ثورة الزنج.. لماذا لم يكن الطبري محايدًا في رواية واحدة من أكبر ثورات العصر العباسي؟

تُعد ثورة الزنج واحدة من أعنف وأخطر الثورات الاجتماعية في تاريخ الدولة العباسية، حتى إن المؤرخ الكبير محمد بن جرير الطبري أفرد لها أكثر من 200 صفحة في كتابه “تاريخ الأمم والملوك”، وهو حجم لم تحظ به معظم الثورات والأحداث الأخرى.
ورغم هذا التفصيل، يلاحظ القارئ أن الطبري لم يكن يذكر قائد الثورة علي بن محمد إلا مقرونًا بأوصاف مثل “الخبيث” و”الفاجر” و”الفاسق”، بينما وصف أتباعه بـ”الفسقة”، وهو ما يثير تساؤلات حول مدى حياد المؤرخ في نقل أحداث عاصرها بنفسه.
واحدة من أخطر ثورات العصر العباسي
اندلعت ثورة الزنج سنة 255هـ (869م) في جنوب العراق خلال خلافة المهتدي بالله، وبلغت ذروتها في عهد الخليفة المعتمد على الله، واستمرت قرابة خمسة عشر عامًا قبل أن تنتهي عام 270هـ (883م).
وخلال هذه الفترة، كبدت الثورة الدولة العباسية خسائر بشرية واقتصادية هائلة، وأدت إلى اضطرابات واسعة هددت استقرار الخلافة.
ورغم شهرتها، فإنها لم تكن أول تحرك للزنج، إذ شهد جنوب العراق انتفاضات مشابهة منذ عهد عبد الله بن الزبير وأخيه مصعب، لكنها أُخمدت سريعًا.
من هم الزنج؟
يطلق اسم الزنج في المصادر العربية على العبيد السود الذين جُلب معظمهم من سواحل شرق أفريقيا للعمل في جنوب العراق، خاصة في تجفيف الأراضي المالحة واستصلاحها، وهي أعمال شاقة كانت تُنفذ في ظروف قاسية مقابل الحد الأدنى من الغذاء.
وتجمع معظم المعاجم العربية على أن الزنج ينحدرون من شعوب أفريقيا الشرقية، فيما تشير الدراسات التاريخية إلى أن موانئ مثل زنجبار ومومباسا ولامو وموزمبيق كانت من أبرز مصادر تجارة العبيد المتجهة إلى العراق خلال العصر العباسي.
ولم يكن الزنج جماعة واحدة، بل ضموا مجموعات مختلفة، منها عمال السباخ، والفراتية، والنوبة، إضافة إلى عبيد لا يتحدثون العربية، الأمر الذي دفع قائد الثورة إلى الاستعانة بمترجمين للتواصل معهم.
علي بن محمد.. الشخصية المثيرة للجدل
ظل نسب قائد الثورة علي بن محمد محل خلاف بين المؤرخين.
فبعضهم نسبه إلى مدينة الري الفارسية، بينما رأى آخرون أنه ينتسب إلى آل البيت، في حين اتهمته بعض المصادر بادعاء النبوة أو امتلاك علم الغيب.
وبدأ نشاطه في البحرين والأحساء، قبل أن ينتقل إلى البصرة، حيث نجح في استقطاب آلاف العمال والعبيد الذين كانوا يعانون ظروفًا معيشية قاسية، واستطاع خلال سنوات قليلة السيطرة على البصرة والأهواز وواسط وعبادان، مهددًا السلطة العباسية بصورة غير مسبوقة.
وانتهت الثورة بعد حملات عسكرية طويلة قادها أبو أحمد الموفق، شقيق الخليفة المعتمد، وانتهت بمقتل علي بن محمد سنة 270هـ.
لماذا لم يكن الطبري محايدًا؟
يعد محمد بن جرير الطبري أحد أعظم مؤرخي الإسلام، واشتهر بدقته في جمع الروايات وحرصه على نقل الأخبار بأسانيدها، إلا أن موقفه من ثورة الزنج يختلف عن منهجه المعتاد.
فقد استخدم أوصافًا سلبية متكررة لقائد الثورة وأتباعه، وهو ما يفسره عدد من الباحثين بكونه كان يعيش الحدث نفسه داخل الدولة العباسية التي واجهت الثورة.
وينسجم ذلك مع مفهوم “المؤرخ الأصلي” الذي تحدث عنه الفيلسوف الألماني هيغل، ويقصد به المؤرخ الذي يكتب عن أحداث يعاصرها ويتأثر بها، فلا يستطيع الانفصال تمامًا عن المناخ السياسي والاجتماعي المحيط به.
كما يذكر الطبري نفسه في موضع آخر من تاريخه أنه امتنع عن ذكر بعض الوقائع “خوفًا من العامة”، وهو ما يشير إلى أن الضغوط الاجتماعية كانت تؤثر أحيانًا في طريقة عرضه للأحداث.
ثورة افتقرت إلى مؤرخ يدافع عنها
يرى المفكر المصري محمد عمارة، في كتابه “ثورة الزنج”، أن هذه الحركة تُعد من أكثر الثورات الإسلامية تعرضًا للظلم في الكتابات التاريخية.
ويشير إلى أن معظم الحركات السياسية والفكرية الكبرى، مثل الشيعة والخوارج والمعتزلة، وجدت من يدافع عنها أو يقدم روايتها، بينما بقيت ثورة الزنج تقريبًا بلا مؤرخ محايد ينقل وجهة نظر الثائرين أو يشرح دوافعهم الاجتماعية.
هل كانت ثورة اجتماعية أم حركة دينية؟
ارتبطت الثورة باتهامات عديدة، من بينها ادعاءات بأن قائدها ينتمي إلى الباطنية أو أنه كان يسعى لتحقيق أهداف سياسية ودينية.
لكن عدداً من الدراسات الحديثة يرى أن الأدلة التاريخية على هذه الاتهامات ليست حاسمة، وأن الثورة كانت في جوهرها نتيجة مباشرة لظروف اجتماعية واقتصادية قاسية عاشها آلاف العمال والعبيد.
كما أن الخلاف حول نسب علي بن محمد، سواء كان عربيًا أو فارسيًا أو من آل البيت، لا يغيّر من حقيقة أن الحركة استمدت قوتها من معاناة طبقة مسحوقة عاشت سنوات طويلة من الاستغلال.
حدث تجاوز الرواية الرسمية
تبقى ثورة الزنج واحدة من أبرز محطات التاريخ الإسلامي، ليس فقط لحجمها العسكري والسياسي، وإنما لأنها كشفت حجم التفاوت الاجتماعي الذي عرفته الدولة العباسية في تلك المرحلة.
ورغم أن المصادر التقليدية، وعلى رأسها الطبري، نقلت تفاصيلها بإسهاب، فإن كثيرًا من الباحثين المعاصرين يدعون إلى إعادة قراءتها بعيدًا عن الأحكام المسبقة، باعتبارها ثورة اجتماعية معقدة اختلطت فيها المطالب الإنسانية بالطموحات السياسية، في واحدة من أكثر الفترات اضطرابًا في تاريخ الخلافة العباسية.







