إيران بعد 6 أشهر من الحرب.. تحولات عميقة في السياسة والاقتصاد والمجتمع

دخلت إيران مرحلة جديدة بعد مرور 6 أشهر على اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية، بعدما فرضت المواجهات العسكرية والضغوط الاقتصادية المتواصلة تغييرات واسعة على طريقة إدارة الدولة وقراراتها السياسية، فضلا عن تأثيرها المباشر في الاقتصاد والمجتمع والقدرات العسكرية.
وخلال هذه الفترة، مرت البلاد بثلاث جولات عسكرية خلال نحو عام، بدأت بحرب استمرت 12 يوما، ثم حرب رمضان، وصولا إلى ما بات يعرف داخل إيران بحرب “هرمز”، التي استهدفت مناطق في جنوب البلاد. ومع توقف العمليات العسكرية المباشرة وتحول المواجهة إلى حصار بحري وعقوبات اقتصادية، وجدت طهران نفسها أمام وضع يمكن وصفه بأنه “لا حرب ولا سلام”.
وأصبحت السيطرة على مضيق هرمز إحدى أهم أوراق القوة التي تحاول إيران الاحتفاظ بها، في وقت يرى فيه مراقبون أن الضغوط العسكرية والاقتصادية كشفت نقاط ضعف في منظومة الدولة، ودفعت القيادة الإيرانية إلى مراجعة عدد من السياسات التي كانت تبدو ثابتة لسنوات.
المشهد السياسي الإيراني بعد الحرب
كان اغتيال المرشد الإيراني السابق علي خامنئي وعدد من كبار القادة العسكريين والسياسيين خلال الحرب نقطة تحول رئيسية في المشهد الداخلي، إذ تركت الضربات تأثيرا مباشرا في بنية القيادة وآليات اتخاذ القرار.
ويقول الأكاديمي بجامعة طهران محسن جليلوند إن الساحة السياسية الإيرانية شهدت خلال الأشهر الستة الماضية تغيرات كبيرة، معتبرا أن استهداف القيادة العليا في بداية الحرب أدى إلى تغيير سياسات الدولة بصورة جذرية.
ويرى جليلوند أن أحد أبرز التحولات يتعلق بطريقة صناعة القرار، إذ كانت القرارات قبل الحرب أكثر مركزية، وكان المرشد السابق يظهر بصورة مباشرة للحديث عن الملفات الداخلية والخارجية.
أما في المرحلة الحالية، فإن غياب المرشد الجديد آية الله مجتبى خامنئي عن الظهور العلني لأسباب أمنية، وعدم توجيهه رسائل صوتية أو مرئية إلى الإيرانيين، يعكسان واقعا سياسيا وأمنيا جديدا داخل البلاد.
ولا يقتصر التغيير على آليات اتخاذ القرار، بل امتد إلى بعض الملفات الاجتماعية الداخلية، إذ ظهرت مؤشرات على تراجع السلطات عن التشدد السابق في ملف الحجاب، بالتزامن مع توجه نحو تعزيز الانسجام الوطني.
ويفسر مراقبون ذلك برغبة القيادة في تجنب فتح جبهة داخلية جديدة، خصوصا بعد الاحتجاجات التي شهدتها البلاد خلال السنوات الماضية، وفي ظل استمرار الضغوط الخارجية.
مراجعة العقيدة السياسية والعسكرية
أجبرت الحرب إيران على إعادة النظر في عدد من التصورات التي شكلت جزءا من عقيدتها السياسية والعسكرية خلال العقود الماضية.
ويشير جليلوند إلى أن الإيرانيين اكتشفوا خلال المواجهة أن بعض الأوراق التي كانوا يعتبرونها قوية لم تحقق النتائج المتوقعة، ومن بينها الرهان على إغلاق مضيق هرمز لإلحاق أضرار كبيرة بالاقتصاد الأميركي.
وبحسب رؤيته، فإن إغلاق المضيق تسبب أيضا في تداعيات اقتصادية سلبية على إيران نفسها، نتيجة اعتماد البلاد الكبير على التجارة البحرية وتدفقات الصادرات والواردات.
كما أدت الحرب إلى تغيير النظرة تجاه المفاوضات مع الولايات المتحدة، بعدما كانت فكرة التفاوض مع واشنطن تواجه رفضا سياسيا وأيديولوجيا قويا داخل قطاعات واسعة من النظام.
وتشير هذه التحولات إلى أن الحرب لم تكن مواجهة عسكرية فحسب، وإنما شكلت اختبارا حقيقيا للمفاهيم التي اعتمدت عليها إيران في إدارة أمنها القومي وسياساتها الخارجية.
كما كشفت المواجهات عن محدودية بعض القدرات العسكرية التي كانت طهران تراهن عليها، خاصة في المجالين الجوي والبحري، وهو ما قد يدفعها مستقبلا إلى إعادة ترتيب أولويات الإنفاق العسكري وتطوير منظومات الدفاع والهجوم.
اقتصاد تحت ضغط الحصار البحري
كان الاقتصاد الإيراني من أكثر القطاعات تضررا خلال الأشهر الستة الماضية، خصوصا أن جزءا كبيرا من حركة التجارة الخارجية يعتمد على الموانئ والممرات البحرية.
ويصف الخبير الاقتصادي سعيد ليلاز الوضع الاقتصادي في بلاده بأنه غير مسبوق، مشيرا إلى أن الحصار البحري تسبب في تعطيل سلاسل الصادرات والواردات وأثر في عدد من الموانئ الرئيسية في جنوب البلاد.
وشملت التداعيات موانئ مثل عبادان وخرمشهر وماهشهر، إضافة إلى بندرعباس، بينما تعرض نشاط ميناء جابهار أيضا لضغوط كبيرة.
وأدى اضطراب حركة التجارة إلى انخفاض الإيرادات وارتفاع معدلات التضخم، في وقت تعرضت فيه قطاعات صناعية وإنتاجية لخسائر كبيرة.
ووفقا لتقديرات ليلاز، دمرت الحرب نحو 20 ألف وحدة سكنية، بينما تضررت قرابة 1300 وحدة صناعية، وهو ما انعكس على سوق العمل وأدى إلى ارتفاع معدلات البطالة.
أضرار واسعة في قطاع الطاقة
لم تقتصر الخسائر على المنشآت المدنية والصناعية، إذ تعرضت قطاعات الطاقة الإيرانية لضربات أثرت في قدرتها الإنتاجية.
ويشير ليلاز إلى أن الضربات العسكرية أدت إلى تدمير نحو ربع القدرة الإنتاجية للغاز، وثلث القدرة الإنتاجية لصناعة الفولاذ، ونحو ثلث طاقة البتروكيماويات.
وتكتسب هذه الخسائر أهمية خاصة بالنسبة إلى الاقتصاد الإيراني، لأن الغاز والبتروكيماويات والصلب تمثل قطاعات رئيسية في الإنتاج والتصدير، كما أن أي انخفاض في إنتاج الطاقة يزيد من الاختلالات التي يعاني منها الاقتصاد أصلا.
وتواجه إيران منذ سنوات أزمة مرتبطة بتوفير الطاقة، ولذلك فإن تضرر منشآت الإنتاج خلال الحرب يزيد الضغط على الحكومة لتوفير احتياجات السوق المحلية، إلى جانب الحفاظ على مستويات مقبولة من الصادرات.
الحرب تدفع إلى إصلاحات اقتصادية
على الرغم من الخسائر الكبيرة، يرى ليلاز أن الحرب دفعت الحكومة إلى اتخاذ بعض الإجراءات الإصلاحية التي كان من الصعب تنفيذها في الظروف العادية.
ومن بين هذه الإجراءات زيادة الضغط على التهرب الضريبي، وهو ما قد يؤدي إلى ارتفاع مساهمة الضرائب في الناتج المحلي الإجمالي.
كما دفعت الأزمة التجارية والمالية الحكومة إلى اتخاذ خطوات لمواجهة الفساد وإعادة النظر في نظام العملة المدعومة المخصصة لشراء السلع الأساسية.
وبحسب ليلاز، ظهرت خلال الشهرين الماضيين مؤشرات على تراجع طفيف في معدل التضخم، وإن كان ذلك لا يعني أن الاقتصاد الإيراني تجاوز أزمته.
وفي الوقت نفسه، يبدي الخبير الاقتصادي تحفظا بشأن الحديث عن انهيار كامل للصادرات النفطية الإيرانية، مؤكدا أن البيانات المتاحة تشير إلى عودة تدريجية للصادرات.
ويرى أن متوسط مبيعات النفط الإيرانية ما زال يتجاوز مليون برميل يوميا، وأن تخفيف القيود على حركة الملاحة في مضيق هرمز ساهم في تخفيف حدة الحصار البحري خلال الفترة الأخيرة.
المجتمع الإيراني أمام مرحلة مختلفة
امتدت آثار الحرب إلى المجتمع الإيراني، إذ أدى ارتفاع أسعار السلع الأساسية وتراجع النشاط الاقتصادي وتضرر قطاعات الإنتاج إلى زيادة الضغوط على الأسر.
كما أن الخسائر البشرية والمادية، إلى جانب استمرار المخاوف الأمنية، تركت تأثيرا في الحياة اليومية للمواطنين، وفرضت على الحكومة التعامل مع تحديات تتجاوز الملف العسكري.
وفي هذا السياق، يبدو أن القيادة الإيرانية تحاول تحقيق قدر أكبر من التماسك الداخلي، عبر تخفيف بعض السياسات الاجتماعية المتشددة وتجنب الدخول في مواجهات جديدة مع قطاعات من المجتمع.
ويعكس هذا التحول إدراكا متزايدا بأن قدرة الدولة على مواجهة الضغوط الخارجية ترتبط أيضا بدرجة الاستقرار الداخلي، خصوصا في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة.
مضيق هرمز.. ورقة قوة وسلاح ذو حدين
لا يزال مضيق هرمز يمثل واحدة من أهم الأوراق الاستراتيجية التي تمتلكها إيران، نظرا إلى أهميته لحركة تجارة النفط والطاقة العالمية.
لكن الحرب أظهرت أن استخدام المضيق كسلاح اقتصادي قد تكون له تداعيات مزدوجة، إذ إن تعطيل الملاحة لا يؤثر في خصوم إيران فقط، وإنما ينعكس أيضا على اقتصادها الذي يعتمد على التصدير والاستيراد عبر الممرات البحرية.
ولهذا، أصبحت طهران أمام معادلة معقدة: الاحتفاظ بالقدرة على الضغط على حركة الملاحة من جهة، وتجنب استخدام هذه الورقة بطريقة تؤدي إلى خنق اقتصادها من جهة أخرى.
ومع تخفيف القيود البحرية مؤخرا، قد تحاول إيران الحفاظ على المضيق كورقة ردع استراتيجية بدلا من تحويله إلى ساحة مواجهة مفتوحة بصورة مستمرة.
إيران بعد الحرب ليست كما كانت قبلها
تكشف التطورات التي شهدتها إيران خلال الأشهر الستة الماضية عن تغيرات تتجاوز الخسائر العسكرية المباشرة. فقد أعادت الحرب ترتيب أولويات القيادة، وأثرت في آليات اتخاذ القرار، ودفعت إلى مراجعة بعض السياسات الداخلية والخارجية، كما كشفت هشاشة قطاعات اقتصادية وإنتاجية مهمة.
وفي المقابل، لم تؤد الضغوط إلى انهيار الدولة أو توقف مؤسساتها، بل دفعتها إلى البحث عن آليات جديدة للتكيف مع الواقع.
وتبدو إيران اليوم أمام مرحلة دقيقة، تحاول خلالها الموازنة بين الحفاظ على قدراتها الاستراتيجية، وإعادة بناء قطاعاتها العسكرية والاقتصادية، واحتواء الضغوط الاجتماعية، مع تجنب الانزلاق مجددا إلى حرب شاملة.
وبذلك، فإن الأشهر الستة الماضية لم تغير فقط شكل المواجهة بين إيران وخصومها، بل أعادت تشكيل الحسابات داخل الدولة نفسها، في تحول قد تكون آثاره ممتدة لسنوات مقبلة.









