حريق محطتي الكهرباء بنواكشوط.. هل تكفي الإقالات لطيّ ملف المسؤولية؟

أعاد نشر التحقيق المتعلق بالحريق الذي أتلف محطتي الكهرباء في نواكشوط الشمالية ونواكشوط الغربية فتح النقاش حول مسؤولية الجهات المعنية عن هذه الكارثة، ومدى كفاية الإجراءات المتخذة لمحاسبة المتسببين فيها، وضمان عدم تكرار مثل هذه الحوادث التي تلحق أضرارًا جسيمة بالمرافق الحيوية للبلاد.
وقد عكست القرارات التي اتخذها رئيس الجمهورية، والمتعلقة بإقالة المسؤولين المعنيين وسحب الثقة منهم، توجهًا نحو تحميل المسؤولية للمقصرين، وتوجيه رسالة واضحة إلى كل من يتهاون في أداء واجباته أو يعبث بالمال العام، خصوصًا في القطاعات الحيوية التي ترتبط خدماتها بصورة مباشرة بحياة المواطنين ومسار التنمية الوطنية.
غير أن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هو: هل تمثل إقالة المسؤولين المعنيين إجراءً كافيًا لإغلاق هذا الملف، أم أن خطورة الحادث تستدعي توسيع دائرة المساءلة، وصولًا إلى محاسبة دقيقة تكشف ملابسات ما جرى، وتحدد المسؤوليات الإدارية والفنية والمالية، وتوضح أوجه التقصير التي أدت إلى وقوع الكارثة وتداعياتها؟
إن خطورة ما حدث تقتضي، إذا أثبتت التحقيقات وجود إهمال أو تجاوزات، ألا تقتصر الإجراءات على الإعفاء من المناصب، بل أن تمتد إلى اتخاذ العقوبات الإدارية والقانونية المناسبة، وفقًا لما تسفر عنه التحقيقات. فالمرافق العمومية ليست مجالًا للتهاون، والمال العام ليس مباحًا للتصرف غير المسؤول، كما أن اقتناء المعدات غير المطابقة للمواصفات، إن ثبت وقوعه، يمثل إخلالًا خطيرًا بالمسؤولية ويهدد سلامة البنية التحتية واستمرارية الخدمات الأساسية.
ومن شأن تطبيق مبدأ المحاسبة، بعيدًا عن الانتقائية أو التساهل، أن يبعث برسالة رادعة إلى كل من تسوّل له نفسه الإخلال بواجباته أو التلاعب بالإمكانات العمومية، وأن يرسخ قناعة مفادها أن تولي المسؤولية تكليف يترتب عليه الالتزام والمساءلة، وليس امتيازًا يحمي صاحبه من تبعات التقصير.
وعلى العموم، تبدو الرسالة السياسية والإدارية من هذه القرارات واضحة: لا يمكن التساهل مع الفساد أو التهاون في حماية المصالح العليا للبلاد. غير أن ترجمة هذه الرسالة إلى واقع ملموس تظل رهينة باستمرار الرقابة، وتعزيز الشفافية، وتفعيل آليات المحاسبة، وضمان عدم إفلات أي مسؤول تثبت مسؤوليته من العقاب المناسب.
وفي بلد يتطلع إلى تسريع وتيرة التنمية ومواكبة التحولات الاقتصادية والتكنولوجية، تكتسي حماية قطاع الطاقة أهمية استراتيجية، باعتباره أحد الأعمدة الأساسية للنشاط الاقتصادي والاستثمار وتحسين الخدمات العمومية.
لذلك، فإن المعالجة الحقيقية لتداعيات حريق محطتي الكهرباء لا ينبغي أن تتوقف عند حدود الإقالات، بل يجب أن تشكل نقطة انطلاق لإصلاح الاختلالات، وتشديد الرقابة على الصفقات والمشتريات العمومية، وضمان جودة المعدات والتجهيزات، وترسيخ ثقافة المسؤولية والمحاسبة.
فبناء دولة قوية وقادرة على تحقيق التنمية يبدأ بحماية مواردها، وصيانة مؤسساتها، والتصدي الحازم لكل أشكال الفساد والتقصير التي تهدد حاضرها ومستقبلها .









