تحقيقات

الميزانية الموريتانية بين طموح التنمية القاعدية وواقع الأعباء الإجتماعية

🔊استمع إلى المقالجاهز
0%
اضغط تشغيل لبدء قراءة المقال
استمع إلى المقال

لا يمكن الحكم على كفاية الميزانية الحكومية الموريتانية لسنة 2026 في تحقيق التنمية القاعدية بمعزل عن بنيتها الداخلية. الأرقام الرسمية تشير إلى ميزانية معدلة حجمها نحو 1.403 تريليون أوقية قديمة (140.3 مليار أوقية جديدة)، بارتفاع عن النسخة الأصلية البالغة 1.322 تريليون . لكن السؤال الجوهري ليس حجم الميزانية، بل نسبة ما يذهب منها إلى التنمية القاعدية فعلياً، مقابل ما تلتهمه الأعباء الجارية والرواتب والدعم الظرفي.

الخلاصة التي يفرضها التحليل:

الميزانية الحالية غير كافية لتحقيق نقلة نوعية في التنمية القاعدية، ليس لأن أرقامها صغيرة، بل لأن هيكلها يجعل التنمية القاعدية رهينة لما يتبقى بعد الرواتب والدعم والتحويلات. والزيارات المتكررة للميزانية (قانون مالي معدل) تعكس بدورها ضغطاً ظرفياً على الإنفاق الاجتماعي والرواتب، لا توجهاً استراتيجياً نحو القاعدة.

أولاً: لماذا لا تكفي الميزانية الحالية للتنمية القاعدية؟

  1. الأعباء الجارية تلتهم الحيز المالي

في مشروع الميزانية الأصلي لسنة 2026، بلغت النفقات الجارية 68.68 مليار أوقية جديدة من أصل 127.07 مليار، أي ما يزيد عن 54% من إجمالي النفقات . الرواتب وحدها بلغت 30.64 مليار أوقية، والسلع والخدمات 12.26 مليار، والإعانات والتحويلات الجارية 13.5 مليار. هذا يعني أن أكثر من نصف الميزانية يذهب إلى تشغيل الدولة والدعم الجاري، قبل أن يصل أي شيء إلى الاستثمار في المدارس والمراكز الصحية والطرق القروية.

  1. الدعم الظرفي يزحف على الاستثمار

التعديل الأخير للميزانية رفع الإنفاق إلى 140 مليار أوقية، لكنه جاء مصحوباً بـ”زيادة في نفقات التسيير وتراجع طفيف في نفقات الاستثمار” . كما تم تخصيص 1.2 مليار أوقية جديدة لبرنامج “عون” لدعم أكثر من مليوني مواطن، وتحويلات استثنائية للموظفين والمتقاعدين . هذه التدابير ضرورية اجتماعياً، لكنها تستهلك الحيز المالي الذي كان يمكن توجيهه إلى التنمية القاعدية، وتحوّل الميزانية من أداة استثمارية إلى أداة إدارة أزمات معيشية.

  1. الاستثمار الداخلي الممول ذاتياً لا يزال محدوداً

النفقات الرأسمالية في الميزانية الأصلية بلغت 58.39 مليار أوقية جديدة، منها 46.62 مليار ممولة محلياً و11.77 مليار ممولة خارجياً . ورغم أن الاستثمار الممول محلياً يمثل نسبة معقولة، فإن جزءاً كبيراً منه يذهب إلى مشاريع البنية التحتية الكبرى والطاقة، وليس بالضرورة إلى التنمية القاعدية بالمعنى المباشر: التعليم الأساسي، الصحة الأولية، المياه القروية، التغذية المدرسية.

  1. العجز الأولي غير الاستخراجي مؤشر بنيوي

الرصيد الأولي غير الاستخراجي (باستثناء الهبات) يسجل عجزاً قدره 17.05 مليار أوقية جديدة في 2026، أي ما يعادل 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي . هذا يعني أن الدولة، حتى بعد استبعاد عائدات المعادن والنفط، تنفق أكثر مما تجمع. والتنمية القاعدية تحتاج إلى فائض قابل للتوجيه، لا إلى عجز يُغطى بالاقتراض أو المساعدات.

ثانياً: هل تحتاج الميزانية إلى “زيارة” جديدة (تعديل) أم إلى إعادة هيكلة؟

التعديل الذي أُدخل على ميزانية 2026 كان مبرراً بالظرف الاجتماعي والضغط التضخمي، لكن منطق “الزيارة المتكررة” للميزانية يحمل مخاطر:

· يُضعف الرؤية الاستراتيجية: كل تعديل يعيد ترتيب الأولويات وفق الضغط الآني، لا وفق خطة تنمية متوسطة الأجل.
· يُجمّد الاستثمار: كل مليار يُضاف إلى التسيير أو الدعم هو مليار يُسحب من الاستثمار أو يُضاف إلى العجز.
· يُفقد الميزانية مصداقيتها: حين تصبح الميزانية المعدلة هي القاعدة، يصبح التخطيط المالي السنوي عبئاً شكلياً.

البديل ليس “زيارة” جديدة، بل إعادة هيكلة داخل الميزانية القائمة: تقليص النفقات غير المنتجة في التسيير، ودمج الدعم النقدي في برامج أكثر استهدافاً وكفاءة، وتوجيه الوفورات إلى تنمية قاعدية محددة الأهداف وقابلة للقياس.

ثالثاً: الأسس التي ينبغي أن تُبنى عليها الميزانيات بغض النظر عن عدد السكان وخيرات البلد

هذا هو جوهر السؤال. الميزانية الرشيدة لا تُبنى على “كم عندنا من سكان” أو “كم عندنا من معادن”، بل على قواعد ثابتة تجعل الإنفاق العام أداة تنمية لا أداة إدارة.

الأسس التالية ينبغي أن تكون ثوابت:

الأساس الأول: أولوية النفقات الرأسمالية على النفقات الجارية

القاعدة: ألا تقل نسبة النفقات الرأسمالية عن 45% من إجمالي النفقات، وأن تُموَّل النفقات الجارية من الإيرادات الجارية غير الاستخراجية. أي أن الرواتب والدعم لا تُموَّل من عائدات المعادن أو النفط، بل من الضرائب والرسوم والخدمات. هذا يمنع “تسييل” الثروة الطبيعية في استهلاك جار، ويحمي الاستثمار من التقلبات.

الأساس الثاني: ربط كل إنفاق جار بأثر قابل للقياس على التنمية القاعدية

الرواتب ليست عبئاً في ذاتها، لكنها تصبح عبئاً حين لا ترتبط بأداء. القاعدة: كل زيادة في الرواتب أو التحويلات يجب أن تُقابَل بمؤشر أداء محدد (نسبة التغطية الصحية الأولية، نسبة الالتحاق بالتعليم الأساسي، نسبة الوصول إلى المياه الصالحة للشرب). الميزانية حسب البرامج والأداء التي أعلنت موريتانيا تبنيها يجب أن تُطبَّق فعلياً، لا أن تبقى إطاراً نظرياً.

الأساس الثالث: استهداف الدعم الاجتماعي بمعايير موضوعية لا سياسية

الدعم النقدي والتحويلات ضرورية، لكنها يجب أن تُوجَّه إلى من يحتاجها فعلاً، وفق سجل اجتماعي محدَّث ومُدقَّق، لا وفق حسابات انتخابية أو فئوية.

القاعدة: ألا يتجاوز الدعم النقدي المباشر 5% من النفقات الجارية، وأن يُوجَّه الفارق إلى برامج تمكين اقتصادي (تدريب، تمويل صغير، بنية تحتية قاعدية) بدلاً من دعم استهلاكي دائم.

الأساس الرابع: قاعدة مالية متوسطة الأجل تُلزم الحكومة والبرلمان

القاعدة: لا تُعدَّل الميزانية أكثر من مرة واحدة في السنة، ويكون التعديل مبرراً بكارثة طبيعية أو أزمة خارجية موثقة، لا بضغوط اجتماعية دورية.

هذا يفرض على الحكومة أن تبني هامش أمان في الميزانية الأصلية (احتياطي طوارئ لا يتجاوز 3% من الإنفاق)، ويُجبر البرلمان على مساءلة الحكومة عن التنفيذ لا عن الوعود.

الأساس الخامس: ربط الإيرادات غير الضريبية (المعادن والنفط) بصندوق تنمية قاعدية

عائدات المعادن والنفط مورد ناضب. القاعدة: ألا تُستخدم عائدات الموارد الاستخراجية في تمويل النفقات الجارية، بل تُوجَّه إلى صندوق سيادي أو صندوق تنمية قاعدية، يُموِّل مشاريع تعليمية وصحية ومائية في المناطق الأقل حظاً.

هذا يحوّل الثروة الطبيعية إلى رأس مال بشري ومادي دائم، بدلاً من رواتب ودعم مؤقت.

الأساس السادس: الشفافية الكاملة في تخصيص الاعتمادات

الميزانية ليست وثيقة سرية..

نشر توزيع الاعتمادات حسب القطاع والبرنامج والمنطقة قبل المصادقة، وتمكين المجتمع المدني والبرلمان من مناقشة الأولويات. “ميزانية المواطن” التي أصدرتها الحكومة خطوة جيدة ، لكنها لا تكفي إذا ظلت الأرقام التفصيلية حبيسة الوزارات.

رابعاً: هل هناك “ثوابت أشد ضماناً” من الأسس المذكورة؟

نعم، هناك ثابت واحد يعلو على كل الأسس الأخرى: أن تكون الميزانية قراراً سياسياً معلناً عن أولويات التنمية، لا مجرد جدول محاسبي لتوزيع النفقات.

الثوابت الإجرائية (شفافية، رقابة، متوسط أجل، أداء) ضرورية، لكنها لا تُغني عن الإرادة السياسية في تفضيل التنمية القاعدية على الإنفاق الظرفي.

الثابت الأشد ضماناً هو: أن يُحاسَب المسؤولون على النتائج لا على الاعتمادات.

ميزانية تُنفق 140 مليار أوقية ولا تُحسّن نسبة الالتحاق بالتعليم الأساسي أو تغطية المياه القروية، هي ميزانية فاشلة حتى لو كانت متوازنة حسابياً.

خاتمة: الميزانية كافية إذا أُعيد ترتيب أولوياتها

الميزانية الموريتانية الحالية ليست فقيرة بالموارد، لكنها غنية بالنفقات غير المنتجة.

الأعباء الاجتماعية والرواتب والدعم ضرورية للاستقرار، لكنها لا تصنع تنمية قاعدية. التنمية القاعدية تحتاج إلى رأس مال يُستثمر، لا إلى دعم يُستهلك.

الحل ليس ميزانية أكبر، بل ميزانية أكثر جرأة: تقليص التسيير غير الضروري، استهداف الدعم بدقة، حماية الاستثمار من التعديلات الظرفية، وربط كل أوقية تُنفق بأثر ملموس على حياة المواطن في القرية والحي والمركز الصحي والمدرسة.

حينها فقط يمكن القول أن الميزانية “كافية” لطموح التنمية القاعدية.

محمد عبد الله محمدن

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى