من الإنصاف الاجتماعي إلى بناء الدولة: لماذا أصبحت معالجة قضية لحراطين ضرورة وطنية؟
إن معالجة قضية لحراطين اليوم لم تعد ترفًا فكريًا ولا مجرد مطلب حقوقي لفئة اجتماعية بعينها، بل أصبحت ضرورة وطنية تتعلق بمستقبل الدولة الموريتانية نفسها، وبقدرتها على بناء مجتمع متوازن يشعر فيه جميع المواطنين أنهم متساوون في الكرامة والفرص والانتماء. فالدول لا تستقر بالقوة وحدها، ولا بالشعارات، وإنما تستقر حين يشعر أبناؤها أن القانون يخاطبهم بالنبرة نفسها، وأن أبواب المشاركة والتمثيل والثروة والتعليم مفتوحة أمام الجميع دون حواجز خفية أو معلنة.
لقد أثبتت التجربة أن التعليم هو العلاج الجذري والأكثر استدامة لمخلفات التهميش، لأنه وحده القادر على تحرير الإنسان من الفقر والجهل والتبعية، غير أن انتظار التعليم حتى يؤتي ثماره يحتاج إلى زمن طويل، بينما الواقع يتفاقم بسرعة، وتتعاظم معه مشاعر الإحباط والاحتقان، وهو ما يفتح المجال أمام المتاجرين بالمظالم وراكبي موجات الغضب لتنفيذ أجندات لا تخدم الوطن ولا الفئات المتضررة نفسها.
ولهذا فإن الحكمة تقتضي الجمع بين العلاج الاستراتيجي البعيد المدى، والعلاج الاستعجالي الذي يخفف الاحتقان ويعيد الثقة في الدولة ومؤسساتها.
إن أول خطوة عاجلة ينبغي الإقدام عليها هي فتح المجال الحقيقي أمام لحراطين في الاستحقاقات الانتخابية القادمة، لا بطريقة رمزية شكلية، وإنما عبر تمكين سياسي فعلي يعكس الوزن الديمغرافي والحضور الاجتماعي لهذه الفئة. فالمشكلة الأساسية اليوم ليست غياب الكفاءات، وإنما هيمنة المال السياسي والتحكم التقليدي في تشكيل اللوائح والتمثيل المحلي، وهو ما جعل كثيرا من المجالس البلدية والنيابية بعيدة عن التعبير الطبيعي عن البنية السكانية للمجتمع.
فلو كانت العملية الانتخابية تسير بصورة عفوية وعادلة، لكان التمثيل المحلي في عدد كبير من البلديات والمقاطعات مختلفًا جذريًا، ولكان حضور لحراطين في البلديات والمجالس الجهوية والبرلمان أكثر انسجامًا مع الواقع الديمغرافي. لكن المال السياسي، والتحالفات التقليدية، وشبكات النفوذ، ظلت تعيد إنتاج المشهد نفسه، وتمنع ظهور قيادات اجتماعية جديدة قادرة على التعبير عن هموم الفئات المهمشة.
ومن هنا فإن إصلاح النظام الانتخابي، وتجفيف منابع المال السياسي، وضمان تكافؤ الفرص في الترشح والدعاية، يمثل ضرورة وطنية وليس تنازلًا لفئة معينة. لأن إشراك الجميع في إدارة الشأن العام هو الضمانة الحقيقية للاستقرار، وهو ما يغلق الباب أمام خطاب الكراهية والتطرف والانقسام.
وفي الجانب الاقتصادي، لا يمكن الحديث عن مساواة حقيقية بينما يظل آلاف المزارعين يفلحون أراضي لا يملكونها قانونيًا. فالتحرر السياسي لا يكتمل دون تحرر اقتصادي. ولذلك فإن من الضروري إطلاق إصلاح عقاري جريء يمنح الملكية الفعلية لمن يستغل الأرض ويحييها، مع تسوية عادلة لوضعية السدود والأراضي الزراعية بما يضمن حقوق جميع الشركاء بعيدًا عن الاحتكار التقليدي.
كما أن مكافحة الفقر لا ينبغي أن تبقى رهينة التوزيعات المالية المحدودة، مهما كانت أهميتها الظرفية. فالمطلوب هو الانتقال من سياسة الإعانات إلى سياسة الإنتاج. وهنا ينبغي إعادة توجيه برامج وكالة وكالة تآزر نحو إنشاء مشاريع زراعية وتنموية كبرى ومستدامة تشرف عليها الدولة بشكل مباشر، تشمل زراعة القمح والأرز والأعلاف والخضروات، وإنشاء مصانع لحفظ وتعليب المنتجات الزراعية، بما يخلق فرص عمل حقيقية ويحول الفئات الهشة من متلقية للمساعدة إلى قوة إنتاجية فاعلة.
كما أن تحديث الزراعة أصبح ضرورة ملحة، عبر إدخال الآليات الحديثة في استغلال السدود والمزارع، من معدات إزالة الأعشاب، ومكافحة الطيور والآفات، وتطوير أنظمة الري، لأن استمرار العمل الزراعي بالوسائل التقليدية يحد من الإنتاجية ويكرس الفقر.
وفي النهاية، فإن قضية لحراطين ليست معركة ضد أحد، وليست دعوة لقلب التوازنات الاجتماعية أو تأجيج الأحقاد، وإنما هي دعوة لبناء دولة مدنية عادلة، يشعر فيها الجميع أنهم شركاء متساوون في الوطن والمستقبل. فالدولة القوية ليست التي تخفي مشاكلها، بل التي تمتلك الشجاعة لمعالجتها بحكمة وعدالة قبل أن تتحول إلى أزمات يصعب احتواؤها.
حمادي سيدي محمد آباتي





