قمة آسيان تحت ضغط حرب إيران: اختبار جديد لقدرة التكتل على إدارة أزمات الطاقة العالمية

أعادت القمة الثامنة والأربعون لرابطة دول جنوب شرق آسيا “آسيان”، المنعقدة في الفلبين، تسليط الضوء على الدور المتنامي للتكتل في معادلات الاقتصاد والطاقة العالميين، في ظل التداعيات المتسارعة للحرب على إيران واضطراب إمدادات النفط والغاز عبر الشرق الأوسط.
فمع تصاعد أزمة الطاقة الناتجة عن التوترات الجيوسياسية وإغلاق مضيق هرمز، برزت هشاشة الاقتصادات الآسيوية المعتمدة بشكل كبير على واردات الوقود، الأمر الذي دفع ملف أمن الطاقة إلى صدارة أجندة القمة، متقدما على ملفات إقليمية تقليدية أخرى.
وتُعد رابطة آسيان واحدة من أبرز التكتلات الاقتصادية الصاعدة عالميا، إذ تضم 11 دولة ويقترب عدد سكانها من 700 مليون نسمة، فيما يبلغ ناتجها المحلي الإجمالي نحو 3.8 تريليونات دولار، ما يجعلها سابع أكبر اقتصاد في العالم.
ورغم هذا الثقل الاقتصادي، تواجه الرابطة تحديات متزايدة في تنسيق مواقفها الجماعية، خاصة مع التفاوت الكبير بين اقتصاداتها، من حيث الحجم ومستويات التنمية والاعتماد على الطاقة الخارجية.
وتعتمد غالبية دول آسيان بشكل مباشر على واردات النفط والغاز القادمة من الشرق الأوسط، وهو ما جعل الحرب على إيران وتداعياتها تمثل تهديدا مباشرا للاستقرار الاقتصادي داخل المنطقة، سواء من خلال ارتفاع أسعار الطاقة أو اضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف النقل والإنتاج.
وخلال القمة، شدد قادة الدول الأعضاء على ضرورة تعزيز التنسيق الإقليمي لمواجهة تداعيات الأزمة، حيث دعا الرئيس الفلبيني فرديناند ماركوس الابن إلى رفع مستوى الجاهزية والمرونة الاقتصادية، مؤكدا أن استمرار اضطرابات الطاقة يمثل تحديا حقيقيا لمستقبل النمو في المنطقة.
كما ناقش وزراء الاقتصاد والطاقة داخل الرابطة مقترحات لتعزيز أمن الإمدادات، من بينها تسريع العمل باتفاق إقليمي لتقاسم النفط في حالات الطوارئ، بهدف تقليل المنافسة الداخلية وضمان استقرار الإمدادات أثناء الأزمات.
وفي المقابل، كشفت التطورات الأخيرة عن البعد الجيوسياسي المتزايد لمكانة آسيان، إذ تحولت المنطقة إلى ساحة تنافس متصاعد بين الولايات المتحدة والصين. ففي الوقت الذي تسعى فيه واشنطن إلى تعزيز نفوذها الأمني وتحالفاتها التقليدية، تعمل بكين على توسيع حضورها الاقتصادي عبر مشاريع البنية التحتية والطاقة ضمن مبادرة “الحزام والطريق”.
هذا التوازن الدقيق يضع دول جنوب شرق آسيا أمام معادلة معقدة: الحفاظ على علاقاتها الاقتصادية مع الصين، دون خسارة الشراكات الإستراتيجية مع الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه حماية اقتصاداتها من تداعيات الأزمات العالمية.
ورغم أن آسيان نجحت خلال العقود الماضية في ترسيخ نفسها كتكتل اقتصادي مؤثر، فإن أزمة الطاقة الحالية تكشف أن التحدي الحقيقي لم يعد في إصدار البيانات السياسية، بل في قدرة الرابطة على التحول إلى فاعل إقليمي يمتلك أدوات عملية لإدارة الأزمات والتعامل مع الصدمات الاقتصادية والجيوسياسية المتسارعة.









