل بمدى مساهمتها في بناء اقتصاد وطني أكثر تنوعًا.
فإذا كانت الاتفاقيات تفضي إلى زيادة استخراج الخام وتصديره دون التزامات واضحة بشأن التصنيع المحلي، ونقل التكنولوجيا، وتكوين الكفاءات الوطنية، فإنها قد تعزز نمطًا اقتصاديًا يعتمد على تصدير الموارد الطبيعية، بدل أن تؤسس لتحول صناعي مستدام.
أما إذا جرى توظيفها ضمن رؤية وطنية متكاملة، فإنها يمكن أن تصبح مدخلًا لتطوير الصناعات المعدنية، وتوسيع قاعدة الإنتاج، وخلق فرص عمل نوعية.
ما الطريقة الأنجع لتعظيم عائدات الحديد الموريتاني؟
إن الخيار الأكثر واقعية لا يتمثل في وقف تصدير خام الحديد أو مطالبة سنيم بتحويل إنتاجها بالكامل إلى منتجات صناعية دفعة واحدة، وإنما في اعتماد استراتيجية تدريجية تجمع بين استمرار التعدين وتطوير التصنيع المحلي.
أولًا: إنشاء صناعة وطنية لمعالجة خام الحديد
ينبغي أن تتجه الدولة، بالتعاون مع سنيم والمستثمرين، إلى إنشاء وحدات صناعية لمعالجة الخام ورفع تركيزه وإنتاج المكورات الحديدية، باعتبارها مراحل تمهيدية يمكن أن تهيئ الظروف للانتقال إلى صناعات أكثر تعقيدًا.
ويجب أن تستند هذه المشاريع إلى دراسات فنية واقتصادية دقيقة، تحدد نوعية الخام، وتكاليف الطاقة والنقل، والأسواق المستهدفة، والقدرة التنافسية للمنتجات الموريتانية.
ثانيًا: الآنتقال التدريجي إلى إنتاج الحديد المختزل والصلب
تمتلك موريتانيا فرصة للاستفادة من مواردها المعدنية وموقعها الجغرافي في بناء صناعة حديد وصلب موجهة للسوق المحلية والإقليمية.
ويمكن أن يشكل إنتاج الحديد المختزل المباشر، باستخدام الغاز الطبيعي أو الهيدروجين الأخضر مستقبلًا، أحد المسارات الواعدة، خصوصًا مع تطور مشاريع الطاقة المتجددة والهيدروجين في البلاد.
غير أن هذا التوجه يتطلب توفير طاقة تنافسية ومستقرة، وبنية تحتية صناعية متكاملة، وأسواقًا قادرة على استيعاب الإنتاج.
ثالثًا: ربط الاتفاقيات التعدينية بأهداف التصنيع الوطني
من الضروري أن تتضمن الاتفاقيات الجديدة مع الشركات الدولية بنودًا واضحة تشجع على إنشاء وحدات للمعالجة والتحويل داخل موريتانيا، وفق آجال زمنية واقعية.
كما ينبغي أن تشمل هذه الاتفاقيات برامج لتكوين العمالة الوطنية، ونقل الخبرات الفنية، وتطوير المؤسسات المحلية التي يمكنها تقديم الخدمات الصناعية واللوجستية للمشاريع التعدينية.
فالمطلوب ليس مجرد استقطاب المستثمر، بل ضمان أن يترك الاستثمار أثرًا اقتصاديًا يتجاوز حدود المنجم وميناء التصدير.
رابعًا: تحويل منطقة تيرس الزمور إلى قطب صناعي معدني
بدل أن تظل ازويرات ومحيطها مجرد مناطق لاستخراج الحديد، يمكن العمل على تطويرها لتصبح مركزًا للصناعات المعدنية والخدمات المرتبطة بها.
ويتطلب ذلك إنشاء مناطق صناعية مجهزة بالطاقة والمياه والبنية التحتية، وتوفير حوافز للاستثمار في المعالجة والتصنيع، وربط المشاريع الجديدة بشبكة السكك الحديدية والميناء.
ومن شأن هذا التوجه أن يخلق فرص عمل مستدامة، ويعزز النشاط الاقتصادي المحلي، ويحد من اعتماد المنطقة على الوظائف المرتبطة بالاستخراج وحده.
خامسًا: توظيف عائدات التعدين في بناء اقتصاد منتج
لا ينبغي أن تقتصر الفائدة من توسع الإنتاج المعدني على زيادة الإيرادات المالية للدولة، بل يجب أن تتحول هذه الإيرادات إلى استثمارات في الطاقة، والتعليم الفني، والبنية التحتية الصناعية، والبحث والتطوير.
فالثروة المعدنية مورد قابل للنضوب، بينما الصناعة والمعرفة والمهارات الوطنية أصول يمكن أن تستمر في إنتاج القيمة حتى بعد تراجع الموارد الطبيعية.
سنيم.. من شركة استخراج إلى رافعة للتصنيع
إن سنيم، بما تمتلكه من خبرة فنية وبنية تحتية وموارد بشرية، مؤهلة للقيام بدور أكبر من مجرد استخراج خام الحديد ونقله إلى الأسواق الدولية.
ويمكن أن تكون شريكًا رئيسيًا في تأسيس مشاريع صناعية وطنية، أو الدخول في شراكات مع مستثمرين متخصصين في المعالجة والتحويل، بما يسمح لها بتنويع أنشطتها وتعزيز مكانتها في سلسلة القيمة المعدنية.
كما أن تطوير الصناعات التحويلية لا يعني التخلي عن التصدير، بل يعني تحسين نوعية ما تصدره موريتانيا، وزيادة القيمة الاقتصادية لكل طن من الحديد المستخرج من أرضها.
الخلاصة: الثروة ليست فيما نستخرج، بل فيما نبنيه بها
بعد عقود طويلة من استخراج الحديد وتصديره، لم يعد كافيًا أن تقاس نجاحات القطاع المعدني بارتفاع الإنتاج أو توسع مناطق الاستغلال أو زيادة عدد الاتفاقيات الموقعة مع الشركات الأجنبية.
المعيار الحقيقي للنجاح هو مقدار ما تستطيع موريتانيا تحويله من هذه الثروة إلى صناعة وطنية، وفرص عمل مستدامة، وخبرات تقنية، وقاعدة إنتاجية قادرة على تنويع الاقتصاد.
إن استمرار استخراج الحديد وتصديره في صورته الخام قد يحقق عائدات مهمة، لكنه لا يضمن وحده انتقال موريتانيا إلى اقتصاد صناعي متطور.
ولذلك، فإن المرحلة المقبلة ينبغي أن تكون مرحلة الانتقال من اقتصاد تصدير المعادن إلى اقتصاد تصنيعها، ومن بيع الثروة في صورتها الأولية إلى بناء قيمة مضافة داخل الوطن.
فليس المطلوب أن تتوقف سنيم عن استخراج الحديد، وإنما أن يصبح كل توسع جديد في الإنتاج خطوة نحو تأسيس صناعة وطنية، لا مجرد زيادة في الأطنان التي تغادر الموانئ.
إن السؤال الذي ينبغي أن يرافق كل اتفاقية تعدين جديدة هو: كم طنًا سنستخرج؟ وكم فرصة عمل سنخلق؟ والأهم من ذلك، كم قيمة اقتصادية سنحتفظ بها داخل موريتانيا؟









