ثقافةمنوعات

مؤتمر ألاك 1958.. لحظة التأسيس الوطني وبداية تشكّل الدولة الموريتانية الحديثة

🔊استمع إلى المقالجاهز
0%
اضغط تشغيل لبدء قراءة المقال
استمع إلى المقال


لم يكن مؤتمر ألاك، المنعقد يوم 2 مايو 1958 بمدينة ألاك، عاصمة ولاية لبراكنة، مجرد لقاء سياسي عابر في سجل الأحداث الوطنية، بل كان محطة تاريخية مفصلية، وبداية حقيقية لمسار التأسيس السياسي للدولة الموريتانية الحديثة، بما حمله من رؤى وطنية وتطلعات جامعة، وما أرساه من أسس للحوار والتوافق وتغليب المصلحة العامة.
لقد شكّل هذا الحدث مناسبة سياسية استثنائية، تداعت إليها الوفود والشخصيات الوطنية من مختلف أنحاء البلاد، في مشهد جسّد إرادة الموريتانيين في رسم ملامح مستقبلهم السياسي، ووضع تصور وطني يستند إلى ثوابت المجتمع الموريتاني ومرجعيته الإسلامية، وما تتضمنه من قيم الصدق والأمانة والتضامن والإيثار والتسامح، وإعلاء شأن المصلحة الوطنية فوق الاعتبارات الضيقة والخلفيات المختلفة.
وفي سياق تاريخي اتسم بتعقيدات سياسية واجتماعية، وتحديات فرضتها المرحلة الاستعمارية وما صاحبها من محاولات التشكيك في وحدة المجتمع وقدرته على بناء كيان وطني مستقل، برزت روح التماسك والتشبث بالهوية الجامعة باعتبارهما الطريق الأمثل لصيانة وحدة البلاد وتحصين مشروعها الوطني.
ألاك.. مدينة احتضنت لحظة استثنائية في تاريخ الوطن
كان اختيار مدينة ألاك لاحتضان المؤتمر اختيارا حمل دلالات تاريخية ووطنية عميقة. فقد استقبلت المدينة آلاف المشاركين والوفود القادمة من مختلف مناطق البلاد، وفتحت أبوابها لاستضافة هذا الحدث الكبير، في صورة استثنائية من الكرم والضيافة العربية الأصيلة، والتنظيم الذي عكس مكانة المناسبة في نفوس سكان المدينة والولاية.
ولم تكن الضيافة مجرد واجب اجتماعي، بل تحولت إلى عنوان بارز من عناوين نجاح المؤتمر، وشاهد على ما تتمتع به المنطقة من أصالة وكرم واستعداد لتحمل مسؤولية حدث وطني بهذا الحجم.
وتروي شهادات عدد من الذين عاصروا المؤتمر، سواء من المشاركين أو المشرفين على تنظيم الضيافة، أن مئات الخيام نُصبت لاستقبال الضيوف، وجُهّزت كل واحدة منها بأثاث جديد لم يسبق استعماله، كما جرى توفير الأواني والقداح ومختلف مستلزمات الضيافة بعناية فائقة.
وكانت الموائد والأطباق، بتنوعها ووفرتها، تعبيرا عن تقاليد الضيافة الموريتانية وامتدادها العربي الأصيل، في مشهد ترك انطباعا عميقا لدى المشاركين، وأضفى على المناسبة بعدا اجتماعيا وإنسانيا ظل حاضرا في الذاكرة الجماعية.
لقد كانت ألاك، من خلال ذلك الحدث، أكثر من مجرد مدينة مستضيفة؛ فقد أصبحت شاهدة على لحظة فارقة من تاريخ البلاد، واكتسبت مكانة خاصة في الذاكرة الوطنية، باعتبارها المدينة التي احتضنت مؤتمرا ارتبط اسمه بإحدى أهم مراحل تشكّل الدولة الموريتانية الحديثة.
إرادة التوافق وروح المسؤولية الوطنية
لم تقتصر أهمية المؤتمر على الحضور الكبير أو مستوى التنظيم والضيافة، بل تجلت كذلك في طبيعة الوفود المشاركة، وما أظهرته من رزانة وحكمة ووعي بالمسؤولية التاريخية الملقاة على عاتقها.
فقد جمعت المناسبة شخصيات ووفودا اتسمت بالاعتدال وحسن الخلق والحرص على إنجاح الحوار الوطني، انطلاقا من إدراك مشترك بأن بناء الدولة لا يمكن أن يتحقق إلا على أسس متينة من التوافق والثقة المتبادلة والشعور بالانتماء إلى وطن واحد.
وفي هذا السياق، تبرز الرواية المتداولة بشأن مباركة الرئيس المؤسس المختار ولد داداه لاختيار ألاك لاحتضان المؤتمر، بعدما نقل إليه أحد أبناء الولاية، السيد معروف الشيخ عبد الله، استعداد المدينة لاستقبال جميع المشاركين وضيافتهم دون تردد. وهي شهادة تعكس حجم الاستعداد الشعبي الذي رافق التحضير لهذا الحدث، ومدى ما أبدته ألاك من سخاء وحسن استقبال.
وقد خلّد الشعر الفصيح والشعبي هذه المناسبة، وتناقلتها الأجيال في قصائد وروايات وأشعار لا تزال حاضرة في الذاكرة المحلية والوطنية، بما يعكس عمق الأثر الذي تركه المؤتمر في وجدان المشاركين وسكان المدينة.
نادي الوفاء لمؤتمر ألاك.. مبادرة لحماية الذاكرة الوطنية
ورغم مرور عقود على انعقاد المؤتمر، لم تخفت الدعوات المطالبة بإعادة الاعتبار لهذه المحطة التاريخية، بل ظلت حاضرة في أحاديث ومواقف عدد من أبناء ولاية لبراكنة، من أساتذة وأطباء وأكاديميين وأصحاب كفاءات وفاعلين في الشأن العام وقادة رأي.
ولا تنطلق هذه الدعوات من اعتبارات جهوية أو رغبة في احتكار حدث وطني، وإنما من قناعة راسخة بأن مؤتمر ألاك يستحق أن يُقرأ ويُوثّق ويُثمّن باعتباره جزءا أصيلا من الذاكرة السياسية والتاريخية لموريتانيا، وباعتباره إحدى المحطات التي أسهمت في بلورة المشروع الوطني وتأسيس مقومات الدولة.
ومن هذا المنطلق، انطلقت مبادرات جادة لإعادة إحياء ذكرى المؤتمر وتثمين أبعاده التاريخية، وصولا إلى الاتفاق على تأسيس إطار مدني يحمل اسم «نادي الوفاء لمؤتمر ألاك 1958»، ليكون فضاء منظما لحفظ الذاكرة التاريخية، وجمع الشهادات والوثائق، والتعريف بأدوار الشخصيات التي أسهمت في إنجاح هذا الحدث.
وقد استُكملت الإجراءات القانونية المتعلقة بترخيص النادي لدى الجهات المختصة، تمهيدا لانطلاق أنشطته بصورة رسمية ومنظمة، بما يتيح تحويل الاهتمام الشعبي والتاريخي بالمؤتمر إلى عمل مؤسسي مستمر.
وتتجه الجهود الحالية إلى تنظيم فعاليات تليق بمكانة المناسبة، من خلال استدعاء الشخصيات التي عاصرت المؤتمر، والاستماع إلى شهادات المشاركين والمنظمين، وتوثيق روايات شهود العيان بالصوت والصورة، فضلا عن إعداد مواد تعريفية وتاريخية تستحضر أبرز الشخصيات التي ارتبطت بهذا الحدث، وتبرز أدوارها تقديرا لإسهاماتها وحفظا لحقها في الذاكرة الوطنية.
وستكون هذه الشهادات والوثائق والصور، إلى جانب ما خلفه المؤتمر من أشعار وروايات متداولة، مادة أساسية لبناء أرشيف تاريخي يضع الأجيال الجديدة أمام تفاصيل هذه اللحظة المهمة من تاريخ بلادهم.
مسؤولية الدولة في إنصاف الذاكرة الوطنية
ومهما تعددت الجهود والمبادرات، ومهما حاول أبناء الولاية التعبير عن حجم الحراك الفكري والتنظيمي الجاري استعدادا لإحياء ذكرى المؤتمر، فإن الكلمات تظل قاصرة عن الإحاطة بأهمية هذا العمل وحجم الطموح الذي يقف وراءه.
فالمطلوب اليوم لا يقتصر على مبادرة محلية أو احتفالية ظرفية، بل يتجاوز ذلك إلى تبنٍّ وطني ورسمي يعيد لمؤتمر ألاك مكانته المستحقة في السردية التاريخية للدولة الموريتانية.
إن المسؤولية تقع اليوم على عاتق المؤسسات الرسمية والهيئات المعنية بالثقافة والتاريخ والذاكرة الوطنية، من أجل اعتماد هذه الذكرى محطة وطنية تستحق التوثيق والاحتفاء والدراسة، وإدراجها ضمن الأحداث المفصلية التي أسهمت في تشكيل الوعي السياسي الوطني ورسم ملامح الدولة الحديثة.
فمؤتمر ألاك ليس ملكا لمدينة ألاك وحدها، ولا لولاية لبراكنة دون سواها، وإنما هو جزء من التاريخ المشترك لجميع الموريتانيين، وذاكرة وطنية ينبغي أن تتسع لها البلاد بكل مكوناتها ومناطقها وأجيالها.
إن الوفاء لمؤتمر ألاك هو وفاء للحظة اجتمعت فيها الإرادة الوطنية على تجاوز الخلافات، وتقديم المصلحة العليا، والتأسيس لمشروع دولة تجمع أبناء الوطن تحت مظلة واحدة.
وفي الأيام المقبلة، ستتضح بصورة أكبر ملامح الخطوات العملية التي يعمل عليها القائمون على نادي الوفاء لمؤتمر ألاك 1958، سعيا إلى تنظيم إحياء تاريخي يليق بالمناسبة، ويستقطب مختلف الفاعلين والشخصيات الوطنية، ويعيد تسليط الضوء على واحدة من أبرز المحطات في تاريخ موريتانيا السياسي.
إن التاريخ لا يُنصفه النسيان، والذاكرة الوطنية لا تُصان إلا بالتوثيق والاعتراف والوفاء.
كامل الشكر والتقدير لكل من أسهم في حفظ ذاكرة مؤتمر ألاك، ولكل من يعمل اليوم على إعادة الاعتبار لهذه المحطة التاريخية، حتى تظل حاضرة في وجدان الموريتانيين، وشاهدة على إرادة وطن اختار أن يبني مستقبله على الوحدة والتوافق والمصلحة المشتركة.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى