رياضة

كيف تحولت فرنسا إلى مصنع عالمي للمواهب الكروية؟

أعاد المدافع البلجيكي توماس مونييه فتح النقاش حول الهيمنة الفرنسية على كرة القدم العالمية، بعدما أكد أن فرنسا تمتلك من المواهب ما يكفي لتشكيل ثلاثة منتخبات قادرة جميعها على المنافسة على لقب كأس العالم.

ولم يكن حديث مونييه مجرد مبالغة إعلامية، بل تؤيده الأرقام بشكل واضح؛ إذ تشير بيانات موقع “ترانسفر ماركت” إلى أن القيمة السوقية للاعبين الفرنسيين المستبعدين من القائمة النهائية لكأس العالم تتجاوز 418 مليون يورو، بمتوسط يقارب 38 مليون يورو للاعب الواحد.

وتضم هذه التشكيلة الاحتياطية أسماء بارزة مثل إدواردو كامافينغا، موسى ديابي، ليني يورو، خيفرين تورام، وسيني مايولو، وهي أسماء تفوق قيمتها السوقية قوائم أساسية لمنتخبات كبرى مثل البرتغال والبرازيل وهولندا وحتى الأرجنتين بطلة العالم.

لكن السؤال الأهم يبقى: كيف تحولت فرنسا من منتخب عانى طويلا من الإخفاقات بين ثلاثينيات وسبعينيات القرن الماضي إلى القوة الكروية الأكثر استقرارا وإنتاجا للمواهب في العالم؟

الثورة بدأت من الفشل

تعود جذور التحول الفرنسي إلى أوائل السبعينيات، حين قرر الاتحاد الفرنسي لكرة القدم إعادة بناء المشروع الكروي بالكامل بعد سنوات طويلة من النتائج المخيبة.

وفي تلك المرحلة، تم إطلاق مشروع “مراكز التكوين” أو الأكاديميات الوطنية المتخصصة، بهدف اكتشاف المواهب وصقلها وفق منهج علمي طويل الأمد، بدعم مباشر من الدولة الفرنسية التي رأت في الرياضة أداة لتعزيز الهوية الوطنية وتحقيق الإنجازات الدولية.

وكان افتتاح أول مركز تكوين في مدينة “فيشي” عام 1974 نقطة الانطلاق الحقيقية لهذا المشروع، قبل أن تتوسع الشبكة لاحقا إلى 16 مركزا موزعة في أنحاء فرنسا والأقاليم التابعة لها.

من جيل بلاتيني إلى جيل زيدان

بدأت نتائج المشروع تظهر تدريجيا مع الجيل الذهبي في الثمانينيات بقيادة ميشيل بلاتيني وآلان جيريس وجان تيجانا، حيث توجت فرنسا ببطولة أوروبا 1984 وحققت حضورا قويا عالميا.

لكن القفزة الكبرى جاءت في مونديال 1998، عندما تُوج المنتخب الفرنسي بلقب كأس العالم لأول مرة على أرضه، بفريق متعدد الأعراق عُرف باسم “بلاك-بلان-بور”، في إشارة إلى التنوع العرقي والثقافي داخل المنتخب.

ذلك الجيل، الذي قاده زين الدين زيدان وبرنارد لاما وديدييه ديشان، كان أول دليل حقيقي على نجاح منظومة الأكاديميات الفرنسية في إنتاج لاعبين يجمعون بين الجودة الفنية والانضباط التكتيكي.

ومنذ ذلك الحين، واصلت فرنسا حضورها القوي عالميا، ففازت بكأس العالم 2018، وبلغت نهائي نسختي 2006 و2022، مع استمرار تدفق المواهب بوتيرة غير مسبوقة.

الخلطة الفرنسية الخاصة

يرى خبراء الكرة أن سر التفوق الفرنسي لا يرتبط فقط بالبنية التحتية، بل بمزيج فريد يجمع بين التنوع الاجتماعي والتكوين العلمي والاحتكاك المبكر بالمنافسة.

فالأحياء الشعبية وضواحي باريس تحولت إلى بيئة مثالية لصناعة اللاعبين، حيث ينشأ الأطفال وسط منافسة يومية قوية في الشوارع والساحات، ما يمنحهم شخصية قتالية ومهارات فردية عالية.

وفي الوقت نفسه، تعمل الأكاديميات الفرنسية على صقل هذه المهارات ضمن منظومة تكتيكية دقيقة، تجمع بين الإبداع والانضباط الجماعي.

ويؤكد الكشافون والمدربون أن فرنسا نجحت أيضا في التعامل مع اللاعب كإنسان قبل أن يكون مجرد مشروع رياضي، من خلال توفير التعليم والدعم النفسي والاجتماعي إلى جانب التدريب، وهو ما ساعد على استقرار المواهب وتطورها بشكل أفضل.

باريس.. عاصمة المواهب

باتت ضواحي باريس توصف اليوم بأنها واحدة من أكبر خزانات المواهب الكروية في العالم، إلى جانب مدن برازيلية مثل ساو باولو.

وتنتشر في هذه المناطق أندية صغيرة وأكاديميات محلية تهتم بالأطفال منذ سن مبكرة، وتوفر لهم فرص التطور الرياضي والدراسي في آن واحد، مما جعل فرنسا تتفوق بشكل واضح في تصدير اللاعبين إلى أكبر الأندية الأوروبية.

ومع استمرار هذا النظام في العمل بكفاءة، تبدو فرنسا مرشحة للحفاظ على تفوقها الكروي لسنوات طويلة، ليس فقط بفضل النجوم الحاليين مثل كيليان مبابي وعثمان ديمبيلي، بل أيضا بسبب الأجيال الجديدة التي تتدفق باستمرار من مصانع المواهب الفرنسية.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى