مدارس الامتياز… حين تتحول الجمهورية إلى نظام فرز اجتماعي

حمادي سيدي محمد آباتي
ليست مدارس الامتياز سوى عنوان جديد لأزمة قديمة: أزمة دولة لم تستطع بناء مدرسة جمهورية حقيقية، فاختارت بدل ذلك إنشاء “جزر تعليمية” معزولة داخل بحر واسع من التدهور.
فكرة المدرسة العمومية قامت أساسًا على مبدأ بسيط وعادل: أن يجلس أبناء المجتمع جميعًا على مقاعد واحدة، وأن تكون المعرفة طريقًا مفتوحًا أمام الجميع، لا امتيازًا طبقيًا أو اجتماعيًا. لكن ما حدث منذ عقود هو انتقال تدريجي من منطق “التعليم كحق جماعي” إلى منطق “التعليم كفرز اجتماعي”.
منذ الانقلاب على الرئيس المختار ولد داداه دخل التعليم مرحلة طويلة من الارتباك والتفكيك، رغم أن إصلاح محمذن ولد باباه كان قد فتح نافذة حقيقية نحو بناء مدرسة وطنية قادرة على استيعاب أبناء الفئات الهشة والصاعدة اجتماعيًا. وقد ساعدت ظروف الجفاف آنذاك، وتحول عدد من أبناء المحاظر إلى التعليم النظامي عبر التمهيدي والاستماع والترشح الحر، في خلق حراك تعليمي واسع، انعكس في ارتفاع نسب النجاح في الإعدادية والبكالوريا، واتساع دائرة الوعي بقيمة المدرسة.
ذلك التحول أقلق البنية التقليدية العميقة التي ظلت تنظر إلى التعليم بوصفه أداة احتكار للوظيفة والنفوذ، فبدأ إفراغ المدرسة من مضمونها الحقيقي عبر سلسلة طويلة من السياسات المرتبكة والمقصودة أحيانًا. وكان من أخطر تلك الخطوات تقسيم المدرسة عمليًا إلى فضاءين غير متكافئين، وتعميق الفوارق اللغوية والاجتماعية، ثم التوسع الكمي غير المدروس في الخريطة المدرسية دون إعداد حقيقي للكادر البشري، فتحولت شعارات “التعليم للجميع” إلى مدخل واسع لضخ الرداءة داخل القطاع.
ومع مرور الوقت تراجعت هيبة المدرس، وضعفت الرقابة، واتسعت الرشوة، وأصبحت المدرسة العمومية فضاءً للفقراء فقط، بينما انسحبت منها الفئات النافذة نحو التعليم الخاص أو الخارجي. وعندما تعجز النخب الحاكمة عن إصلاح المدرسة التي يدرس فيها أبناء الشعب، فإنها تبحث غالبًا عن حلول معزولة لأبنائها هي، لا عن حلول وطنية للجميع.
في هذا السياق ظهرت مدارس الامتياز، لا باعتبارها إصلاحًا جذريًا للتعليم، بل باعتبارها اعترافًا ضمنيًا بفشل المدرسة العمومية. فبدل إصلاح المؤسسة الأصلية، جرى إنشاء مؤسسة موازية تتمتع بميزانية خاصة، ورواتب خاصة، وانتقاء خاص، بينما تُترك بقية المدارس لمصيرها.
الأخطر أن هذه المدارس لم تسلم بدورها من منطق النفوذ والمحسوبية، فتم الالتفاف على معايير الاستحقاق، وأُدخل إليها من لا تنطبق عليهم شروطها، كما جرت محاولات لتمييعها بالمحاصصة، تمامًا كما تم الالتفاف سابقًا على القانون التوجيهي واستثناء مؤسسات مرتفعة التكلفة في تفرغ زينة وغيرها.
وهكذا أصبحت الجمهورية تمارس التمييز بأموال الجميع: تعليم متكامل لفئة محدودة، وتعليم هش للأغلبية.
أما الأسر التي ما تزال تؤمن بمستقبل أبنائها، فقد اضطرت إلى التحايل على الواقع، بتسجيل الأطفال في مدارس عمومية شكليًا للحصول على الامتيازات الإدارية، مع إبقائهم فعليًا في المدارس الحرة التي تتولى التدريس الحقيقي وإرسال النتائج. وهو وضع يكشف حجم فقدان الثقة في المدرسة العمومية، كما يضاعف الأعباء على الأسر التي أصبحت تدفع مرتين: مرة للدولة عبر الضرائب، ومرة للتعليم الخاص هربًا من انهيار المدرسة الرسمية.
وحين تصل المدرسة إلى هذه المرحلة، لا يعود الحديث عن أزمة قطاع فقط، بل عن أزمة عدالة اجتماعية، لأن التعليم ليس مجرد خدمة إدارية، بل هو الآلية الوحيدة التي تتيح لأبناء الفقراء كسر الحلقة المغلقة للفقر والتبعية والتوريث الاجتماعي.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع هو أن تتحول المدرسة من أداة لتحرير الإنسان إلى أداة لإعادة إنتاج الفوارق بين الناس، وعندها لا تصبح “مدارس الامتياز” مجرد تجربة تربوية، بل تعبيرًا سياسيًا واجتماعيًا عن جمهورية لم تعد تؤمن بالمساواة إلا كشعار.
ومع ذلك، فإن حجم الخراب لا يعني استحالة الإصلاح، كما أن نقد السياسات السابقة لا ينبغي أن يتحول إلى رفض لكل محاولة جادة لإنقاذ المدرسة العمومية. فالمؤشرات الأولى لأي إصلاح حقيقي تبدأ عادة بالاعتراف بالأزمة، ومحاولة إعادة الانضباط للقطاع، واستعادة هيبة المدرسة، وربط المسؤولية بالكفاءة بدل النفوذ.
ومن هنا تبدو الجهود التي تبذلها الدكتورة وزيرة التربية فرصة ينبغي أن تُقرأ باعتبارها بداية مسار يحتاج إلى الحماية والتصحيح والتوسيع، لا إلى الإحباط أو التوظيف السياسي الضيق. غير أن نجاح أي إصلاح سيظل مرهونًا بمدى قدرته على الانتقال من صناعة “مدارس استثنائية” إلى بناء “مدرسة وطنية عادلة”، لأن التعليم لا ينهض بإنقاذ نخبة صغيرة، بل بفتح أبواب الجودة أمام جميع أبناء الوطن، دون تمييز خفي أو معلن.
فالجمهورية القوية ليست تلك التي تنجح في تكوين أبناء النافذين فقط، بل تلك التي تمنح طفل القرية والحي الهامشي الفرصة نفسها التي تمنحها لأبناء السلطة والمال.








