ثقافة

بين الواقعية والحذر: هل تعود موريتانيا إلى المدار الفرنسي؟

مقالك يلتقط تحوّلًا حقيقيًا في المزاج العام والعلاقات، لكنه يفتح أيضًا بابًا مهمًا للنقاش: كيف نوازن بين البراغماتية السياسية والذاكرة التاريخية؟

لا يمكن قراءة زيارة محمد ولد الشيخ الغزواني إلى باريس خارج سياق التحولات العميقة التي تضرب منطقة الساحل، ولا بعيدًا عن الإرث الثقيل الذي تركته فرنسا في مستعمراتها السابقة، ومنها موريتانيا.

صحيح أن العلاقات الدولية لا تُدار بالعواطف، بل بالمصالح، لكن من الخطأ الفادح أن تُبنى هذه المصالح على ذاكرة مثقوبة أو قراءة ساذجة للتاريخ. ففرنسا، التي تعود اليوم بخطاب الشراكة، ليست فاعلًا جديدًا في المنطقة، بل قوة قديمة أعادت تشكيل المجال الاجتماعي والسياسي بما يخدم استمرار نفوذها، عبر أدوات متعددة، من بينها اللغة، والنخب الإدارية، وحتى البنية الرمزية للدولة.

لقد نهبت فرنسا، كما هو موثق تاريخيًا، جزءًا معتبرًا من ثروات المنطقة، ولم تكتفِ بذلك، بل ساهمت في زرع بذور التفاوت والانقسام بين مكونات المجتمع، ضمن سياسة استعمارية كلاسيكية تقوم على “فرّق تسد”. ولم يكن فرض اللغة الفرنسية كلغة إدارة وتعليم مجرد خيار ثقافي، بل أداة هيمنة طويلة الأمد، ما تزال آثارها حاضرة حتى اليوم.

وفي هذا السياق، فإن أي تقارب جديد يجب أن يُقرأ بعين الحذر لا الحنين. فالمناخ الإقليمي في الساحل لم يعد يشجع على الارتهان لقوة واحدة، خاصة في ظل التحولات التي يشهدها منطقة الساحل، حيث تتراجع الأدوار التقليدية لصالح قوى جديدة. فحضور روسيا، وتمدّد تركيا، إضافة إلى انخراط حلف شمال الأطلسي، يعكس صراع نفوذ مفتوح، لا مكان فيه للحياد الساذج.

الأخطر من ذلك، أن فرنسا لا تزال تنظر إلى دول الساحل من زاوية أمنية ضيقة، تختزلها في دور “حارس الحدود” في مواجهة الهجرة غير النظامية نحو أوروبا. وهذا التصور لا يخدم بالضرورة المصالح الموريتانية، بقدر ما يعيد إنتاج علاقة غير متكافئة، تُختزل فيها الدولة إلى وظيفة أمنية.

كما أن الوضع في مالي، بما يحمله من تعقيدات أمنية وتداخلات دولية، يجعل من أي انخراط غير محسوب مخاطرة استراتيجية. ففرنسا، التي فقدت جزءًا كبيرًا من نفوذها هناك، قد تسعى إلى تعويض ذلك عبر شركاء جدد، وهو ما يفرض على نواكشوط يقظة مضاعفة حتى لا تُستدرج إلى صراعات لا تخدم أولوياتها الوطنية.

إن الرهان الحقيقي لموريتانيا اليوم ليس في استبدال شريك بآخر، بل في بناء سياسة خارجية متوازنة، تقوم على تنويع الشراكات، وتعظيم المصالح، دون التفريط في السيادة أو الوقوع في فخ الاستقطاب الدولي.

التقارب مع فرنسا ممكن، بل وقد يكون مفيدًا في بعض المجالات كالتكوين والتقنيات، لكن بشروط واضحة: شراكة متكافئة، نقل حقيقي للمعرفة، واحترام للخيارات الوطنية. أما غير ذلك، فليس سوى إعادة تدوير لعلاقة قديمة بثوب جديد.

باختصار: مرحبًا بالتعاون، نعم… لكن دون أوهام.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى