حين تصبح العقوبة أضعف من الغنيمة

تُروى حكاية رمزية عن طفل سأل والده يومًا عن معنى النظام الذي تتحكم فيه المصالح والمال، فأراد الأب أن يشرح له الفكرة بطريقة مبسطة، فقال له: أنا أمثل رأس المال، وأمك تمثل الحكومة، والخادمة تمثل الشغيلة، وأخوك الرضيع يمثل الشعب أو الأمل.
في تلك الليلة، استيقظ الطفل على بكاء الرضيع، فوجده غارقًا في القذارة، بينما كانت الأم نائمة، والأب منشغلًا بعيدًا عن مسؤوليته. وفي الصباح قال الطفل: الآن فهمت… حين ينشغل المال بمصالحه، وتنام السلطة عن واجبها، يُترك الشعب وحده يتخبط في الإهمال والمهانة.
قد تبدو الحكاية ساخرة، لكنها تختصر بدقة مأساة كثير من الدول التي تحولت فيها السلطة من حارس للمصلحة العامة إلى وسيط بين النفوذ والثروة، وصار المواطن آخر من تصل إليه ثمار الوطن.
وفي موريتانيا، لا يحتاج المرء إلى كثير عناء حتى يرى ملامح هذه الصورة. فبلد يملك الثروات المعدنية والبحرية، والموقع الاستراتيجي، والموارد البشرية، كان يفترض أن يكون في وضع مختلف تمامًا عمّا يعيشه الناس من بطالة وهشاشة وتدهور للخدمات الأساسية. غير أن المشكلة الحقيقية ليست في قلة الموارد، بل في الطريقة التي تُدار بها، وفي غياب منظومة ردع تجعل الاعتداء على المال العام جريمة مكلفة لا مغنمًا مضمونًا.
فالفساد لا يعيش فقط بسبب طمع الفاسدين، بل لأنه يجد بيئة تسمح له بالنمو. وحين يدرك المتنفذ أن ما قد يجنيه من صفقة مشبوهة أو نهب منظم يفوق بكثير ما قد يتعرض له من عقوبة، فإن الفساد يتحول من انحراف فردي إلى “استثمار آمن”.
وهنا تكمن الكارثة الكبرى:
إذا كان عائد الفساد أقوى من العقوبة، فلن يتوقف الفساد.
إنها قاعدة واقعية قبل أن تكون أخلاقية. فلا أحد يتراجع عن طريق يدر عليه النفوذ والثروة والحماية، بينما أقصى ما قد يواجهه هو ضجيج إعلامي مؤقت، أو لجنة عابرة، أو محاكمة بطيئة تنتهي غالبًا بلا أثر يوازي حجم الضرر الذي لحق بالمجتمع.
ولهذا فإن أخطر ما يصيب الدول ليس وجود الفساد وحده، بل اعتياد الناس عليه حتى يصبح جزءًا من المشهد الطبيعي. عندها يفقد المواطن ثقته في العدالة، ويشعر الموظف النزيه أن نزاهته عبء، ويقتنع الشاب بأن الكفاءة لا تفتح الأبواب بقدر ما تفتحها العلاقات والولاءات.
وحين تنهار الثقة، تبدأ الدولة في خسارة أخطر رأسمال تملكه: الإيمان الجماعي بفكرة الوطن العادل.
إن الشعوب لا تثور دائمًا بسبب الفقر، بل بسبب الشعور بالإهانة، حين ترى أن القانون لا يُطبق بالتساوي، وأن من يسرق قوت الناس يستطيع الإفلات بسهولة، بينما يُحاسب الضعفاء على أبسط الأخطاء.
ولذلك فإن أي حديث جاد عن الإصلاح لا يمكن أن ينجح دون بناء منظومة عقوبات تجعل تكلفة الفساد أعلى من أرباحه. فالدول التي استطاعت حماية نفسها لم تفعل ذلك بالخطب والشعارات، بل بوجود قضاء مستقل، ورقابة قوية، وشفافية حقيقية، ومحاسبة لا تستثني أحدًا مهما كان قربه من السلطة أو حجم نفوذه.
فالدولة التي تخاف من معاقبة الفاسدين، ستجد نفسها يومًا عاجزة عن حماية الشرفاء.
إن معركة الفساد ليست معركة مالية فقط، بل معركة وجودية تتعلق بمستقبل المجتمع كله. لأن المال المنهوب لا يختفي في الفراغ، بل يتحول إلى مدرسة لم تُبنَ، ومستشفى بلا دواء، وطريق تحصد الحوادث أرواح سالكيه، وشباب يفقد الأمل في وطنه.
وعندما تُترك الشعوب في هذا الوضع طويلًا، يصبح الوطن كله مثل ذلك الطفل في الحكاية: يبكي في الظلام، بينما الذين كان يفترض أن يحرسوا مستقبله منشغلون بتقاسم الغنائم.
حمادي سيدي محمد آباتي








