بين الحقيقة والمزايدة: من أجل موريتانيا عادلة لا تُختطف باسم الحقوق

في خضم الجدل الذي أثاره التقرير الصادر عن منتدى منظمات حقوق الإنسان خلال الدورة السابعة والثمانين للجنة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب بشأن وضعية حقوق الإنسان في موريتانيا، أجد نفسي غير منخرط في منطق الاصطفاف الأعمى؛ فلا أنا مع السلطة على إطلاقها، ولا مع المعارضة حين تتحول إلى أداة لتشويه الوطن وتقديم صورة قاتمة ومضللة عنه.
إن ما أطمح إليه ببساطة هو موريتانيا دولة مدنية حديثة، يسود فيها القانون، وتُصان فيها كرامة الإنسان، وتُحترم فيها المواثيق الدولية لحقوق الإنسان دون انتقائية أو توظيف سياسي.
لقد قرأت التقرير المذكور بعين الباحث عن الحقيقة لا بعين الخصومة، فوجدت فيه كثيرًا من التهويل، والكثير من المغالطات التي حاولت تصوير المجتمع الموريتاني وكأنه مجتمع قائم على التمييز العرقي والاسترقاق الممنهج. والحقيقة أن هذا الطرح يتجاهل تعقيدات الواقع الموريتاني، ويختزل أزمة الدولة في بُعد عرقي ضيق، بينما جوهر الأزمة أعمق وأشمل.
في موريتانيا لا يُظلم الإنسان فقط بسبب لونه أو أصله الاجتماعي، بل لأن منظومة الفساد والزبونية والمحسوبية أصبحت تتحكم في مفاصل الدولة. فالمظلوم هنا قد يكون من أي عرق أو جهة أو قبيلة، إذا لم يكن مدعومًا من الدولة العميقة، أو محاطًا بنفوذ جنرال، أو شيخ قبيلة، أو وزير سابق، أو شبكة مصالح نافذة.
كم من شاب متفوق حُرم من وظيفة يستحقها لأنه لا يملك “واسطة”. وكم من مواطن حُرم من قطعة أرض تؤويه، أو من فرصة استثمار، أو من حقه في الاستفادة من خيرات وطنه، فقط لأنه لا ينتمي إلى دوائر النفوذ. هذه المظالم لا تفرّق بين عربي وزنجي، ولا بين حرطاني وبيظاني؛ إنها مظالم نظام إداري مختل يحتاج إلى إصلاح جذري يعيد للدولة معناها كمؤسسة للعدل والمساواة.
أما الحديث عن وجود استرقاق خاص بفئة بعينها بالصورة التي يُروَّج لها خارجيًا، فهو طرح مبالغ فيه ومشحون بخلفيات سياسية وإيديولوجية. نعم، لا يمكن إنكار وجود رواسب اجتماعية وتفاوتات تاريخية تحتاج إلى معالجة شجاعة، لكن تحويل موريتانيا إلى “دولة عبودية” في الخطاب الحقوقي الدولي ليس إلا ظلمًا آخر لهذا البلد وشعبه.
وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل الشبهات التي أصبحت تحيط ببعض الحركات والمنظمات التي تقدم نفسها باعتبارها ناطقة باسم المظلومين، بينما تحوّلت في نظر كثيرين إلى أدوات اختراق سياسي وإعلامي تخدم أجندات خارجية أكثر مما تخدم قضية العدالة الاجتماعية. ومنظمة “إيرا” مثال على ذلك في نظر شريحة واسعة من الموريتانيين، خاصة بعد تضخم حضورها الخارجي بصورة تثير التساؤلات حول مصادر الدعم والارتباطات السياسية والإعلامية.
ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي التذكير بأن ما تعرضت له مريم الشيخ سامبا دينغ، وغامو عاشور، ووردة أحمد سليمان، لم يكن – بحسب الرواية الرسمية – بسبب انتمائهم العرقي أو نشاطهم الحقوقي في حد ذاته، بل نتيجة تصريحات وعبارات اعتُبرت مخالفة لقانون الرموز، وتضمنت إساءات متكررة لشخص رئيس الجمهورية. وهنا لا أدافع عن قانون الرموز، ولا أملك الاختصاص القانوني للحكم إن كان يقيّد حرية التعبير أو ينسجم مع المعايير الديمقراطية، لكن من الضروري وضع الوقائع في سياقها الحقيقي بدل تصويرها وكأنها استهداف عرقي ممنهج.
كما أن الحصانة البرلمانية لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها ترخيصًا مفتوحًا للإساءة أو تجاوز القانون، بل وُجدت لحماية العمل السياسي والتشريعي من التعسف، لا لتحويل المؤسسات إلى منصات للتجريح الشخصي أو الخطاب المتشنج. وربما لعب ضعف التكوين السياسي والثقافي، إضافة إلى هشاشة التعليم، دورًا في انزلاق بعض الخطابات نحو أساليب لا تخدم القضايا العادلة التي يرفع أصحابها شعارات الدفاع عنها.
غير أن رفضنا للمبالغات والتوظيف الخارجي لا يعني إنكار حاجة إخوتنا الحراطين إلى مزيد من العناية والإنصاف. فهذه الفئة عانت تاريخيًا من التهميش وضعف فرص التعليم والتكوين، وهي حقيقة لا ينبغي القفز عليها. لكن الإنصاف يقتضي أيضًا الاعتراف بأن أزمة التعليم في موريتانيا لم تكن موجهة ضد فئة بعينها، بل أصابت الجميع.
لقد جرى تعميم التعليم بصورة ارتجالية ركزت على الكم أكثر من الكيف، دون توفير البنية التربوية والتأطير الكافي. وحين عجزت الدولة عن سد النقص، لجأت إلى الاكتتاب العشوائي لمتعاقدين لم يتلق كثير منهم تكوينًا حقيقيًا، وتسللت المحسوبية والفساد إلى القطاع حتى أصبح من لا يحسن الكتابة أو التهجئة أحيانًا يمارس مهنة التدريس. وكانت النتيجة انهيار صورة المعلم، وتراجع مستوى المدرسة، وتضرر أجيال كاملة من أبناء الوطن بمختلف مكوناتهم.
إن موريتانيا اليوم بحاجة إلى خطاب وطني عاقل، لا يجمّل الواقع ولا يشيطن الوطن. خطاب يعترف بالاختلالات الحقيقية: الفساد، والمحسوبية، وضعف العدالة الاجتماعية، ورداءة التعليم، واحتكار النفوذ والثروة. لكنه في الوقت نفسه يرفض تحويل هذه الأزمات إلى وقود لمشاريع خارجية أو خطابات تقسيمية تمزق النسيج الوطني.
نريد دولة تحترم الإنسان لأنه إنسان، لا لأنه ابن قبيلة نافذة أو جهة قوية. نريد قضاءً مستقلًا، وتعليمًا حقيقيًا، وإدارة عادلة، وفرصًا متكافئة. نريد موريتانيا تتصالح مع ذاتها، وتبني مستقبلها على المواطنة والكفاءة لا على الولاءات الضيقة.
ذلك هو الطريق الحقيقي للعدالة، لا التقارير المبالغ فيها، ولا الشعارات التي تُستغل فيها معاناة الناس لخدمة أجندات سياسية لا علاقة لها بمصلحة الوطن.
حمادي سيدي محمد آباتي





