الحرب تعيد رسم طرق الإمداد في تعز وتدفع أسعار السلع إلى الارتفاع

تعيش الأسواق في مدينة تعز اليمنية تحت ضغوط متزايدة مع استمرار الاضطرابات وقطع طريق المخا، الذي كان يمثل أحد المسارات الرئيسية لوصول السلع إلى المحافظة. ومع اضطرار التجار إلى استخدام طرق بديلة أطول وأكثر صعوبة، ارتفعت تكاليف النقل والشحن، وانعكس ذلك بصورة مباشرة على أسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية.
وفي أحد أسواق تعز، يتابع التاجر أحمد محمد سعدون أسعار الأرز والدقيق والزيت وغيرها من المواد التي تأثرت تكاليفها بتغير طرق الإمداد. ويقول إن تداعيات الحرب لم تقتصر على الجانب الاقتصادي، بل امتدت إلى الحياة اليومية للسكان، في ظل تراجع الدخل وتصاعد المخاوف من اتساع رقعة القتال.
وأوضح سعدون أن محدودية الموارد المالية دفعت كثيرا من المواطنين إلى تقليص الإنفاق والاحتفاظ بما لديهم من أموال تحسبا لأي تطورات جديدة، مشيرا إلى أن تراجع فرص العمل وانخفاض المداخيل جعلا الظروف المعيشية أكثر صعوبة.
وأضاف أن تجدد القتال انعكس أيضا على حياة الأسر، موضحا أنه أصبح يشعر بالقلق عندما يرسل ابنه إلى المدرسة بسبب القذائف التي تصل من مناطق الستين والحوبان، وما تسببه من حالة خوف وقلق بين السكان، ولا سيما الأطفال.
أسعار الخضراوات تتضاعف بسبب قطع الطرق
وأوضح سعدون أن تأثير اضطراب طرق الإمداد يظهر بوضوح في أسعار السلع الغذائية، مستشهدا بسعر البصل الذي ارتفع إلى نحو 2500 ريال للكيلوغرام، بعدما كان في حدود 500 ريال قبل قطع طريق المخا وتعز، ثم ارتفع لاحقا إلى نحو ألف ريال.
وأشار إلى أن البصل كان يصل إلى أسواق تعز من مناطق المخا والبرح، لكن تغير طرق النقل أدى إلى زيادة تكاليف وصوله، وهو ما انعكس على السعر الذي يدفعه المستهلك.
ويرى التاجر أن استمرار هذه الأوضاع يفاقم معاناة السكان، داعيا إلى فتح الطرق أمام حركة البضائع والمواطنين، باعتبار ذلك خطوة ضرورية لتخفيف الضغوط الاقتصادية والمعيشية التي تراكمت بفعل سنوات الحرب.
إمدادات تعز تواجه صعوبات متزايدة
من جانبه، قال المدير العام لمكتب الصناعة والتجارة في تعز عبد الرحمن القليعة إن الحرب تركت آثارا واسعة على الأوضاع الاقتصادية والمعيشية في المحافظة، إلى جانب ما نتج عنها من نزوح أعداد كبيرة من السكان.
وأوضح أن تعز تواجه منذ سنوات ظروفا أمنية وحصارا أثرا في حركة وصول المواد التموينية والاستهلاكية، خصوصا أن خطوط الإمداد تمر بالقرب من مناطق التماس.
وأشار القليعة إلى أن الطرق البديلة تتميز بطول المسافة وصعوبة التضاريس وارتفاع مستوى المخاطر، الأمر الذي يؤدي إلى زيادة تكلفة نقل البضائع، كما يتسبب في تراجع الكميات المتاحة وارتفاع احتمالات نفاد بعض السلع من الأسواق.
وأضاف أن مكتب الصناعة والتجارة اتخذ استعدادات للتعامل مع خصوصية الوضع في المحافظة، إلا أن استمرار الحرب والاضطرابات الأمنية يحدان من قدرة الجهات المعنية على ضمان تدفق الإمدادات بصورة مستقرة.
وقدر عدد النازحين داخل محافظة تعز بنحو 50 ألف شخص قادمين من مناطق الجبهات، وهو ما يزيد الضغط على الأسواق والخدمات، ويرفع الطلب على المواد الأساسية في وقت يعاني فيه المعروض من الاضطراب.
كما أشار إلى أن الكثافة السكانية المرتفعة في تعز تتطلب توفير مخزونات كبيرة من المواد الغذائية والحبوب، لكن ظروف الحرب حالت دون بناء مخزون استراتيجي كاف، في ظل محدودية منشآت التخزين الكبيرة المخصصة للغلال والحبوب.
الطرق الوعرة تزيد أعباء النقل
وأوضح القليعة أن ميناء المخا كان يشكل مصدرا رئيسيا لإمداد تعز بالعديد من الاحتياجات، وكان قربه من المحافظة يساعد على وصول السلع بتكاليف أقل مقارنة بالمسارات الحالية.
وكان الطريق الساحلي يسمح للشاحنات الكبيرة بنقل كميات ضخمة من البضائع خلال رحلات منتظمة، لكن تغير الوضع دفع التجار إلى الاعتماد على طرق بديلة أكثر صعوبة.
ومع استخدام طرق ضيقة ووعرة وخطرة، أصبحت بعض وسائل النقل أصغر حجما وأقل قدرة على حمل البضائع، ما يعني زيادة عدد الرحلات وارتفاع التكلفة الإجمالية للنقل، وهي أعباء تنتقل في النهاية إلى أسعار السلع في الأسواق.
وتتزامن هذه الزيادة في تكاليف النقل مع تراجع القدرة الشرائية للمواطنين، ما يجعل ارتفاع الأسعار أكثر تأثيرا على الأسر التي تعاني أصلا من انخفاض الدخل وتراجع فرص العمل.
الشحن والتأمين يضيفان أعباء جديدة
ولم تقتصر الزيادة في التكاليف على النقل البري، إذ تحدث القليعة عن ارتفاع كبير في رسوم الشحن والتأمين المرتبطة بحركة التجارة، نتيجة المخاطر التي تحيط بالممرات الملاحية واضطراب حركة الملاحة في البحر الأحمر.
وأوضح أن ارتفاع مستوى المخاطر أدى إلى زيادة تكاليف شركات النقل والشحن، كما أثر في حركة السفن وتدفق المواد، وهو ما ينعكس على التكلفة النهائية للسلع قبل وصولها إلى الأسواق المحلية.
وأضاف أن الظروف الحالية دفعت عددا من كبار المستوردين إلى تقليص نشاطهم أو التوقف عن التوسع في عمليات الاستيراد، بينما اختار بعض التجار نقل أنشطتهم التجارية إلى مناطق ودول أخرى بحثا عن ظروف أكثر استقرارا.
وأشار القليعة إلى أن الزيادات في تكاليف الشحن والنقل تجاوزت في بعض الحالات المعدلات المعتادة بفارق كبير، موضحا أن بعض المسارات التجارية شهدت ارتفاعات قد تصل إلى 1000% مقارنة بمستويات ما قبل الحرب، نتيجة المخاطر التي أصبحت تحيط بالنقل والتجارة والملاحة.
وبينما تستمر هذه الضغوط، يبقى استقرار حركة الإمداد مرتبطا بتحسن الوضع الأمني وفتح الطرق الرئيسية، بما يسمح بعودة حركة البضائع إلى مسارات أكثر سهولة وأقل تكلفة، ويمنح الأسواق فرصة لاستعادة قدرتها على توفير الاحتياجات الأساسية للسكان.









