ثقافة

حين تصبح الديمقراطية قناعًا لغياب دولة القانون

ليست أخطر أزمات الدول هي تلك التي تظهر في نتائج الانتخابات أو في صراع الأحزاب على السلطة، بل تلك التي تجعل الانتخابات نفسها عاجزة عن التعبير عن الإرادة الحقيقية للمجتمع، وتحول الديمقراطية من آلية لاختيار الحكام ومراقبتهم إلى مجرد واجهة شكلية تخفي استمرار نمط قديم من الحكم.

إن الإشكال الحقيقي الذي تعاني منه بلدان كثيرة، ومنها بلادنا، لا يكمن فقط في طبيعة الممارسات الانتخابية، بل في غياب الأساس الذي لا يمكن لأي نظام ديمقراطي أن يستقيم بدونه: دولة القانون.

فحين تكون مؤسسات الدولة خاضعة لتوازنات سياسية ضيقة، وحين تختلط وظيفة الإدارة العامة بمصلحة السلطة القائمة، وحين يتحول الحزب المرتبط بمراكز النفوذ إلى بوابة للترقي والتعيين والامتياز، تصبح التعددية الحزبية مجرد شكل خارجي لا يعكس بالضرورة تعددًا حقيقيًا في مراكز القرار.

لقد أدى غياب الفصل الواضح بين الدولة والسلطة السياسية والحزب المساند لها إلى إنتاج وضع مختل؛ حيث لا تتنافس القوى السياسية على أساس البرامج والكفاءة والقدرة على الإقناع، بل على أساس القرب من مراكز النفوذ، والقدرة على الوصول إلى شبكات المصالح.

وهنا تظهر خطورة الوهم الديمقراطي: أن نمتلك دستورًا ومؤسسات انتخابية وأحزابًا متعددة، بينما تظل قواعد اللعبة نفسها مصممة لضمان استمرار موازين القوى القائمة.

إن الديمقراطية ليست مجرد صندوق اقتراع، بل هي منظومة متكاملة تبدأ باستقلال القضاء، وحياد الإدارة، وتكافؤ الفرص، وشفافية توزيع الموارد، وخضوع الجميع للقانون. أما الانتخابات في غياب هذه الشروط فقد تصبح وسيلة لإعادة إنتاج الواقع نفسه بدل تغييره.

لقد كشفت التجارب المتراكمة أن هناك تحالفًا بين قوى مختلفة ــ من بينها شبكات المصالح الاقتصادية، وبعض مراكز النفوذ داخل الدولة، وامتدادات الإدارة العميقة ــ ساهم في تكريس نموذج يقوم على المحاصصة بدل المواطنة، وعلى توزيع النفوذ بدل بناء المؤسسات.

ولا تكمن خطورة هذا النموذج في أنه ينتج انتخابات ضعيفة فقط، بل في أنه يعمق الانقسامات داخل المجتمع؛ إذ تتحول الهويات القبلية والشرائحية والعرقية إلى أدوات سياسية للتعبئة والمنافسة، بدل أن تكون مكونات اجتماعية تُدار داخل إطار وطني جامع.

عندما تصبح الخدمات والوظائف والفرص مرتبطة بالولاء السياسي أو الاجتماعي، فإن الدولة تفقد تدريجيًا وظيفتها الأساسية، وهي أن تكون ملكًا عامًا لجميع المواطنين. وعندما يشعر جزء من المجتمع أنه محروم من العدالة في توزيع السلطة والثروة، فإن التوترات الكامنة قد تتحول إلى صراعات تهدد الاستقرار الوطني.

إن أخطر ما يواجه بلدًا هش البنية هو أن تتزامن هذه الاختلالات الداخلية مع تحولات إقليمية ودولية كبرى. فالثروات الطبيعية، من الطاقة إلى المعادن النفيسة، التي يفترض أن تكون فرصة للتنمية، قد تتحول في ظل ضعف المؤسسات إلى مصدر لعنة؛ إذ تصبح عامل جذب للصراعات حول السيطرة والامتيازات بدل أن تكون رافعة للبناء.

كما أن موقع بلادنا الجغرافي يجعل مسؤولية بناء دولة قوية أكثر إلحاحًا. فوجودنا في منطقة تعاني من اضطرابات أمنية عميقة، وعلى تماس مع فضاءات تشهد صراعات مسلحة وانهيارًا مؤسساتيًا، يفرض علينا تحصين الداخل قبل مواجهة تحديات الخارج.

إن قيام دولة القانون ليس مطلبًا نخبويا ولا ترفًا سياسيًا، بل هو شرط للبقاء. فلا يمكن بناء استقرار دائم فوق مؤسسات ضعيفة، ولا يمكن حماية الوحدة الوطنية في ظل شعور فئات من المواطنين بأن النظام السياسي لا يوفر لهم فرصًا متساوية.

وعليه، فإن أي حوار وطني جاد ينبغي ألا ينشغل فقط بتعديل القوانين الانتخابية أو تحسين تفاصيل العملية السياسية، بل عليه أن يضع السؤال الأساسي أمام الجميع:

كيف نبني دولة تكون فيها السلطة خادمة للقانون لا متحكمة فيه؟

إن النخب السياسية، سواء كانت في المعارضة أو السلطة، مطالبة اليوم بالانتقال من إدارة الصراع حول المواقع إلى بناء قواعد جديدة للحكم؛ قواعد تجعل الحوكمة الرشيدة، والشفافية، واستقلال المؤسسات، ومحاربة الزبونية، مقدمة ضرورية لأي نموذج ديمقراطي قابل للحياة.

فالديمقراطية لا تُزرع فوق أرض هشة، ولا تنمو في بيئة تهيمن عليها الولاءات الضيقة. إنها ثمرة طبيعية لدولة القانون.

وإذا لم ندرك هذه الحقيقة في الوقت المناسب، فقد نجد أنفسنا أمام خطر أكبر من أزمة انتخابية عابرة: خطر أن تتحول الدولة نفسها إلى ضحية لتراكم الاختلالات، ولصراع المصالح، وللعوامل الإقليمية التي لا ترحم الدول الضعيفة.

حمادي سيدي محمد آباتي

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى