فضاء الرأي

المدرسة الجمهورية بين وحدة المقصد وازدواجية المخرجات

جميل أن يجلس الأطفال الموريتانيون على بساط واحد وتحت سقف واحد، وأن يدرسوا المنهج نفسه بلغتهم الأم – ولو في مرحلة من مراحل التعليم – فذلك من صميم أهداف المدرسة الجمهورية، وهو توجه ينطوي على قدر كبير من الحكمة والإنصاف. غير أن هذا الهدف النبيل لم تواكبه آليات فعالة تضمن جودة المخرجات وتكافؤ الفرص، فعادت المنظومة إلى نقطة البداية: من يملكون الإمكانيات اتجهوا إلى المدارس الخاصة ذات الطابع الفرنسي، بينما ظل الآخرون في المدرسة العمومية بما تعانيه من اختلالات، كالغَياب المتكرر للأطقم التربوية، والاكتظاظ الشديد داخل الفصول بما يجعل العملية التعليمية أقرب إلى تسيير يومي منها إلى بناء معرفي رصين، فضلا عن ضعف الوسائل والبيئة المدرسية. وهكذا، بدل أن تكون المدرسة الجمهورية جسرا للعدالة الاجتماعية، أصبحت – في واقعها الحالي – مرآة تعكس التفاوت القائم.
وستكون النتيجة الحتمية لهذا المسار المختل هي تشكل جيلين متباينين: جيلٍ مهيّأ نسبيًا لولوج سوق العمل، بحكم تكوينه باللغة الفرنسية وما تتيحه له من امتداد نحو مجالات الاقتصاد والإدارة، وجيلٍ آخر يقف على هامش الفرص، لا لقصور في قدراته، بل لأن تكوينه بالعربية لم يدعَم بما يكفي من جسور تربطه بمتطلبات السوق. وهنا لا تكمن المشكلة في اللغة ذاتها، بقدر ما تكمن في غياب سياسة لغوية وتعليمية منسجمة تؤهّل المتعلم – أيا كانت لغة تدريسه – لاكتساب الكفايات العملية والعلمية المطلوبة.
وبهذا، يتحول الاختلاف اللغوي من عنصر غنى وتكامل إلى أداة فرز اجتماعي غير معلن، يعيد إنتاج الفوارق بدل أن يحد منها. فإذا لم تعالج هذه المفارقة عبر تحسين جودة التعليم العمومي، وتوحيد معاييره، وبناء جسور حقيقية بين اللغات ومجالات الشغل، فإن المدرسة الجمهورية ستظل فكرة نبيلة في التصور، محدودة الأثر في الواقع.

محمد محمود العيل

ملاحظة: جميع الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر الكاتب ولا تمثّل بالضرورة رأي الموقع أو إدارته.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى