صحة

مرض الفراشة.. اضطراب وراثي نادر يجعل أقل احتكاك بالجلد سببا لجروح مؤلمة

🔊استمع إلى المقالجاهز
0%
اضغط تشغيل لبدء قراءة المقال
استمع إلى المقال

قد تمر لمسة عابرة أو احتكاك الملابس بالجلد دون أن يشعر به معظم الناس، لكنها بالنسبة للمصابين بمرض الفراشة قد تتحول إلى بداية فقاعة مؤلمة أو جرح يتطلب عناية مستمرة.

وتكشف هذه الحالة عن مرض وراثي نادر لا تقتصر آثاره في الحالات الشديدة على الجلد، بل يمكن أن تمتد إلى أعضاء وأجهزة مختلفة من الجسم.

وتقول الدكتورة جانين ماغنو، المديرة الطبية لجمعية «ديبرا البرازيل» المتخصصة في انحلال البشرة الفقاعي، المعروف باسم «مرض الفراشة»، ومنسقة السجل الوطني البرازيلي للمرض، وأستاذة الأمراض الجلدية للأطفال في جامعة بلوميناو الإقليمية بولاية سانتا كاتارينا، إن الاسم الطبي للحالة هو «انحلال البشرة الفقاعي»، وهو اضطراب وراثي نادر ينتج عن خلل في تماسك خلايا البشرة، ويؤثر في الجلد والأغشية المخاطية.

وأضافت ماغنو، في تصريحات للجزيرة نت عبر البريد الإلكتروني، أن هذا الخلل يجعل الجلد شديد الحساسية والهشاشة، بحيث يمكن أن تنفصل طبقاته عند التعرض لأبسط صدمة أو احتكاك، ما يؤدي إلى ظهور فقاعات مؤلمة وجروح.

وأوضحت أن المرض ينشأ نتيجة اضطراب في إنتاج البروتينات المسؤولة عن تماسك طبقات الجلد، إذ قد يكون أحد هذه البروتينات مشوها أو غائبا تماما، وتختلف شدة الحالة بحسب طبيعة البروتين المتأثر ومدى تأثر وظيفته.

أربعة أنواع تختلف في شدتها

وأشارت ماغنو إلى أن انحلال البشرة الفقاعي ينقسم إلى أربعة أنواع رئيسية، وفقا للمستوى الذي يحدث عنده انفصال طبقات الجلد وتكوّن الفقاعات، كما تتفرع هذه الأنواع إلى أشكال فرعية تُحدد بناء على الخصائص السريرية والجينية والنسيجية والكيميائية الحيوية.

ويأتي في مقدمة هذه الأنواع «انحلال البشرة الفقاعي البسيط»، الذي يؤدي فيه تأثر خلايا الطبقة القاعدية من البشرة إلى اضطراب بروتين الكيراتين، وتكون الفقاعات الناتجة عنه غالبا سطحية ومحدودة، ولا تترك ندوبا عميقة في العادة.

أما «انحلال البشرة الفقاعي الحثلي»، فتتكون الفقاعات فيه على مستوى أعمق، عند منطقة اتصال الأدمة بالبشرة، ما قد يؤدي إلى ظهور ندوب ومضاعفات طويلة الأمد، فضلا عن احتمال تأثر الأغشية المخاطية إلى جانب الجلد.

وفي النوع «الوصلي»، يحدث الانفصال عند منطقة الاتصال بين البشرة والأدمة، وتكون الفقاعات عميقة وقد تغطي مساحات واسعة من الجسم. وتصل معدلات الوفاة خلال السنة الأولى إلى نحو 40% في بعض مجموعات المرضى المصابين بهذا النوع.

وتتوافق هذه النسبة تقريبا مع نتائج دراسة نشرت في مجلة «طب الأطفال» (The Journal of Pediatrics)، رصدت مخاطر وفاة تراكمية تراوحت بين 40% و44.7% خلال السنة الأولى لدى مجموعتين من المصابين بالنوع الوصلي. لكن هذه الأرقام لا تنطبق بالضرورة على جميع المرضى، نظرا لاختلاف شدة الأشكال الفرعية للمرض.

أما النوع الرابع، المعروف باسم «متلازمة كيندلر»، فيمكن أن يحدث فيه انفصال طبقات الجلد عند مستويات متعددة، وقد تصاحبه حساسية للضوء ومشكلات في الجهاز الهضمي، إلى جانب ارتفاع خطر الإصابة بسرطان الجلد.

وأكدت ماغنو أن التسلسل الجيني يمثل المعيار الذهبي لتشخيص أشكال انحلال البشرة الفقاعي، لأنه يساعد على تحديد الطفرة الوراثية المسؤولة عن المرض، ومن ثم تصنيف الحالة بدقة.

عندما تنتقل الطفرة داخل الأسرة

توضح ماغنو أن انحلال البشرة الفقاعي مرض وراثي، لكن طريقة انتقاله تختلف بحسب نوع المرض والطفرة المسببة له. فقد ينتقل وفق نمط وراثي سائد أو متنح، كما يمكن أن تظهر لدى الطفل طفرة جديدة لم يرثها مباشرة من أي من والديه، وتُعرف باسم طفرة «دي نوفو» (de novo).

وتختلف احتمالات انتقال المرض من الوالدين إلى الأبناء تبعا لنمط الوراثة؛ ففي الأشكال المتنحية تصل احتمالات الإصابة إلى 25% عندما يكون الأب والأم حاملين للطفرة المسببة، بينما قد تبلغ 50% في الأشكال السائدة إذا كان أحد الوالدين يحمل الطفرة.

مرض يتجاوز حدود الجلد

وتصف ماغنو انحلال البشرة الفقاعي بأنه مرض متعدد الأجهزة، موضحة أن الأنسجة الطلائية لا تقتصر على الجلد، بل توجد أيضا في الأغشية المخاطية وتبطن أجزاء من أعضاء مختلفة، وهو ما يفسر اتساع نطاق المضاعفات لدى بعض المصابين.

وتُعد الفقاعات والجروح المزمنة أبرز المشكلات المرتبطة بالمرض، لكنها قد تترافق كذلك مع ارتفاع خطر العدوى، وتكوّن الندوب، وحدوث تغيرات دائمة في الأنسجة، فضلا عن زيادة احتمالات الإصابة بالسرطان في بعض الأنواع.

وقد تشمل المضاعفات أيضا حدوث تضيق أو تغيرات في الجهاز الهضمي والجهاز التنفسي والمسالك البولية، إلى جانب سوء التغذية المزمن، ومشكلات القلب والعينين، وتأخر البلوغ، واضطرابات المفاصل التي قد تحد من قدرة المريض على الحركة.

وتؤكد ماغنو أن هذه المضاعفات تجعل رعاية المصابين عملية مستمرة لا تقتصر على تضميد الجروح، بل تتطلب متابعة وظائف الأعضاء والحالة الغذائية والقدرة على الحركة، وفقا لنوع المرض وشدته والمشكلات التي يعاني منها كل مريض.

المرض يرهق الأسرة أيضا

لا يقتصر تأثير مرض الفراشة على المصاب وحده، بل يمتد إلى أفراد أسرته، الذين يتحملون أعباء يومية مرتبطة بالعناية بالجروح ومتابعة الألم وتلبية الاحتياجات الصحية المستمرة.

وأظهرت دراسة نشرت في مجلة «ساينتفك ريبورتس» (Scientific Reports) عام 2025، وشملت 100 من آباء وأمهات أطفال مصابين بانحلال البشرة الفقاعي، أن المشاركين سجلوا مستويات مرتفعة من الضغوط المرتبطة برعاية أبنائهم، إلى جانب تراجع جودة الحياة.

كما رصدت الدراسة ارتباطا بين ارتفاع مستويات الضغط النفسي وانخفاض القدرة على التكيف وجودة الحياة لدى الوالدين.

وأشارت النتائج إلى أن العناية اليومية بالجروح والتعامل مع الألم والاحتياجات المستمرة للأطفال تفرض أعباء نفسية وتستنزف وقت الأسرة، ما دفع الباحثين إلى التأكيد على أهمية توفير الدعم النفسي والتثقيفي للأهل، بالتوازي مع الرعاية الطبية المقدمة للمصابين.

من الضمادات إلى العلاج الجيني

توضح ماغنو أن العلاج المتاح حاليا يعتمد بصورة أساسية على العناية المستمرة بالجروح، باستخدام ضمادات غير لاصقة تساعد على التئامها وتحد من احتمالات العدوى، إلى جانب توفير رعاية طبية متعددة التخصصات لمتابعة حالة المريض والحد من المضاعفات طويلة الأمد.

ويتمثل الهدف الأساسي من هذه الرعاية في تحسين جودة حياة المصابين، إذ تتطلب طبيعة المرض متابعة دورية، وقد تستدعي مشاركة تخصصات طبية مختلفة تبعا للأعضاء المتأثرة والمضاعفات المصاحبة.

لكن السنوات الأخيرة شهدت تطورا في العلاجات الموجهة لتحسين التئام الجروح، إذ حصل بعضها على موافقات تنظيمية، فيما لا يزال بعضها الآخر قيد البحث والتجارب السريرية.

ومن أبرز هذه التطورات الموافقة على العلاج الجيني «بي-في إي سي» (B-VEC)، المخصص لعلاج الجروح المزمنة لدى المصابين بانحلال البشرة الفقاعي الحثلي، والذي بدأ تسويقه في بعض الدول.

وفي خطوة أخرى، وافقت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية في أبريل/نيسان 2025 على علاج جيني يحمل الاسم التجاري «زيفاسكين» (Zevaskyn)، يعتمد على استخدام صفائح مصنوعة من خلايا جلد المريض بعد تعديلها جينيا، لعلاج الجروح لدى المصابين بالشكل الحثلي المتنحي من المرض.

وترى ماغنو أن التقدم المتسارع في أبحاث العلاج الجيني يفتح آفاقا واعدة أمام المصابين، في ظل وجود دراسات تستهدف معالجة الأسباب الأساسية للمرض، بدلا من الاكتفاء بالتعامل مع الجروح والأعراض.

وأعربت عن تفاؤلها بإمكانية ظهور علاجات جديدة خلال السنوات المقبلة، تقرّب المرضى من الهدف الأكبر المتمثل في الوصول إلى علاج قادر على تحقيق الشفاء الكامل.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى