تحقيقات

الثروة السمكية في موريتانيا بين الجهود الحكومية ومعوقات ميدانية تهدد البيئة البحرية

🔊استمع إلى المقالجاهز
0%
اضغط تشغيل لبدء قراءة المقال
استمع إلى المقال

تمثل الثروة السمكية إحدى أهم الركائز الاستراتيجية للاقتصاد الموريتاني، بالنظر إلى ما تزخر به المياه الوطنية من موارد بحرية، وما يتيحه هذا القطاع من فرص واعدة لتعزيز النمو الاقتصادي، وخلق فرص العمل، ودعم الأمن الغذائي، وتوسيع القاعدة الإنتاجية للبلاد. ومن هذا المنطلق، تتجاوز الجهود الحكومية الرامية إلى تطوير القطاع مجرد إدارة الموارد البحرية، لتندرج ضمن رؤية تنموية تستهدف تحويل الوفرة الطبيعية إلى قيمة اقتصادية مستدامة تنعكس آثارها إيجابا على حياة المواطنين.

وتكتسب هذه الرؤية أهميتها من ضرورة تحقيق التوازن بين الاستغلال الاقتصادي للثروة البحرية والمحافظة عليها، من خلال تطوير البنية التحتية للصيد، وتحسين ظروف النشاط الاقتصادي، وتعزيز الشراكات الدولية بما يضمن صيانة المصالح الوطنية وترسيخ أسس الاستغلال المستدام للموارد.

وفي هذا السياق، تشكل المفاوضات الجارية بين موريتانيا والاتحاد الأوروبي بشأن الشراكة في مجال الصيد البحري محطة مهمة في مسار إدارة هذا المورد الاستراتيجي. فقد بحثت وزيرة الصيد والبنى التحتية البحرية والمينائية، عيساتا لام، يوم 22 أكتوبر الجاري، مع المفوض الأوروبي المكلف بالصيد والمحيطات، سبل دفع المفاوضات نحو نتائج متوازنة تحقق المصالح المشتركة، وتضمن استغلال الموارد البحرية على نحو مستدام.

ويعكس هذا المسار أهمية الدبلوماسية الاقتصادية في إدارة الثروات الوطنية، إذ لا ينبغي أن تقتصر الشراكات الدولية على العائدات المالية المباشرة، بل يتعين أن تمتد آثارها إلى نقل الخبرات، وتطوير القدرات الفنية، وتعزيز الرقابة البحرية، ودعم البنى التحتية، وفتح آفاق أوسع أمام الفاعلين الاقتصاديين الوطنيين.

ومن شأن مواصلة التفاوض بروح المسؤولية والوضوح أن تعزز قدرة موريتانيا على الاستفادة من موقعها البحري وإمكاناتها السمكية، مع مراعاة متطلبات حماية المخزون البحري وضمان حقوق الأجيال القادمة في هذه الثروة الوطنية.

غير أن التحدي الأكبر الذي يواجه قطاع الصيد لا يتعلق بحجم الموارد المتاحة وحده، بل بمدى القدرة على تحويلها إلى إنتاج ذي قيمة مضافة مرتفعة، من خلال بناء سلسلة إنتاج متكاملة تبدأ بالصيد المنظم، وتمتد إلى التحويل والتبريد والتعليب والنقل والتسويق، وصولا إلى تعزيز القدرة التنافسية للمنتجات الموريتانية في الأسواق الخارجية.

وفي هذا الإطار، تبرز أهمية السياسات الحكومية الرامية إلى تطوير البنية التحتية المينائية، وتحسين خدمات إنزال الأسماك وتخزينها، وتشجيع الاستثمار في الصناعات السمكية، بما يسهم في رفع القيمة الاقتصادية للمنتجات البحرية وتعزيز مساهمة القطاع في الناتج الوطني.

وتتمتع مدينة نواذيبو، بما تمتلكه من موقع استراتيجي ومؤهلات بحرية ومينائية، بإمكانات كبيرة تؤهلها للتحول إلى قطب صناعي متكامل في مجال الصيد البحري. ومن شأن استثمار هذه المؤهلات أن يفتح المجال أمام إنشاء المزيد من المنشآت الصناعية، وتوسيع أنشطة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وخلق فرص عمل جديدة، وتعزيز الترابط بين القطاع السمكي وبقية الأنشطة الاقتصادية.

ولا تتوقف أهمية الثروة السمكية عند حجم الصادرات والعائدات المالية، بل تمتد إلى قدرتها على تحريك سوق العمل وتحسين الظروف المعيشية للسكان. فالاستثمار في مصانع التحويل والتبريد والنقل والتسويق من شأنه أن يوفر فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، وأن يتيح للشباب اكتساب مهارات مهنية جديدة والانخراط في أنشطة إنتاجية قادرة على تحقيق دخل مستدام.

كما يمثل تعزيز توفر الأسماك بأسعار مناسبة في السوق المحلية بعدا اجتماعيا مهما، بالنظر إلى قيمتها الغذائية العالية وإسهامها المحتمل في تنويع مصادر البروتين وتحسين الأمن الغذائي، بما يجعل الاستفادة من هذه الثروة حقا اقتصاديا واجتماعيا ينبغي أن تتسع دائرته لتشمل مختلف فئات المجتمع.

ومن هنا، تبرز ضرورة تكامل الجهود الحكومية مع استثمارات القطاع الخاص، وتوجيه الموارد نحو أنشطة تحقق عائدا اقتصاديا واجتماعيا أوسع، مع منح الصيادين التقليديين والمؤسسات الوطنية دورا أكبر في مختلف مراحل الدورة الإنتاجية، حتى لا تظل القيمة المضافة محدودة، أو تتركز المنافع في حلقات ضيقة من النشاط الاقتصادي.

وفي المقابل، تظل المحافظة على الثروة السمكية شرطا أساسيا لاستدامة الاستثمار وضمان استمرارية العائدات. فالإفراط في الاستغلال، وضعف الرقابة، وتراجع المخزونات البحرية، عوامل تهدد التوازن البيئي وتعرض مصادر رزق المجتمعات الساحلية لمخاطر جدية، كما يمكن أن تقوض المكاسب الاقتصادية التي يحققها القطاع على المدى الطويل.

ولذلك، تكتسب جهود المراقبة البحرية، وتطوير البحث العلمي، وتحسين تنظيم أنشطة الصيد، ومكافحة الصيد غير القانوني أهمية استراتيجية متزايدة. ويتطلب نجاح هذه الجهود تعزيز الشفافية في إدارة الموارد، وإتاحة المعلومات المتعلقة بحالة المخزون السمكي، وربط قرارات الاستغلال بالمعطيات العلمية الدقيقة، بما يضمن الاستخدام الرشيد للثروة البحرية.

كما تمثل الشراكات الفنية والمالية الدولية فرصة لتعزيز القدرات الوطنية وتطوير أدوات التسيير والرقابة، شريطة أن تنسجم أهدافها مع الأولويات الموريتانية، وأن تنعكس نتائجها بصورة ملموسة على حماية الموارد البحرية وتحسين أداء القطاع وتوسيع قاعدة المستفيدين منه.

إن تطوير قطاع الصيد البحري مسؤولية مشتركة تتطلب وضوح الرؤية الحكومية، وفاعلية المؤسسات المعنية، واستعداد القطاع الخاص لتوجيه استثماراته نحو الأنشطة ذات القيمة المضافة العالية. فالدولة تضطلع بمهمة وضع الأطر التنظيمية، وتطوير البنى التحتية، وضمان الرقابة والاستدامة، فيما يملك المستثمر الوطني القدرة على الإسهام في توسيع التصنيع والتسويق والتشغيل ونقل الخبرات.

ومن شأن هذا التكامل أن يفتح آفاقا أوسع أمام الاقتصاد الوطني، ويعزز قدرة المنتجات البحرية الموريتانية على المنافسة، ويحد من تسرب جزء من القيمة الاقتصادية إلى الخارج من دون أن ينعكس بالقدر الكافي على فرص العمل والدخل المحلي.

وفي المحصلة، فإن الرهان على الثروة السمكية هو رهان على نموذج تنموي يجعل من الموارد الطبيعية محركا للإنتاج والتشغيل وتعزيز الأمن الغذائي، بدلا من الاكتفاء بتصديرها في صورتها الأولية أو قياس مردودها بالعائدات المباشرة وحدها.

وتوفر الجهود الحكومية الرامية إلى تطوير القطاع وتعزيز الشراكات الدولية أرضية مهمة لمواصلة هذا المسار، فيما يظل معيار النجاح الحقيقي هو حجم القيمة المضافة المتحققة محليا، وعدد فرص العمل المستدامة التي يتيحها القطاع، ومدى المحافظة على الثروة البحرية، وحجم المنافع الملموسة التي تصل إلى المواطنين.

وهو رهان تسعى حكومة الوزير الأول المختار ولد اجاي إلى كسبه، في إطار التوجيهات والرقابة الصارمة لفخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، بما يعزز مكانة الثروة السمكية في مسار التنمية الوطنية، ويحول الإمكانات البحرية الواعدة إلى رافعة حقيقية للنمو الاقتصادي والاجتماعي.

الثوابت الموريتاني

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى