ثقافة

ماكس فيبر والإسلام.. حين يتخلى عالم الاجتماع عن منهجه التفهمي

🔊استمع إلى المقالجاهز
0%
اضغط تشغيل لبدء قراءة المقال
استمع إلى المقال

يكشف كتاب برايان س. تيرنر «ماكس فيبر والإسلام: مقاربة نقدية»، الذي ترجمته إلى التركية قبل سنوات طويلة، عن واحدة من أبرز المفارقات في علم الاجتماع عند ماكس فيبر، أحد رواد منهج «علم الاجتماع التفهمي» الذي أحدث تحولا كبيرا في علم الاجتماع الحديث. فقد رأى فيبر أن فهم الفعل الاجتماعي يقتضي الانطلاق من المعاني التي يضفيها الناس بأنفسهم على سلوكهم.

لكن فيبر، عندما تناول الإسلام، ابتعد إلى حد بعيد عن هذا المنهج؛ فلم ينطلق من الطريقة التي يفهم بها المسلمون عالمهم، بل استند إلى تصورات وقوالب ظل الغرب ينتجها عن الإسلام على مدى قرون.

تكمن أصالة منهج فيبر في رفضه اختزال الواقع الاجتماعي في مجموعة من الأسباب الخارجية، وإصراره على ضرورة الدخول أولا إلى عالم الفاعل الاجتماعي وفهم معاني سلوكه. فعندما درس السلوك الاقتصادي لدى البروتستانت المسيحيين، أخذ على محمل الجد معتقداتهم المتعلقة بالقَدَر والخلاص والمهنة والنجاح في الحياة الدنيا.

ولم يتعامل مع البروتستانتية باعتبارها مجرد انعكاس للمصالح الطبقية أو الظروف الاقتصادية، بل سعى إلى فهم الكيفية التي يسهم بها الاعتقاد الديني في تشكيل سلوك الإنسان. كما حاول، في دراساته عن الهند والصين واليهودية القديمة، النفاذ إلى العوالم المفهومية الخاصة بهذه الأديان.

ومن هنا يطرح تيرنر سؤالا جوهريا في كتابه: لماذا لم يتعامل فيبر مع المسلمين بالسخاء المنهجي نفسه؟

يصور فيبر الإسلام، إلى حد كبير، باعتباره «دين المحاربين». ووفقا لتفسيره، أعادت مصالح المحاربين العرب تشكيل رسالة النبوة التوحيدية التي ظهرت في مكة.

وفي تفسير انتشار الإسلام، تتراجع معاني الإيمان والأخلاق والسعي إلى العدالة وتأسيس أمة جديدة، لتحل محلها دوافع الغنيمة والفتح ومصالح الطبقات المحاربة. وبهذا التصور، تُستبعد المعاني التي يضفيها المسلمون أنفسهم على أفعالهم، ويضع عالم الاجتماع مكانها أسبابا مادية يحددها من الخارج.

الاستشراق والسرديات الغربية عن الإسلام

الأهم من ذلك أن صورة الإسلام في كتابات فيبر تحمل آثار السجالات المسيحية في العصور الوسطى، إلى جانب تأثيرات الاستشراق في القرن التاسع عشر. فالخطاب الدفاعي القديم الذي زعم أن الإسلام انتشر بالعنف والشهوة والخداع يعود في تحليلات فيبر ضمن قالب من المصطلحات السوسيولوجية.

وكما يوضح تيرنر، يقترب فيبر في تفسيراته للإسلام، على نحو لافت، من النموذج التفسيري الحتمي الذي ارتبط بماركس. ففي تصويره للمجتمعات الإسلامية، تتكرر مفاهيم مثل «أخلاق المحاربين»، والدولة الأبوية الإرثية أو الباتريمونيالية، والحكم الاعتباطي، وغياب القانون العقلاني، وعدم نشوء المدن المستقلة. وينتهي هذا التصور إلى أن المجتمع الإسلامي لم يمتلك القدرة على إنتاج الرأسمالية أو البرجوازية المدينية أو العقلانية القانونية.

لكن هذا السرد لم يبدأ مع فيبر. فالشرق عند هيغل فضاء لم تتطور فيه الحرية، ولا يتمتع بها سوى الحاكم. أما مفهوم «نمط الإنتاج الآسيوي» عند ماركس، فيضع الدولة في موقع المالك الفعلي للأرض، ويصور القرى الآسيوية باعتبارها كيانات منغلقة وراكدة تعيد إنتاج الاستبداد.

وعلى الرغم من اختلاف المعجم السوسيولوجي الذي استخدمه فيبر، فإن مفهومه عن «الدولة الأبوية الإرثية الشرقية» يواصل هذا السرد إلى حد بعيد. وكما يبين تيرنر، فإن صورة المجتمع الإسلامي في أعمال فيبر تتشابه مع آراء ماركس وإنجلز بشأن المجتمعات الآسيوية أكثر مما يُعتقد عادة.

وتتضح آثار هذه الخلفيات أيضا في وصف فيبر للمجتمع الإسلامي. فهو يرى أن النساء عُدِدن غنائم للمحاربين، وأن الآخرة في التصور الإسلامي صُورت بوصفها جنة حسية للجندي، وأن الميل إلى الترف والمظاهر أعاق نشوء تراكم اقتصادي عقلاني. كما ينظر إلى التصوف باعتباره تدينا جماهيريا عاطفيا لا ينتج أخلاقا دنيوية للمهنة والعمل.

ويرى تيرنر أن هذه الفقرات توحي بوجود «خصومة شخصية ونفور» أكثر مما تعكس حيادا علميا، بحسب ما يورده في كتابه «ماكس فيبر والإسلام» (ص 241-244).

التنوع الاجتماعي والاقتصادي في التاريخ الإسلامي

غير أن التاريخ الإسلامي لا يمكن اختزاله في هذا السرد الأحادي. فالإسلام لم يكن دين المحاربين وحدهم، بل كان أيضا دين التجار الحضريين والحرفيين والفقهاء والمتصوفة والفلاحين، فضلا عن فئات اجتماعية أخرى شديدة التنوع.

وقد خرجت قيادة المجتمع الإسلامي الأول من الوسط التجاري في مكة، كما تزخر لغة القرآن بمفاهيم البيع والدَّين والكسب والميزان والأمانة والعقد.

ويلفت تيرنر الانتباه إلى أوجه تشابه مهمة بين كتاب «الكسب» لمحمد بن الحسن الشيباني والعمل الذي كتبه ريتشارد ستيل حول أخلاق المهنة البروتستانتية. فالعمل والكسب عند الشيباني ليسا مجرد نشاطين مباحين، بل يمكن أن يتحولا، في ظروف معينة، إلى واجب ديني. ويكشف هذا المثال مدى الانتقائية في تصوير الإسلام باعتباره نقيضا للسلوك الرأسمالي.

ويظهر معيار مزدوج مشابه في تناول فيبر للقانون الإسلامي. فقد اتخذ من مفهوم «عدالة القاضي» رمزا لقضاء غير منضبط، يخضع للأحكام الشخصية والاعتباطية، ورأى أن الغموض القانوني الناجم عن ذلك أعاق تطور الرأسمالية.

لكنه يقر في الوقت نفسه بأن القانون الإنجليزي لم يكن بدوره قانونا عقلانيا منظما من الناحية الشكلية. وإذا كان القانون الذي يصنعه القضاة في إنجلترا لم يمنع تطور الرأسمالية، فلماذا يُعامل التعدد القانوني في المجتمعات الإسلامية باعتباره سببا حتميا للتخلف الاقتصادي؟

إشكالية فهم القانون والسلطة في المجتمعات الإسلامية

يشير تيرنر كذلك إلى أن فيبر لم يستوعب بما يكفي الفروق بين الفقهاء والقضاة، ولا المواقف المعارضة التي اتخذها العلماء أحيانا في مواجهة السلطة السياسية، ولا الدور الذي أدته الشريعة في التعبير عن استقلالية سكان المدن في مواجهة الحكم المطلق.

وهنا تتجلى المشكلة المنهجية الأساسية. فعندما يفسر فيبر معتقدات المسلمين، لا ينطلق من المفاهيم التي يستخدمونها هم للتعبير عن إيمانهم، كما لا يمنح ما يكفي من الاهتمام للتمييزات التي يقيمها القرآن بين المؤمنين والمنافقين والأعراب والمهاجرين والأنصار، أو لاختلاف مستويات الالتزام الديني.

وبدلا من محاولة فهم أسباب انتماء المسلمين إلى الإسلام انطلاقا من أقوالهم وشهاداتهم، يفترض أنهم اعتنقوه جميعا بدافع المصلحة المادية والغنيمة. وهكذا يتخلى عن المبدأ الأساسي لعلم الاجتماع التفهمي، المتمثل في الدخول إلى العالم الذاتي للفاعل الاجتماعي، ويُخضع المسلمين لتفسير أُنتج خارج عالمهم وتجاربهم.

وتزداد هذه المسألة أهمية عند مقارنتها بمنهج البيروني؛ إذ تبدو مقاربته أكثر وفاء لمبادئ علم الاجتماع التفهمي التي دافع عنها فيبر نظريا. فبينما يظهر فيبر، في دراساته عن بعض الأديان الأخرى، بوصفه أحد مؤسسي علم الاجتماع الحديث، يبدو في تناوله للإسلام أقرب إلى أحكام موروثة عن هيغل وماركس ومستشرقي القرن التاسع عشر.

ومن هنا يبرز احتمال تأثر فيبر بالبيروني، وربما استفادته من بعض أفكاره المنهجية من دون الإشارة إليه. وقد طُرح هذا الاحتمال سابقا، لا باعتباره حكما قاطعا بوقوع الانتحال، بل بوصفه سؤالا بحثيا جديا يستحق المزيد من الدراسة.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى