اقتصاد

صدمة مضيق هرمز تمتد إلى أسواق الأسمدة.. تراجع الشحنات يخفي أزمة إمدادات مؤجلة

🔊استمع إلى المقالجاهز
0%
اضغط تشغيل لبدء قراءة المقال
استمع إلى المقال

قد يوحي التراجع الحاد في أسعار اليوريا بأن أسواق الأسمدة نجحت في تجاوز تداعيات اضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز، لكن أرقام التجارة تكشف صورة أكثر تعقيدا. ففي حين هبط أقل عرض في مناقصة هندية لشراء اليوريا إلى 390 دولارا للطن في أغسطس/آب، بعدما بلغ السعر 959 دولارا في أبريل/نيسان، تراجعت كميات شحن عدد من السلع الإستراتيجية بنسب كبيرة، ما يشير إلى أن هدوء الأسعار لا يعني بالضرورة عودة سلاسل الإمداد إلى وضعها الطبيعي.

وتبرز هذه المفارقة في تقرير لمركز التجارة الدولية، تناوله نديم الملاح ضمن نافذة اقتصادية على الجزيرة، إذ يلفت التقرير إلى أهمية التمييز بين قيمة التجارة بالدولار وحجم السلع المتداولة فعليا. فقد تؤدي الأسعار المرتفعة إلى إخفاء الانخفاض الحقيقي في الكميات، وهو ما يجعل قراءة السوق من خلال القيمة النقدية وحدها مضللة في أوقات الأزمات.

وفي حالة مضيق هرمز، لا تقتصر التداعيات على النفط والغاز، بل تمتد إلى الأسمدة والمواد البتروكيماوية، لتصل آثار اضطراب الممر البحري في نهاية المطاف إلى تكاليف الزراعة وإنتاج الغذاء.

هرمز.. ممر للطاقة والأسمدة والمواد الصناعية

غالبا ما ينظر إلى مضيق هرمز باعتباره أحد أهم شرايين تجارة الطاقة العالمية، غير أن أهميته تتجاوز النفط والغاز إلى مجموعة واسعة من السلع التي تدخل في الصناعات والزراعة.

ووفقا للدراسة، يمر عبر المضيق نحو 33.3% من تجارة اليوريا العالمية، إلى جانب كميات كبيرة من الميثانول والأمونيا والألمنيوم ومواد بتروكيماوية وصناعية أخرى.

ورصد التقرير حركة 12 سلعة إستراتيجية تصدرها 7 اقتصادات تعتمد بدرجات مختلفة على هذا الممر البحري، وخلص إلى أن كميات صادرات هذه السلع تراجعت في المتوسط بنحو 54% خلال عام.

ويكتسب التركيز على الكميات أهمية خاصة؛ لأن ارتفاع أسعار السلع قد يحافظ على القيمة الإجمالية للتجارة أو يقلل ظاهريا من حجم التراجع، رغم انخفاض كميات المنتجات التي تصل فعليا إلى الأسواق.

فالمصنع لا يحتاج إلى قيمة مالية مجردة، وإنما إلى أطنان محددة من المواد الخام، كما أن المزارع يحتاج إلى السماد في الوقت المناسب لبدء موسم الزراعة. ولذلك فإن نقص الكميات قد يتحول إلى مشكلة اقتصادية حتى لو بدت مؤشرات القيمة التجارية أقل سوءا.

الغاز الطبيعي المسال الأكثر تضررا

كان الغاز الطبيعي المسال بين أكثر السلع تأثرا باضطرابات الملاحة، إذ تراجعت صادراته بنسبة بلغت 95%، بحسب التقرير.

وجاءت اليوريا في المرتبة التالية بانخفاض بلغ 83%، ثم الميثانول بنسبة 80%، والأمونيا بنسبة 75%.

أما بوليمر البولي بروبيلين فكان الأقل تضررا ضمن السلع التي تناولتها الدراسة، مع انخفاض في الصادرات بلغ نحو 24%.

وتكشف هذه الأرقام عن اتساع نطاق تداعيات اضطراب هرمز، إذ لم تعد المشكلة مرتبطة بتأخر ناقلات النفط فقط، بل أصبحت تمس مواد أساسية تدخل في إنتاج الطاقة والصناعة والزراعة.

فجوة ضخمة في صادرات النفط والغاز

انعكس اضطراب حركة الملاحة أيضا على كميات الطاقة المتداولة عبر المضيق.

ففي أبريل/نيسان، وبالمقارنة مع الشهر نفسه من العام السابق، تراجعت صادرات النفط الخام عبر الممر بنحو 205 ملايين برميل، في حين انخفضت صادرات المنتجات النفطية المكررة بنحو 7.3 ملايين طن.

كما هبطت صادرات الغاز الطبيعي المسال بنحو 5.5 ملايين طن، وهي أرقام توضح حجم الفجوة التي خلفها تراجع حركة الشحن.

ولا يعني وجود بدائل في السوق العالمية أن التعويض يتم بسهولة؛ فالسلع الاستراتيجية لا يمكن دائما تحويل مساراتها أو زيادة إنتاجها بالسرعة المطلوبة، كما أن الموردين البدلاء قد يواجهون قيودا في القدرات الإنتاجية أو النقل أو البنية التحتية.

اليابان وتايلاند.. اختلاف القدرة على تجاوز الصدمة

تقدم اليابان وتايلاند مثالين على اختلاف قدرة الدول المستوردة على التعامل مع اضطراب الإمدادات.

وتعتمد اليابان تقليديا على الشرق الأوسط في نحو 91% من وارداتها النفطية، ولذلك تراجعت وارداتها من النفط الخام بنسبة 64% في أبريل/نيسان.

في المقابل، تمكنت تايلاند من زيادة وارداتها من موردين لا تعتمد شحناتهم على مضيق هرمز بنسبة 62%، في محاولة لتعويض جزء من الإمدادات المتأثرة بالاضطراب.

وتشير هذه المقارنة إلى أن حجم التأثير لا تحدده درجة الاعتماد على المنطقة وحدها، بل تلعب سرعة العثور على مصادر بديلة والقدرة على تأمين شحنات من مسارات أخرى دورا حاسما في تحديد حجم الضرر.

ومع ذلك، لم تكن البدائل كافية لتعويض كامل النقص. فقد رفع الموردون من خارج المنطقة شحناتهم في 10 من السلع الـ12 التي تناولتها الدراسة، لكن الزيادة لم تتمكن في معظم الحالات من سد فجوة الإمدادات بالكامل.

وكان التعويض أكثر وضوحا في الأمونيا والبولي بروبيلين، بينما بقيت الفجوات كبيرة في سلع أساسية أخرى، وعلى رأسها الغاز الطبيعي المسال واليوريا.

اليوريا تكشف الوجه الزراعي لأزمة هرمز

تكمن أهمية اليوريا في أنها ليست مجرد سلعة صناعية متأثرة بحركة التجارة، بل سماد نيتروجيني أساسي تعتمد عليه محاصيل زراعية واسعة لرفع الإنتاجية.

ولهذا فإن تراجع شحنات اليوريا يمكن أن يتحول إلى زيادة في تكاليف الزراعة، خصوصا في البلدان التي تعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد، أو عندما تتزامن اضطرابات الإمداد مع اقتراب مواسم الزراعة.

وهنا تظهر المفارقة الأبرز في الأزمة: كميات اليوريا تراجعت بشدة، بينما انخفض سعرها لاحقا بصورة كبيرة.

فالهند، التي تعد أكبر مستورد لليوريا في العالم، دفعت 959 دولارا للطن في أبريل/نيسان، قبل أن يتراجع السعر إلى 449 دولارا في يونيو/حزيران، ثم إلى 390 دولارا للطن كأقل عرض في مناقصة أغسطس/آب.

ويبدو الرقم الأخير، للوهلة الأولى، وكأنه دليل على انتهاء أزمة الإمدادات وعودة السوق إلى التوازن. لكن قراءة أعمق للبيانات تقود إلى استنتاج مختلف.

لماذا انخفض سعر اليوريا رغم تراجع الإمدادات؟

يربط التقرير انخفاض أسعار اليوريا بتراجع الطلب الفوري، وليس بالضرورة بعودة الإمدادات إلى مستوياتها الطبيعية.

فمزارعو النصف الشمالي من الكرة الأرضية كانوا قد أمّنوا جزءا كبيرا من احتياجاتهم لموسم الزراعة مسبقا، الأمر الذي قلل الضغط على السوق في الفترة اللاحقة.

وبالتالي، فإن انخفاض السعر قد يعكس تأجيل الطلب أكثر مما يعكس حل مشكلة المعروض.

وهذا الفارق جوهري؛ لأن السوق يمكن أن تشهد انخفاضا في الأسعار خلال فترة هدوء الطلب، ثم تعود الضغوط بسرعة عندما يبدأ موسم زراعي جديد وترتفع الحاجة إلى الأسمدة.

ومن هنا يبرز احتمال أن تكون الأزمة الحالية أقرب إلى أزمة مؤجلة منها إلى أزمة انتهت فعليا. فإذا استمر اضطراب الملاحة ولم تتوسع مصادر الإمداد البديلة قبل الموسم الزراعي المقبل، فقد تظهر فجوة جديدة عندما يرتفع الطلب مجددا.

أسعار منخفضة لا تعني بالضرورة وفرة

تكشف حالة اليوريا عن مشكلة أوسع في تفسير مؤشرات الأسواق خلال الأزمات. فالأسعار ليست المؤشر الوحيد الذي ينبغي مراقبته، بل يجب النظر أيضا إلى حجم الشحنات، والمخزونات، وقدرة المنتجين على زيادة الإمدادات، وسرعة وصول السلع إلى المستوردين.

وقد تنخفض الأسعار مؤقتا نتيجة ضعف الطلب، حتى في الوقت الذي تكون فيه القدرة على تأمين الإمدادات المستقبلية محدودة.

ولهذا فإن التراجع من 959 إلى 390 دولارا للطن لا يعني تلقائيا أن سوق اليوريا استعادت كامل توازنها، بل يجب ربطه بتطورات التجارة والمخزونات والمواسم الزراعية المقبلة.

قيود التصدير تضيف طبقة جديدة من الأزمة

ولا تتوقف تداعيات اضطراب هرمز عند حركة السفن والأسعار، إذ يمكن أن تنتقل الضغوط إلى السياسات التجارية للدول المنتجة.

فعندما تشعر الدول بوجود خطر على إمدادات أسواقها المحلية، قد تلجأ إلى فرض قيود على تصدير الأسمدة أو إخضاع عمليات التصدير لأنظمة ترخيص، بهدف تأمين احتياجات السوق الداخلية.

لكن مثل هذه الإجراءات قد تنقل الأزمة من قطاع النقل إلى التجارة الدولية، وتقلل الخيارات المتاحة أمام الدول المستوردة.

ووفقا لما أورده التقرير نقلا عن منظمة التجارة العالمية، يمكن أن تشمل قيود التصدير والتراخيص ما يصل إلى 15% من تجارة الأسمدة العالمية.

ولا يعني ذلك أن 15% من تجارة الأسمدة تعرضت فعليا للخسارة، بل يشير إلى الحد المحتمل لحجم التجارة التي يمكن أن تتأثر بهذه الإجراءات.

ومع تقلص حركة السلع عبر مضيق هرمز من جهة، واتساع القيود التجارية في بعض الدول من جهة أخرى، يصبح المستوردون أمام خيارات أقل ومنافسة أكبر على الكميات المتاحة.

من الناقلات إلى المزارع

تكشف أزمة هرمز أن اضطرابات طرق التجارة العالمية لا تتوقف آثارها عند الموانئ وشركات الشحن.

فاضطراب حركة ناقلات الطاقة والمواد الخام يمكن أن يرفع تكاليف الصناعة، ويؤثر في إنتاج البتروكيماويات والأسمدة، ثم ينتقل إلى القطاع الزراعي عبر ارتفاع كلفة المدخلات أو نقصها.

وتبرز اليوريا بوصفها المثال الأكثر وضوحا على هذه السلسلة؛ فالممر البحري يؤثر في حركة الشحن، واضطراب الشحن يضغط على كميات الإمدادات، ثم يمكن أن ينعكس ذلك على توافر السماد وتكلفة إنتاج المحاصيل.

لذلك فإن صدمة مضيق هرمز لا يمكن قياسها بأسعار النفط أو قيمة التجارة وحدهما. فالمؤشر الأكثر دلالة قد يكون ما يصل فعليا من السلع إلى الأسواق، وما إذا كانت البدائل قادرة على سد الفجوات قبل عودة الطلب إلى الارتفاع.

وفي ظل استمرار هشاشة سلاسل الإمداد، قد لا تكون الأسعار المنخفضة حاليا نهاية القصة، بل فترة هدوء تسبق موجة جديدة من الضغوط إذا عادت الحاجة إلى الأسمدة والطاقة إلى الارتفاع قبل استعادة تدفقات التجارة لمستوياتها الطبيعية.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى