ثقافة

عبد الله إبراهيم: التطابق مع الماضي والآخر يعطل ابتكار أسئلة الحاضر

🔊استمع إلى المقالجاهز
0%
اضغط تشغيل لبدء قراءة المقال
استمع إلى المقال

يقدم الناقد العراقي وخبير السردية العربية الدكتور عبد الله إبراهيم قراءة نقدية للبنى العميقة التي تحكم الثقافة العربية، متوقفا عند أزمات الوعي وتناقضاته، وإشكاليات العلاقة بالتراث والآخر. وينطلق إبراهيم من مفهوم «المطابقة والاختلاف» لتفسير مظاهر الجمود الثقافي، محذرا من تحويل الهوية إلى استنساخ للماضي أو تقليد لنماذج مستوردة لا تنسجم مع السياقات المحلية.

وفي هذا الحوار، يناقش إبراهيم الانشقاق الثقافي في المجتمعات العربية، وحدود الحوار مع الآخر، وطبيعة العلاقة بالماضي، ودور النقد الثقافي في تفكيك أنظمة التمثيل والسلطة الرمزية. كما يوضح الضوابط المنهجية التي يحتاج إليها الباحث لتجنب الانحياز والتعميم والاختزال، مؤكدا أهمية بناء مفاهيم نقدية تنطلق من الظواهر الثقافية التي تسعى إلى تفسيرها.

المطابقة والامتثال.. حين يتحول الاقتراض الثقافي إلى عائق

عند سؤاله عن مفهوم الامتثال بوصفه بنية ثقافية خفية، وما إذا كان يمثل خطرا يتوارى خلف شعارات الوفاء للماضي أو الانفتاح على الآخر، يوضح إبراهيم أنه تعمد عدم استخدام مصطلح «الامتثال» بديلا عن «المطابقة»، واقتصر توظيفه على وصف النتائج التي تترتب عليها.

وفي مشروعه «المطابقة والاختلاف»، يقصد بالمطابقة التشابه مع الماضي، سواء في مفاهيمه أو نماذجه الإرشادية، أو التماهي مع الآخر، ممثلا في الغرب، من خلال تبني رؤيته ومفاهيمه. ويرى أن أيا من المسارين لا يحقق فائدة حقيقية، لأنهما يقومان على الاقتراض السلبي؛ إذ يحتمي الأول بالماضي، بينما يستعير الثاني نماذجه من الخارج، وكلاهما يعجز عن ابتكار أسئلته الخاصة وتحديد شروط زمانه ومكانه.

ويؤكد إبراهيم أن استلهام الماضي يختلف عن التماثل الجامد معه، فحين تتحول العلاقة بالتراث إلى التزام بسردية مكتملة لا تقبل المراجعة، تتراجع القدرة على الفعل التاريخي، وتصبح الهوية أسيرة نموذج ثابت.

وفي المقابل، فإن تقليد الآخر بدافع الشعور بالنقص أو تحت ضغط الهيمنة يؤدي إلى إضعاف المرجعيات الذاتية واستعارة نماذج جاهزة من بيئات مختلفة، دون مراعاة السياقات التي نشأت فيها.

ومن هذا المنطلق، يرى أن بناء الهوية يتطلب إعادة تأويل التراث، واستيعاب المنجز الإنساني ضمن شروط واعية، بعيدا عن الانغلاق الذي يخشى العالم أو التقليد الذي يفقد الذات خصوصيتها.

الانشقاق الثقافي وأزمة المجتمعات العربية

يرى إبراهيم أن إخفاقات النخب الثقافية العربية لا يمكن تفسيرها بمعزل عن السياقات الثقافية الموروثة أو المستعارة، التي أسهمت في تشكيل إشكالية ممتدة منذ عصر النهضة.

فمع تصدع القيم التقليدية، انقسم التفكير إلى اتجاهين متعارضين؛ يتمسك الأول بالموروث باعتباره الأساس الذي تقوم عليه الهوية، بينما يدعو الثاني إلى تجاوزه والانخراط في الثقافات الإنسانية الحديثة.

ولم يظل هذا الانقسام محصورا في المجال الفكري، بل امتد إلى بنية المجتمعات نفسها، حيث ظهر التباين بين من يدعون إلى حصر الاهتمام في علوم الدين، بما تشمل العقيدة والفقه والأحكام السلطانية، ومن يرون ضرورة الانتقال إلى علوم الدنيا وقوانينها الوضعية، ولا سيما بعد التجربة الاستعمارية وظهور الدولة الحديثة.

ويشير إبراهيم إلى أن المجتمعات العربية لم تحسم بعد علاقتها بهذه المرجعيات، إذ ما زالت تتحرك بين منظومة القوانين الوضعية وأحكام الشرائع الموروثة، دون توافق مستقر في الوعي الجماعي. وقد أدى هذا التردد إلى إضعاف الإرادة المشتركة، وترك المجتمعات في حالة من الحيرة بين التقدم إلى الأمام والتمسك بما اعتادت عليه.

ويصف إبراهيم الثقافة العربية في ظل هذا التوتر بأنها تكاد تكون «مكفوفة اليد» في العالم المعاصر، نتيجة انقطاع الصلة بين موروثات فقدت بعض جدواها في الحاضر، والعجز عن استعادتها بصيغتها القديمة أو ابتكار بدائل تستجيب للتحولات الجديدة.

ويحذر من أن الانقطاع عن الماضي لا يقل خطورة عن الارتهان له، لأن العودة غير النقدية إليه قد تحبس المجتمعات في نماذج تجاوزها الزمن، بينما يؤدي الانفصال الكامل عنه إلى الانطلاق نحو تصورات لا تستند إلى فهم واقعي للتاريخ والذات.

الحوار مع الآخر ورفض الهويات المستعارة

وفي ما يتعلق بعلاقة الذات بالآخر، يرفض إبراهيم الدفاع غير النقدي عن الهويات التقليدية، رغم إقراره بدورها في حماية الأمم من التلاشي، كما يعارض فرض هويات مستعارة على المجتمعات أو إجبارها على تبني نماذج خارجية لا تنبع من تاريخها وتجربتها.

ويعتبر أن التغيير المفروض من الخارج قد يكون عنيفا ومؤقتا، لأنه يفصل الأمة عن تاريخها، ويملأ ذاكرتها بتجارب وأفعال لم تستوعبها ثقافيا، ما قد يؤدي إلى اضطراب الذاكرة الجماعية وصعوبة استيعاب تلك النماذج.

وبدلا من ذلك، يدعو إلى تغييرات داخلية تتطور تدريجيا، وتستفيد من تجارب الآخرين من دون إكراه أو استنساخ. فالحوار الحقيقي، بحسب رؤيته، يحتاج إلى توازن يسمح بتفاعل متبادل بين الثقافات، بعيدا عن علاقات الهيمنة والاستئثار التي وسعت المسافة بين الأنا والآخر.

ويشدد إبراهيم على أن الانفتاح لا يعني التخلي عن الخصوصية، كما أن الحفاظ على الهوية لا يستلزم الانعزال عن العالم؛ إذ يتطلب الأمر علاقة نقدية تسمح بالاستفادة من التجارب الإنسانية مع إخضاعها لشروط البيئة التي يجري تبنيها فيها.

الماضي بين التراث والعبء التأويلي

يفرق إبراهيم بين التعامل مع الماضي بوصفه خبرة تاريخية تساعد على فهم الحاضر، واستدعائه باعتباره مرجعية مطلقة صالحة لجميع الأزمنة.

فالعلاقة المتوازنة بالتراث، وفق تصوره، تقوم على إدراكه ضمن سياقه التاريخي المنقضي، واستعادته بهدف تفسير التحولات التي شهدتها المجتمعات، لا تحويله إلى نموذج نهائي يُحتكم إليه في تقييم الحاضر.

أما حين يُعامل الماضي باعتباره صورة مثالية مكتملة، فإنه يتحول إلى عبء على الوعي الجمعي، ويُختزل الحاضر في محاولة لتكرار تجربة سابقة يُنظر إليها باعتبارها نموذجا لا يقبل التغيير.

ويؤدي هذا التصور، بحسب إبراهيم، إلى تعطيل الخيال التاريخي، لأن الهوية تصبح قائمة على تمجيد السلف بدلا من مساءلة الواقع وفهم شروطه المتغيرة. ومن ثم، لا تكمن المشكلة في الماضي ذاته، بل في تحويله إلى سردية نهائية تُستخدم لتبرير الحاضر وتقييد إمكانات تجاوزه.

منطق السرد وتاريخ الأفكار عند ميشيل فوكو

وفي قراءته للبنية الفلسفية للسرد، يميز إبراهيم بين منطق الأفكار ومنطق الخيال السردي. فالأول يتحرك، في العادة، من مقدمات إلى نتائج ضمن مسار يمكن وصفه وتحليله، بينما يتسم الثاني بالتعرج والتقلب، وقد يتقدم بسرعة ثم يتراجع، أو ينقض المقدمات التي انطلق منها.

ويتوقف إبراهيم عند تصور ميشيل فوكو لتاريخ الأفكار، الذي يميز بين ما يُعد مستحدثا ويولد صيغاً جديدة، وما يُنظر إليه باعتباره إعادة إنتاج لما قيل سابقا.

ويرى أن هذا التصور منح الإبداع والتغيير مكانة أعلى، في حين قلل من قيمة العناصر التي اعتُبرت تكرارا أو اجترارا للماضي، وأسهم في تقديم التاريخ بوصفه تراكمًا بطيئا للوقائع.

لكن إبراهيم يلفت إلى أن التحولات الثقافية لا تسير في اتجاه واحد؛ فالنماذج الجديدة قد تحل محل القديمة، ثم تتحول بدورها إلى أنماط متكررة، في الوقت الذي يمكن فيه للأفكار السابقة أن تعود إلى الظهور ضمن سياقات جديدة.

ومن هنا، فإن فهم التحولات السردية يقتضي الانتباه إلى التداخل بين الابتكار والتكرار، وعدم التعامل مع التاريخ باعتباره مسارا خطيا تنتقل فيه الأفكار من مرحلة قديمة إلى أخرى حديثة بصورة نهائية.

النقد الثقافي وتفكيك السلطة الرمزية

يؤكد إبراهيم أن النقد الثقافي لا يقتصر على تصحيح مضمون السرديات أو تقويمها أخلاقيا، بل يتجاوز ذلك إلى فحص الشروط الثقافية التي تنتج الخطابات وتمنحها شرعيتها.

فالسرد، في نظره، ليس مجرد بنية جمالية محايدة، وإنما نظام للتمثيل يتضمن رؤى معينة، ويمكن أن يسهم في إعادة إنتاج أنساق ثقافية مهيمنة.

وبناء على ذلك، تتمثل مهمة النقد الثقافي في تفكيك المرجعيات التي تستند إليها الأقوال السردية، والكشف عن التوتر بين المعاني الظاهرة والأنساق المضمرة التي تحملها.

ويرى إبراهيم أن السرديات تميل إلى إنشاء مركز معنوي ونظام مغلق يدعي الاكتمال، في حين ينبغي للناقد أن يعمل على زعزعة هذا المركز والكشف عن حدوده، لا أن يستبدل به سردية مركزية أخرى تعيد إنتاج الآلية نفسها.

وبذلك، يصبح النقد ممارسة تهدف إلى توسيع مجال الفهم، وكشف علاقات القوة الكامنة في الخطابات، وإتاحة المجال أمام قراءات متعددة لا تخضع لمركز واحد يدعي امتلاك الحقيقة الكاملة.

محاذير الباحث.. الألفة والتعميم والاختزال

يشير إبراهيم إلى أن دراسة ظواهر معقدة مثل السردية تتطلب قدرا من الألفة مع الموضوع، بما يتيح للباحث الاقتراب منه وفهم تفاصيله من دون استنكار مسبق. غير أن هذه الألفة تحمل وجها آخر، إذ قد تؤدي إلى فقدان المسافة النقدية وتحول الباحث من محلل إلى مدافع عن الظاهرة التي يدرسها.

فعندما يندمج الباحث في موضوعه إلى حد بعيد، قد تتلاشى الحدود بين التحليل والتبرير، ويتحول البحث إلى إعادة إنتاج لما يعرفه مسبقا، بدلا من إخضاعه للفحص والمساءلة.

وفي المقابل، لا تمثل الجفوة أو النفور من الموضوع بديلا منهجيا سليما، لأنهما قد ينطلقان من الجهل أو من أحكام مسبقة تسبق البحث وتحدد نتائجه قبل البدء فيه.

ويضع إبراهيم التعميم والاختزال ضمن أبرز المخاطر التي تواجه الباحث في دراسة الظواهر الكبرى. فالتعميم يساعد على تقديم صورة إجمالية، لكن الإفراط فيه يؤدي إلى إهمال الفروق والتفاصيل الدقيقة، بينما يسمح الاختزال بالتركيز على البنى الأساسية، لكنه قد ينتهي إلى تجريد يفقد الظاهرة مضمونها الفعلي.

ولذلك، يشدد على ضرورة ضبط هذين الإجراءين وتحقيق التوازن بينهما، بحيث يظل الباحث قادرا على استخلاص الأنماط العامة من دون محو الخصوصيات، وعلى تحديد البنى الرئيسة من دون تفريغها من محتواها.

نحو استقلالية السردية العربية

وفي ما يتعلق بمشروع السردية العربية، يؤكد إبراهيم أن المفاهيم النقدية لا تحقق غايتها ما لم ترتبط بالظواهر التي نشأت لتفسيرها، لأن الظواهر الثقافية هي التي تمنح المفاهيم دلالاتها وتحدد قدرتها على الفهم والتحليل.

ويرى أن استعارة الأفكار من بيئات مختلفة، من دون مراعاة طبيعة الظواهر التي أنتجتها، قد تؤدي إلى استخدام مفاهيم لا تتلاءم مع الواقع المراد دراسته.

ومن هذا المنطلق، عمل إبراهيم على مفهوم «السردية العربية»، باعتباره أداة إجرائية لا تحمل في ذاتها هوية دينية أو عرقية محددة، وإنما تتشكل هويتها وفق المحتوى الذي تتضمنه، سواء كان دينيا أو اجتماعيا أو تاريخيا.

ولا يقتصر تأثير هذا المحتوى على تسمية السردية، بل يمتد إلى تشكيل بنيتها الداخلية، وتنظيم وقائعها، وتوزيع الأدوار بين شخصياتها.

وبذلك، يدعو إبراهيم إلى تطوير أدوات نقدية تستند إلى خصوصية الظواهر الثقافية العربية، وتستوعب في الوقت نفسه المنجز الإنساني، من دون الوقوع في فخ التطابق مع التراث أو الاستعارة غير النقدية من الغرب.

chinguitel
زر الذهاب إلى الأعلى