ثقافة

انحدار الخطاب السياسي في موريتانيا: من أزمة النخب إلى تهديد الدولة الوطنية

بقلم: حمادي سيدي محمد آباتي

يحملُ انحدارُ الخطاب السياسي في موريتانيا دلالاتٍ أعمق من مجرد التراشق اللفظي أو الفوضى التي تعجّ بها منصات التواصل الاجتماعي؛ فهو في جوهره انعكاسٌ لأزمةٍ تاريخية في بناء الدولة الوطنية، ولخللٍ متراكم في الوعي السياسي، ولعجز النخب عن إنتاج مشروع جامع يتجاوز العصبيات الضيقة. لقد تحوّل الفضاء السياسي، في كثير من الأحيان، من مجالٍ للتنافس حول البرامج والرؤى إلى ساحةٍ لإعادة إنتاج الانقسامات القبلية والشرائحية والعرقية، حتى بات الخطاب السياسي نفسه عاملاً من عوامل التوتر بدل أن يكون أداةً لبناء السلم الأهلي وترسيخ المواطنة.

إن المتأمل في طبيعة الخطاب المتداول اليوم يلاحظ أنه يقوم على ثلاث سمات خطيرة: التحريض، والتخوين، والاختزال الهوياتي. فبدل أن تناقَش قضايا الفقر والتنمية والتعليم والعدالة، تُستدعى الانتماءات الأولية بوصفها أدوات تعبئة سياسية. وهنا لا يعود المواطن مواطناً كاملاً، بل يتحول إلى فردٍ داخل قبيلة، أو شريحة، أو مجموعة إثنية يُطلب منها الاصطفاف دفاعاً عن “الهوية” لا عن المصلحة الوطنية.

ولا يمكن فهم هذا الواقع بمعزل عن السياق التاريخي الذي نشأت فيه التعددية السياسية في موريتانيا. فقد جاءت التحولات السياسية في نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات بصورةٍ متسارعة، متأثرةً بموجة التحول الديمقراطي التي اجتاحت العالم بعد سقوط المعسكر الشرقي، وضغوط القوى الدولية، خاصة النموذج الفرنسي الذي شجع على الانفتاح السياسي في مستعمراته السابقة. غير أن الانتقال إلى التعددية تم في مجتمعٍ لم يكن قد استكمل بعد شروط النضج السياسي والمؤسساتي، حيث ظل التعليم هشاً، والوعي المدني محدوداً، والدولة الوطنية نفسها لم تستطع تفكيك البنى التقليدية لصالح مفهوم المواطنة الحديثة.

في مثل هذا السياق، وجدت بعض النخب في الخطاب الفئوي والقبلي طريقاً سهلاً للوصول إلى النفوذ. فبدل بناء أحزاب ذات مشاريع وطنية، جرى الاستثمار في العصبيات المحلية والشرائحية، لأن تعبئة الناس على أساس الانتماء الضيق أقل كلفة وأكثر فعالية في مجتمعٍ ما تزال فيه القبيلة حاضرةً بقوة في الوعي الاجتماعي. وهكذا تحولت السياسة، تدريجياً، إلى امتدادٍ للبنية التقليدية بدل أن تكون أداةً لتجاوزها.

ومع ذلك، فإن الخطاب الفئوي لم يكن دائماً مهيمناً بالصورة التي يبدو عليها اليوم. ففي مراحل معينة، خصوصاً خلال صعود الحركات القومية واليسارية والإسلامية، خفَّ حضورُه نسبياً، لأن تلك الحركات ـ رغم اختلافاتها ـ قدمت تصوراتٍ تتجاوز الإطار القبلي والعرقي نحو مشاريع فكرية وأيديولوجية أوسع. غير أن عودة السلطة إلى الاعتماد على الزعامات التقليدية، خاصة في فترات الأزمات السياسية واهتزاز الشرعية، أعادت إحياء البنية القبلية ومنحتها دوراً مركزياً في التسيير السياسي والإداري والمالي.

لقد أدّى هذا التوجه إلى نتائج خطيرة. فحين تصبح القبيلة وسيلةً للوصول إلى الوظيفة والثروة والنفوذ، يتراجع معيار الكفاءة، ويستشري الفساد، وتتحول الدولة إلى مجالٍ لتوزيع الامتيازات لا لخدمة الصالح العام. وعندما يشعر المواطن بأن انتماءه القبلي أو العرقي هو الطريق الوحيد للحصول على الحقوق، فإن الإحساس بالغبن يتعمق، ويصبح الخطاب المتطرف أكثر قابليةً للانتشار.

ومن هنا يمكن فهم المناخ الذي مهّد للأحداث الأليمة التي عرفتها البلاد أواخر الثمانينيات وبداية التسعينيات. فقد ولّدت التوترات السياسية والاجتماعية خطاباً متبادلاً من الشك والكراهية بين مكونات المجتمع، ثم جاءت الأحداث الدامية لتترك جروحاً عميقة ما تزال آثارها النفسية والسياسية قائمة إلى اليوم. كما ساهمت تلك المرحلة في تدويل الأزمة، حيث تحركت بعض القوى المعارضة في الخارج لاستقطاب الرأي العام الدولي، بينما سعت السلطة إلى بناء تحالفات إقليمية ودولية تحميها من الضغوط، فازدادت الأزمة تعقيداً.

لكن أخطر ما في المشهد الحالي ليس مجرد وجود خطاب متطرف، بل تحوّل وسائل التواصل الاجتماعي إلى منصات مفتوحة لإعادة إنتاجه بصورة يومية. فقد ألغت هذه الوسائط الكثير من الضوابط الأخلاقية والثقافية، وأصبح بإمكان أي شخص أن يتحول إلى “فاعل سياسي” دون معرفة أو مسؤولية، فانتشرت لغة السب والتحريض والشائعات، وتراجعت قيمة الفكر والتحليل الرصين. وهنا يظهر أثر التدهور التعليمي والثقافي بوضوح؛ إذ إن المجتمع الذي لا يملك قاعدة تعليمية قوية يصبح أكثر قابليةً للانجرار وراء الخطابات الانفعالية والشعبوية.

غير أن تحميل المسؤولية للعامة وحدهم سيكون تبسيطاً مخلاً؛ فالنخب السياسية والثقافية تتحمل القسط الأكبر من الأزمة. ذلك أن جزءاً من هذه النخب تخلى عن دوره التنويري، وانخرط في لعبة التحشيد الفئوي سعياً إلى النفوذ أو المكاسب. وبعضها بات يعتبر الانقسام الاجتماعي فرصةً سياسية لا خطراً وطنياً. وهنا تكمن المأساة الحقيقية: حين تتحول النخبة من قوة بناء إلى أداة استثمار في الأزمات.

إن موريتانيا اليوم تقف أمام منعطف حساس، خاصة مع دخولها مرحلة الثروات الطبيعية الكبرى من غاز ومعادن وموقع جيواستراتيجي متزايد الأهمية. والتجارب الإفريقية والعالمية تثبت أن الثروات قد تتحول إلى لعنة حين توجد في بيئات سياسية هشة ومجتمعات منقسمة. فكثير من الدول لم تسقط بسبب الفقر، بل بسبب سوء إدارة الثروة، وتحولها إلى عامل صراع داخلي وتدخل خارجي.

ولهذا فإن علاج انحدار الخطاب السياسي لا يمكن أن يكون أمنياً أو ظرفياً فقط، بل يحتاج إلى مشروع وطني عميق يعيد بناء فكرة الدولة والمواطنة. وأول شروط هذا المشروع هو إصلاح التعليم، لأن المدرسة هي المصنع الحقيقي للوعي الوطني. فلا يمكن بناء خطاب عقلاني في مجتمعٍ يعاني من ضعف القراءة والتفكير النقدي. كما أن الإعلام مطالبٌ بالخروج من منطق الإثارة والتحريض إلى منطق التثقيف والتنوير.

كذلك تحتاج البلاد إلى مصالحة وطنية صادقة مع تاريخها، تقوم على الاعتراف بالآلام المشتركة لا استثمارها سياسياً. فالأمم لا تتقدم وهي أسيرة جراحها المفتوحة، ولا يمكن بناء مستقبل مشترك دون ذاكرة عادلة ومتوازنة.

ومن الضروري أيضاً إعادة الاعتبار للعمل السياسي بوصفه خدمةً عامة لا وسيلةً لتقاسم الامتيازات. فالدولة الحديثة لا تُبنى بالولاءات الضيقة، وإنما بالكفاءة وسيادة القانون واستقلال القضاء والعدالة في توزيع الفرص. وكلما شعر المواطن أن حقوقه مضمونة بوصفه مواطناً، تراجعت حاجته إلى الاحتماء بالقبيلة أو العرق أو الجهة.

إن موريتانيا ليست فقيرة في إمكاناتها البشرية والثقافية، لكنها بحاجة إلى نخبة تاريخية تدرك أن استمرار الانقسام خطرٌ على الجميع، وأن الوطن أكبر من المصالح العابرة. فالمجتمعات لا تنهار فجأة، بل يبدأ انهيارها حين تفقد القدرة على الحوار العقلاني، وحين يتحول الخطاب العام إلى وقود للكراهية بدل أن يكون جسراً للتفاهم.

ولعل الأمل ما يزال قائماً، لأن الشعوب التي تعي أزماتها بصدق تستطيع أن تتجاوزها. أما الشرط الأساسي لذلك فهو الانتقال من سياسة الغلبة إلى ثقافة الدولة، ومن منطق العصبية إلى منطق المواطنة، ومن خطاب التخندق إلى خطاب الشراكة الوطنية. حينها فقط يمكن للخطاب السياسي أن يستعيد وظيفته الحقيقية: بناء الإنسان والوطن، لا تمزيقهما.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى