غزواني في الإليزيه: استدعاء لنظرية ديغول لبناء عقيدة عسكرية

في لحظة مشحونة بالرمزية داخل قصر قصر الإليزيه، اختار الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني أن يظهر وهو يتصفح كتاب “نحو جيش مهني” للجنرال شارل ديغول، في مشهد لم يكن بروتوكولياً بقدر ما كان رسالة سياسية وعسكرية محسوبة.
رمزية تتجاوز الصورة
هذه اللقطة تختزل توجهاً استراتيجياً لدى نواكشوط: الانتقال من جيش تقليدي إلى مؤسسة عسكرية حديثة قائمة على الاحتراف والتكنولوجيا. فديغول، الذي صاغ في ثلاثينيات القرن الماضي تصوراً لجيش مرن ومتطور، كان يراهن على التفوق التقني لمواجهة تهديدات متصاعدة—وهو منطق يجد صداه اليوم في بيئة الساحل المعقدة.
مباحثات مغلقة… وأولويات مكشوفة
خلف الأبواب المغلقة، عقد ولد الشيخ الغزواني جلسة مباحثات مع نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون، وسط ترجيحات بأن الملف الأمني تصدّر النقاش.
المعطيات الإقليمية تفرض نفسها: تمدد الجماعات المسلحة في الساحل، وتزايد تدفقات الهجرة غير النظامية، وتراجع الأدوار التقليدية للقوى الدولية في المنطقة.
ماكرون وصف موريتانيا بـ”الشريك الموثوق”، في إشارة إلى موقعها الخاص ضمن إعادة تشكيل النفوذ الفرنسي في الساحل، حيث باتت نواكشوط أحد آخر مرتكزات التعاون الأمني الفعال.
هاجس أمني متعدد الأبعاد
بالنسبة لموريتانيا، لا يتعلق التهديد فقط بالحدود الشرقية مع مالي، بل بمنظومة مخاطر مركبة:
انتشار الجماعات المسلحة
ضغط الهجرة غير النظامية
هشاشة المجال الإقليمي
وقد حذر الرئيس الموريتاني من احتمال توسع الأزمة جغرافياً، مع ما يحمله ذلك من تداعيات تتجاوز الإقليم إلى أنماط الهجرة العالمية.
نحو جيش تكنولوجي
التحول الذي تلوّح به نواكشوط لا يقتصر على زيادة العتاد، بل يتعلق بإعادة تعريف مفهوم القوة العسكرية.
الحروب الحديثة لم تعد تُحسم بالجيوش التقليدية، بل بأدوات مثل:
الطائرات المسيّرة
أنظمة الدفاع الجوي
الاستخبارات التقنية
في هذا السياق، تسعى موريتانيا إلى الاستفادة من الخبرة الفرنسية، ليس فقط في التسليح، بل في بناء عقيدة عسكرية جديدة قائمة على الاستباق والمرونة.
شراكة تحت الاختبار
تعويل نواكشوط على باريس يعكس براغماتية واضحة، لكنه أيضاً يضع العلاقة أمام اختبار حقيقي:
هل تستطيع فرنسا، في ظل تراجع نفوذها الإقليمي، أن تواكب طموحات موريتانيا الأمنية؟
في المقابل، يبدو أن ولد الشيخ الغزواني يراهن على مقاربة مزدوجة:
تعزيز القدرات العسكرية من جهة، والحفاظ على الاستقرار الداخلي عبر أدوات سياسية واجتماعية من جهة أخرى.
خلاصة
لم تكن صورة كتاب ديغول مجرد تفصيل عابر، بل تعبير مكثف عن لحظة تحول في التفكير الاستراتيجي الموريتاني.
ففي عالم تتغير فيه طبيعة التهديدات بسرعة، تحاول نواكشوط إعادة تموضعها—بجيش أكثر حداثة، وشراكات أكثر انتقائية، ورؤية أمنية تتجاوز الحدود التقليدية.









