المؤتمر الصحفي… وما لم تسأل عنه الصحافة

إذا كان المؤتمر الصحفي الأخير لرئيس الجمهورية قد نجح في تقديم رئيس واثق من برنامجه، واسع الصدر في تقبل الأسئلة، حاضر الذهن في تتبع تفاصيلها، ومطمئن إلى حصيلة ما يعتبره إنجازات في مجالات المالية العمومية، ومحاربة الفساد، والحوكمة، فإن نجاح المؤتمر لا ينبغي أن يحجب حقيقة أخرى، وهي أن بعض أكثر الملفات أهمية لم تجد طريقها إلى أسئلة الصحفيين.
لقد أقر الرئيس، بصراحة تُحسب له، بأن الفساد ما يزال آفة قائمة، وإن كان يؤكد أنه تراجع، واستعرض إجراءات ومؤسسات ونصوصًا يراها شاهدة على هذا التراجع. غير أن مكافحة الفساد لا تبدأ من النصوص وحدها، ولا تنتهي عند ملاحقة بعض الملفات، وإنما تبدأ قبل ذلك من تفكيك البيئة التي تُنتجه وتسمح له بالاستمرار.
ولعل أول سؤال كان يستحق أن يُطرح هو: كيف يمكن بناء إدارة جديدة بعقلية قديمة؟
لقد احتفظت الدولة، عبر تعاقب الأنظمة، بشخصيات نافذة ظلت حاضرة في مراكز القرار، تتغير الحكومات ويبقى الرجال أنفسهم. وليس المقصود هنا اتهام هؤلاء بالفساد، ولا التشكيك في ذممهم، وإنما الإشارة إلى أن طول البقاء في المواقع الحساسة يصنع شبكات نفوذ ومصالح، ويزرع في الرأي العام شعورًا بأن التغيير مجرد تبديل للعناوين، لا للسياسات.
والأخطر من ذلك أن الوظيفة العمومية بدأت تعرف، بصورة تثير القلق، نوعًا من التوريث غير المعلن. فإذا غاب الأب حضر الابن، وإذا تقاعد الوزير برز ابنه أو حفيده في مواقع النفوذ، حتى أصبح الانتماء العائلي، في حالات غير قليلة، أقوى من معيار الكفاءة والاستحقاق. ولا يتعلق الأمر بالمؤهلات الفردية لبعض هؤلاء، فبينهم أصحاب كفاءات حقيقية، وإنما بالمبدأ نفسه؛ لأن الدولة التي تتسع فيها دائرة القرابة على حساب المنافسة العادلة، تفتح بابًا واسعًا أمام الإحباط والفساد وفقدان الثقة.
ثم هناك ملف آخر لا يقل خطورة، وهو إطلاق يد بعض أصحاب النفوذ في فرض تعيينات لأشخاص لا يملكون الكفاءة العلمية ولا الخبرة المهنية، فقط لأنهم يشكلون رصيدًا انتخابيًا أو اجتماعيًا لهذا المسؤول أو ذاك. وهكذا تتحول الوظيفة العمومية من أداة لخدمة المواطن إلى وسيلة لبناء الولاءات، بينما تتحمل خزينة الدولة كلفة موظفين لا يضيفون قيمة حقيقية للإدارة.
أما في مجال الصفقات العمومية، فقد كان من الضروري أن يُثار موضوع بالغ الحساسية، يتعلق بالصلاحيات الواسعة التي يتمتع بها بعض الآمرين بالصرف. فباسم الصفقات التي لا تبلغ السقف الملزم بالإحالة إلى لجنة الصفقات، أصبحت بعض المؤسسات تمنح عقودًا متكررة بالطريقة نفسها، حتى غدا الاستثناء قاعدة، وتحولت التجزئة أحيانًا إلى وسيلة للالتفاف على روح القانون. وقد زادت خطورة الظاهرة بعد توسيع صلاحيات المديرين في الإنفاق، الأمر الذي يستدعي مراجعة تشريعية ورقابية أكثر صرامة.
ومن الملفات التي كانت تستحق النقاش أيضًا مستقبل بعض الهيئات الدستورية والاستشارية التي يثار منذ سنوات سؤال جدواها، مثل المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، والمجلس الأعلى للفتوى والمظالم، والمجلس الأعلى للشباب، والجهات. وقد سبق للرئيس نفسه أن لمح، في أكثر من مناسبة، إلى الحاجة إلى تقييم أداء بعض المؤسسات. ولذلك فإن الرأي العام ينتظر معرفة ما إذا كان الإبقاء عليها نابعًا من قناعة بجدواها، أم أن أمرها مؤجل إلى مخرجات الحوار الوطني المرتقب.
كما أن الحديث عن حماية المبلغين عن الفساد يظل ناقصًا ما لم تُراجع التجارب السابقة. فقد عرف الرأي العام حالات قال أصحابها إنهم تعرضوا للمضايقة أو العقوبة بعد كشفهم ملفات فساد، كما طويت ملفات أثارت اهتمامًا واسعًا، ومنها قضية مخبر الشرطة وغيرها. لذلك فإن حماية المبلغين لا ينبغي أن تبقى شعارًا سياسيًا، بل يجب أن تتحول إلى ضمانة قانونية وممارسة عملية يشعر معها كل مواطن أن كشف الفساد لن يجعله الضحية.
لقد خرج الرئيس من مؤتمره الصحفي بصورة رجل مستعد للمواجهة بالحجة والرقم، وهي رسالة إيجابية في حد ذاتها. غير أن نجاح المؤتمرات الصحفية لا يكتمل إلا عندما تلامس الأسئلة أعقد مناطق الإصلاح وأكثرها حساسية، لأن وظيفة الصحافة ليست أن تبحث عن الإجابات فحسب، بل أن تبحث أيضًا عن الأسئلة التي يخشاها الجميع.
فالدول لا تتغير بتبديل القوانين وحدها، وإنما بتغيير الثقافة الإدارية، وتجديد النخب، وترسيخ مبدأ تكافؤ الفرص، وتجفيف منابع النفوذ الشخصي، قبل أن تتحول إلى شبكات فساد يصعب اقتلاعها. وعندها فقط يمكن أن تتحول الحرب على الفساد من شعار سياسي إلى مشروع دولة.
حمادي سيدي محمد آباتي






